رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت سأعنون مقالي هذا بـ(حرب الشرق الأوسط أو فوضى الشرق الأوسط) وهي الحقيقة عندما نكون شاهدين على تخبط اللاعبين السياسيين في المنطقة ودهشتنا نحن جميعا أمام هذا التخبط لأننا مهما اجتهدنا لم نعد قادرين على فك طلاسم الواقع. ثم اهتديت شخصيا الى أن أصل الداء يكمن في موت القانون الدولي نهائيا أي ذلك الذي تعودنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن نسميه القانون الدولي وهو في الحقيقة من وضع الدول المنتصرة في تلك الحرب (العالم الحر بقيادة أمريكا وعضوية الدول الأوروبية) على دول المحور بقيادة ألمانيا النازية الهتلرية وإيطاليا الفاشية بقيادة (موسوليني) وعضوية اليابان الإمبراطورية وبعض الدول الدائرة في فلكهم ما عدا الصين التي كانت سنة 1945 تعيش أحداثا جساما تتمثل في استعداد شعبها حامل خمسة آلاف سنة من الحضارة لاستعادة قوة الصين بفضل زعيمها (ماوتسي تنغ) الذي شرع في الإعداد للمسيرة الكبرى بهدف الإطاحة بقيادات عصابات يقودها (تشان غاي تشاك) وتوحيد الصين لتصبح قوة بشرية وسياسية وعسكرية عظمى تنافس عملاقي ذلك الزمن أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وهكذا نجد اليوم أنفسنا (ونحن بتاريخ الجمعة 31 يوليو2016) أمام عالم مختلف تماما عما عهدناه مقاما على أنقاض عالمنا القديم يأتينا كل يوم بمفاجأة تتمثل في مواقف السياسيين أحيانا من الضد للضد. والأمثلة أكثر من أن تعد وأن تحصى أخرها قرار الرئيس الأمريكي بإيقاف قصف إيران عندما تستجيب إيران لفتح مضيق هرمز لعبور جميع البواخر مهما كانت جنسية راياتها المرفوعة ودون فرض رسوم عبور على كل الناقلات التي تعبر المضيق. ثم نفاجأ بقرار العودة للقصف بأكثر كثافة بحجة أن إيران انتهكت "الاتفاق" واعتدت على سفن تعبر المضيق دون ترخيص! أما قاتل القانون الدولي الأول فهو رئيس حكومة الكيان المتطرف الذي "يصنع" مصطلحاته الخاصة به ويروجها لتعويض معاني ميثاق الأمم المتحدة. ففي رأيه وحده أن الفلسطيني المدافع عن أرضه والرافض للاحتلال هو "إرهابي تخريبي" بينما المغتصب للأرض الفلسطينية هو"مواطن إسرائيلي شريف ورث أرض الملك داوود والتي هي حسب خرافات المتطرفين الذين شوهوا التوراة وهي الوحي المقدس الذي أنزل على نبي الله موسى عليه السلام " واستخلصوا من أوهامهم بأن أرض الميعاد هي وعد رب موسى لشعب إسرائيل أن يهبها لهم...!" وبهذا المنطق الذي أسميه (منطق القوة) تستمر مصادرة أراضي شعب فلسطين وهو ضد (قوة المنطق) بل وتقنين الإبادة الجماعية وشرعنة تهجير ملايين الفلسطينيين من أرضهم مع دعوات رئيس الحكومة الأكثر تطرفا منذ نشأة الكيان عام 1947 الى اليوم. ويساعده حلفاؤه في الائتلاف اليميني (بن غفير) وزير الأمن الأصولي المتعصب الأعمى وزميلاه وزير التراث (عميحاي الياهو) رئيس حزب "قوة يهودية" و(يتسائيل سمورتوفيتش) وزير المالية وهؤلاء توعدوا (نتنياهو) بالانسحاب من الائتلاف الحكومي والانقلاب عليه فورًا، إذا ما تخلى عن "مبادئ أحزابهم في عملية قطاع غزة العسكرية داعين إلى ضرورة الاحتلال الكامل لقطاع غزة والضفة الغربية" ولم ينسوا توجيه النصيحة للفلسطينيين المهجرين أن يحطوا رحالهم في سيناء أو الربع الخالي أو حتى صحراء نيفادا...! وبالنسبة للمتطرفين فإن التطهير العرقي المحرم دوليا ما هو سوى "توسع ديمغرافي طبيعي للسكان...!" وتتواصل حملات إقناع بقية شعوب العالم بهذه الأكاذيب الملفقة وبهذه التصنيفات المدلسة في غياب وعي دولي بحقائق التاريخ. هذا الوعي بوجود شعب فلسطين الذي لم يعد إلا مع طوفان الأقصى أي مع المقاومة الشرعية للمحتل. وما كانت جماهير الطلبة لتخرج من حرم جامعة (كولمبيا) الى الشوارع لولا السابع من أكتوبر 2023. وهل ينسى العالم البند 51 من ميثاق الأمم المتحدة الذي يقول بكل وضوح أن أي شعب تحتل أرضه له الحق في مقاومة الاحتلال دبلوماسيا أولا ثم بالسلاح إذا لم يخضع المحتل للقانون الدولي وتحول (كما هو حال الكيان) الى دولة مارقة عن القانون والشرعية ومهددة للسلم الدولي. وتذكرت بكل فخر أن أمير قطر سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كان دعا الى عقد مؤتمر دولي تحتضنه الدوحة يخصص للاتفاق على معاني المصطلحات المتداولة حول الإرهاب والاحتلال والاستعمار والمقاومة والوصول الى اتفاق دولي مشترك على تعريف من هو المقاوم الشرعي ومن هو الإرهابي! وفي هذا السياق شارك معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية يوم الثلاثاء الماضي في اجتماع تشاوري عقده أصحاب السمو والمعالي والسعادة وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عبر تقنية الاتصال المرئي جرى خلاله تبادل الرؤى حول تطورات المرحلة الراهنة ومستجدات المفاوضات الجارية والجهود المبذولة للدفع بها نحو تفاهمات عملية تسهم في خفض التوتر وتعزيز بيئة الأمن والاستقرار الإقليميين كما جرى مناقشة سبل تكثيف التنسيق والتشاور بين دول المجلس إزاء القضايا المرتبطة بحرية الملاحة وسلامتها في مضيق هرمز، بما يكفل حقوق المرور والعبور وانسياب حركة السفن والتجارة والإمدادات، وفقا لأحكام القانون الدولي، وبما يحفظ الحقوق السيادية لجميع الدول المشاطئة لمياه الخليج. وأكد الوزراء أهمية مواصلة العمل المشترك وتغليب المعالجات السياسية والدبلوماسية، وتهيئة الظروف المواتية لبناء الثقة والتوصل إلى حلول مقبولة لجميع الأطراف. هذا نسوقه للتأكيد على أن دولة قطر متمسكة بتطبيق القانون الدولي كمرجع وحيد لحل أزمات العالم بدءا بالشرق الأوسط. تفيدنا آخر الأخبار أن الفجوة اتسعت بين (ترامب) و(نتنياهو) وهي تدل على أن جانبا كبيرا من الجمهوريين يعتقدون أن (نتنياهو) يقود الولايات المتحدة الى حرب شاملة تضر بمصالح الولايات المتحدة. دليل هؤلاء على ذلك هو الاستقبال البارد الذي خص به (ترامب) ضيفه الثقيل فعوض أن يفتح له مدارج البيت الأبيض اضطره للدخول من باب خلفي وبازدراء واضح ولم يشارك الرجلان كالعادة في مؤتمر صحفي يشير الى اتفاقهما على الأهداف وعلقت القناة 12 الإسرائيلية على ذلك بالقول: سوف يخسر (نتنياهو) الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر القادم وهو في حالة عجز عن فرض الحرب ضد إيران على الولايات المتحدة...!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7512
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1251
| 30 يوليو 2026