رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل يمكن تأجيل الحديث عن وقائع الداخل المصري والمنطقة على وشك الانفجار في وجه أهلها؟ وبأيديهم؟ هل رصاصات جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية ونداءات الاستغاثة والحديث عن قوافل الجثامين، هي مقدمة لأزمة لاستدعاء صواريخ "توما هوك" الأمريكية إلى القاهرة؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا سيمفونية الدم والرصاص والحرق ومواجهة الجيش المصري؟، هل هذه الرصاصات المتناثرة يمكنها أن تغير واقعا؟، وهل هذه الرصاصات القاتلة دون تمييز يمكنها أن تفتح أبواب القبول الشعبي لمن يطلقها؟، وهل من يطلق رصاصات القتل هو المتهم؟ أم من صاغ الرصاص عقيدة للتعامل مع المجتمع؟
الدم يصبغ أفق اللوحة المصرية بلون رمادي، وليس لونا أحمر كما هو لون الدم، وهو ذات لون أفق اللوحة العربية، رمادية اللون رغم نزيف الدم في ربوعها.
العلاقة بين لون الدم ولون الأفق، هي العلاقة بين الدم والقرار.
خمس وحدات بحرية تابعة للأسطول السادس الأمريكي تقبع حاملة صواريخ توما هوك انتظارا لأوامر قصف الأراضي السورية، لأن هناك اتهاما باستخدام أسلحة كيميائية وغازات لقتل ما بين 1000 إلى 1500 من أبناء الشعب السوري!، ومن سيتخذ القرار، الرئيس الأمريكي، الحاصل على جائزة نوبل للسلام!، ولماذا؟، عقابا لسلطة استخدمت ضد شعبها أسلحة الدمار الشامل!، هل هناك أكثر من هذا تلاعبا بالعقل؟، وهل هناك أكثر من هذا كذبا وخداعا؟، بالقطع لا، فالحارس الأمين على الشعب السوري، الرئيس الأمريكي هو ممثل لدولة إنتاج الدمار والقتل، في المنطقة العربية، وهو وحده صاحب القرار، وما عداه هو رتوش على الصورة إن لم تنفع فهي لن تضر.
من أهم التصريحات الإستراتيجية الأمريكية، بعيدا عمن يرفضون مقولة المؤامرة، تصريح قال به روبرت جيتس آخر وزير دفاع أمريكي مع جورج دبليو وبوش وأول وزير دفاع في إدارة أوباما، كان التصريح مواكبا لأسئلة عديدة عن دور المخابرات المركزية الأمريكية فور تفكك الاتحاد السوفييتي أول تسعينيات القرن الماضي وكان روبرت جيتس في حينها رئيسا للمخابرات الأمريكية، قال جيتس: "إن ما أطلق عليه صراع الشرق والغرب بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا، كان صراعا بين وجهي الحضارة الغربية، ولكن الآن يبدأ الصراع بين الغرب وبين الشرق الحقيقي وفي القلب منه الإسلام"، هذه حقيقة الإستراتيجية الأمريكية، حتى وإن استخدمت هذه الإستراتيجية الإسلام لصناعة فيالق الإرهاب في الدول الإسلامية ابتداء بقتال الإلحاد السوفييتي في أفغانستان لمواجهة الإلحاد، وانتهاء بفرق القتل والتفتيت للمنطقة العربية.
هي إستراتيجية وليست مؤامرة، لها رؤيتها، ومهامها، وأدواتها، ولا تتغير سواء كانت الإدارة الأمريكية من المحافظين الجدد أو هي من الحزب الديمقراطي.
كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل ــ أعانه الله على تحمل تبعات حريق مكتبته التي كانت لمصر وليس له شخصيا، وأرجو أن تكون للوثائق أصولها التي احتفظ بها دائما بعيدا عن إمكانية القرصنة كما قال مرة من قبل عام 1971، وأن يكون ما احترق صورا يتعامل بها ــ قال في كتابه "آفاق الثمانينات" على لسان اندروبوف زعيم الاتحاد السوفييتي السابق ورئيس الكي جي بي من قبل: "يمكن لأي زعيم دولة من دول العالم الثالث أن يطلب منا أي شيء، غير أن نطعم شعبه"، كانت الضائقة الاقتصادية قد حاقت بالقطب الثاني في عالم ذلك الزمن، ولكنها أيضاً مقولة تنم عن توجيه إستراتيجي لأي زعيم، أطعم شعبك من ناتج عرقه ولا تتسول الطعام.
كان ذلك زمن الحرب الباردة، أو الردع المتبادل بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن في عالمنا الآن، والذي مازال أحادي القطبية، ويد أمريكا وإسرائيل مطلقة فيه، خرج تصريح من روسيا الاتحادية يقول إن روسيا لن تقاتل دفاعا عن سوريا، أي أن إستراتيجية روسيا الاتحادية هي "عض الأصابع"، وليس تحمل مسؤولية قطع الأيدي.
المصالح تتكلم وليس ما يمكن تسميته التحالفات، فالتحالف يبقى قائما حتى لحظة انطلاق المدافع، ومن يملك إمكانية اتخاذ قرار الحرب، تبقى الساحة الدولية أمامه مفتوحة.
ويخرج علينا موقفان متناقضان، واحد من لندن والآخر من القاهرة، فقد رفض مجلس العموم البريطاني الاشتراك في العملية العسكرية على سوريا، وكتب روبرت فيسك بأنها "أغبى حرب غربية في تاريخ العالم الحديث".
ويبرر الرئيس الأمريكي اتجاهه لضرب سوريا بأنه يريد وضع حد يمنع تجاوز «الخط الأحمر» بشأن استخدام السلاح الكيماوي مستقبلا في الصراع في هذا البلد. لكن النائبة بمجلس العموم البريطاني سارة ولاستون ردت عليه بالقول إن أمريكا هي نفسها من تجاوزت هذا الخط عندما استخدمت الفسفور الأبيض في العراق، واستخدمت السلاح الكيميائي في الفالوجة تحديدا.
وكتبت في صحيفة «الجارديان» تحت عنوان «لماذا قمتُ بالتصويت ضد التدخل العسكري في سوريا؟» تقول: كيف لا يعد الفسفور الأبيض الذي استخدمته أمريكا في العراق سلاحا كيميائيا؟ ربما لأن أمريكا هي فقط من استخدمه؟
هذا ما يجري في لندن، أما في القاهرة، فيقول المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية: إن الجامعة لا تعطي الضوء الأخضر أو غيره، بل إننا نتحدث في إطار القانون الدولي ضمن أهمية الأزمة السورية من المنظور العربي، وكذلك من المنظور الأخلاقي والسياسي والإستراتيجي.
إطار ومناظير، وقانون دولي وأخلاقيات وسياسة وإستراتيجية، وكأني بكل ضحايا الشعب السوري والعراقي والفلسطيني والجزائري واللبناني يصرخون بالرجل: "أعربي أنت؟".
من المؤكد أن كل الأزمات التي مرت بالمنطقة العربية كان للجامعة موقف، ولكن عندما تضع الأزمة السورية أوزارها، سيسجل لنبيل العربي أنه أمين جامعة الدول العربية الذي كتب شهادة وفاة الجامعة وميثاقها.
وخرج شخص اسمه فهد المصري متحدث باسم المعارضة السورية باتصال تليفوني من خارج سوريا كما قال للمذيعة التي سألته بذكاء أين هو، إلى فضائية مصرية خاصة، منددا بتأخر التدخل الغربي!، والحركات السياسية والثورية عندما تواجه سلطة الاستبداد، تحيا فوق الأرض وتجعل من شعبها ظهيرا لها، ولكن عندما تستعين بالعدو التقليدي لوطنها، ولا أقول لنظام الحكم فيه، تخلع عنها رداء الانتماء لهذا الوطن، تماما كما كانت أصواتهم تعلو بالتكبير والغارة الإسرائيلية تضرب مواقع داخل سوريا.
على الذين يسعون لإسقاط نظام الحكم في سوريا الحذر من ضياع سوريا، وإن ضاعت سوريا فإن زلزالا سيطول كل المنطقة العربية، وأول ما سيضرب سيضرب مصر.
إن الخطر يحيط بمصر، والحديث أن عام 2015 هو عام الانتهاء من أمر مصر على أجندة المهام الأمريكية لا يجب تركه دون اعتبار.
الاعتبار الأول قبل السياسة والثورة والحرب، ألا يطلب أي زعيم من أحد أن يطعم شعبه، ولن ينتج شعب طعامه إلا إذا اعتقد يقينا بأنه يملك زمام أمره، وأن إرادته تعلو فوق القوة.
الاعتبار الثاني قبل الثأر للدم، أن في عالم السياسة ليس هناك إبادة لوجود تنظيمي، ولكن الكيانات التنظيمية والعقائدية تتآكل من داخلها، وعندما يلفظها مجتمع، يصبح ملأ الفراغ مسؤولية المجتمع، بكل مستوياته.
والاعتبار الثالث لملئ الفراغ، يبدأ بخطاب سياسي واضح يحمل القوة والصدق والشجاعة، يتحدث به من يعطي الرمز للوطن، ودرس يناير العظيم، أن الرمز للوطن لا يتمثل في فرد، ولكن الرمز للوطن هو إرادة شعبية تملك الرؤية وجسارة التعبير عنها.
والاعتبار الرابع أن صبغة الأرض بالدم لا تحول دون ضرورة تجاوز رمادية الأفق.
والاعتبار الخامس أن رمادية الأفق مصدرها التردد في إدراك معنى الثورة بأنها علم تغيير المجتمع، والمجتمع لا يتغير بتغير الأشخاص فيه، ولكن التغيير في جوهره هو إعادة ترتيب للقوى الاجتماعية داخل المجتمع. إن التغيير ليس بتغيير أوجه يذهب منها البعض ويعود البعض للمشهد وكأن الذاكرة قد أصابها العطب.
والاعتبار السادس وهو أن الثورة ليست عملية انتقام ولا هي مفتاح للانتهازية السياسية، قد يجد البعض نفسه متصدرا للمشهد، وهو في تاريخه لم يقدم مبررا وحيدا لاحتسابه لصالح الثورة، إن المشاهد الحالية هي من صنع حالة التصحر السياسي، إنها إطلالات جديدة لعناصر نظام ثار عليه الشعب، سواء كانت هذه العناصر ضمن حزب أو جماعة حكمت، أو كانت ضمن من عايشها سياسيا، وكان غايته أن يبقى في المشهد السياسي، ينطق بما يعجب الشعب، ويفعل ما يتيح له البقاء على حساب آلام الشعب.
والاعتبار السابع أن مهام الفترة الانتقالية وإن كان قد زاد عليها مواجهة خطر الإرهاب ورصاص الجريمة السياسية وصواريخ توماهوك الأمريكية، فإن الفترة الانتقالية كانت قبل بزوغ كل هذه الحقائق تدور وخطر الوجود الإسرائيلي في الشرق مصدر رئيسي لتهديد الأمن القومي.
الاعتبار الثامن أن الوجود الحقيقي للثائر الملتزم بقضية مجتمعه، يرتبط بمدى انتمائه لهذا المجتمع، أرضا وشعبا، وأن حديثا بمفاهيم إنسانية تتجاوز حق الحياة وتسبق ضرورات الوجود، هي انحراف ببوصلة الثورة ودور الثائر، هي حالة انتحار.
إن الحديث عن "العدالة الانتقالية" كبديل لإرادة الثورة في التغيير، والحديث عن مصالحات يدفع ثمنها نقدا، هو إعادة إنتاج لنظام الفساد ومؤسساته.
إن الثورة لم تضع قانون التطهير وممارسة الحياة السياسية لعناصر المجتمع، وعلى ذلك فإن إحالة أمر التطهير إلى قوانين نشأت في نظام يجري تغييره هو إعادة لنظام الفساد والاستبداد دينيا كان أو غير ديني من باب خلفي وهو مدخل الانقلاب على الثورة.
إن الكلمة الرئيسية لعنصر القوة في المجتمع تبدأ من إدراك مكوناته كما تريدها إرادة الشعب وتحتاجها.
إن كل محاولة لحصار الجيش المصري بادعاءات ممن لو ترك لهم الأمر لعايشوا أي نظام لأن أساس مطلبهم هو طموحات ذاتية، إن هذه المحاولات هي بالأساس تفريغ الأمة من عنصر حمايتها وحائط الصد الوطني الأول.
إن من لا يقف احتراما لعلم الوطن ونشيده القومي لا يستحق الحياة فوق أرضه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9981
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1647
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1617
| 29 يوليو 2026