رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

141

نوت الدوسري

ثمن البقاء

03 سبتمبر 2026 , 02:00ص

بعض الناس نحسب كلماتنا معهم جيدا، نفكر قبل أن نغضب، ونراجع أنفسنا قبل أن نقسو، ونسارع إلى إصلاح ما أفسدناه، لأننا نعرف، في مكان ما داخلنا، أنهم قد يرحلون. وهناك آخرون، لا نفعل معهم كل ذلك. نغضب براحة أكبر، نؤجل الاعتذار، ونرفع سقف توقعاتنا منهم كل مرة. ليس لأنهم أقل قيمة، بل ربما لأننا أكثر اطمئنانا إلى بقائهم.

وهنا تبدأ واحدة من أغرب المفارقات في العلاقات: نخشى خسارة البعض، فنحسن معاملتهم. ونأمن بقاء آخرين، فننسى أن نخشى خسارتهم. نحسب كلماتنا مع من قد يغلق الباب. ونتركها تخرج كما تشاء مع من نعرف أنه سيتركه مواربا. نلتمس العذر لمن اعتدنا منه التقصير. أما الذي اعتدنا منه الوعي، فتكبر هفوته في أعيننا: أنت بالذات؟ كأن الخطأ لا يقاس بما حدث فقط، بل بمن ارتكبه.

هذا لا يعرف. وذاك كان يجب أن يعرف. هذا طبيعته هكذا. أما ذاك، فوعيه نفسه يصبح حجة عليه. ولا يعني ذلك أن الوعي يعفي صاحبه من مسؤولية خطئه. لكن لماذا نمنحه، بسبب وعيه، مساحة أقل ليكون إنسانا؟

نطالبه أن يتفهم لأنه أعقل. وأن يبدأ بالصلح لأنه أنضج. وأن يتحمل لأنه أقوى. وأن يتجاوز، لأنه دائما كان يفعل. حتى تتحول أجمل صفاته، دون أن نشعر، إلى فاتورة يدفعها كل مرة. وعيه يصبح مطالبة بالمزيد. قوته سببا لنمنحه أقل. وصبره دليلا نستخدمه، لنطلب منه صبرا آخر. ولعل المثل الشعبي المصري اختصر هذه المفارقة بجملة بسيطة: اللي بيشيل... بيشيلوه.

فمن يحمل مرة، نثق بقدرته. ومن يحمل مرتين، نعتاد قدرته. ثم، دون أن نشعر، لا نعود نسأله إن كان قادرا على حمل المزيد. والذي بقي في كل مرة، ننسى أن نسأله كم كلفه البقاء.

والأغرب أننا قد نسمي ذلك ثقة. نقول: هو يفهمني. هي تعرفني. سيتجاوز. لكن هناك فرقا بين أن نطمئن إلى شخص، وأن نطمئن إلى بقائه أكثر مما ينبغي. فالأمان في العلاقات لا يعني أن أكون واثقا أنك لن ترحل مهما فعلت. الأمان الحقيقي، أن تكون واثقا أن بقاءك لن يجعلني أقل حرصا عليك. وهذا لا يحدث بين زوجين فقط. قد يحدث في بيت كامل. مع الابن الأكثر مسؤولية، فنحمله أكثر لأنه يفهم. ومع الأخ الذي يتنازل دائما، فننسى أن تنازله لم يكن واجبا. ومع الصديق الذي يبادر في كل مرة، حتى تصبح مبادرته شيئا ننتظره بدل أن نقدره.

وفي العمل، قد يصبح تميز الموظف هو الحد الأدنى المتوقع منه، بينما تتحول هفوته إلى سؤال: كيف حدث هذا منك أنت؟ وكأننا، كلما رفعنا شخصا في أعيننا، ضيقنا عليه مساحة الخطأ. وربما لا يكون الظلم دائما في حجم الخطأ أو الحساب عليه. أحيانا يكون في كمية الأعذار التي نوزعها حوله. لهذا عشرة أعذار. ولهذا عشرة توقعات. هذا نبحث عن ظروفه. وذاك نطالبه بأن يفهم ظروف الجميع. حتى يصبح الأكثر فهما، هو الأقل حصولا على التفهم.

لكن ما يمنح لنا بمحبة، لا ينبغي أن يتحول مع الوقت إلى حق مكتسب. التفهم ليس واجبا أبديا. والتنازل ليس طبعا يمكن استهلاكه بلا نهاية. والبقاء، ليس ضمانا. فالناس لا يغادرون دائما بالأبواب. أحيانا يبقون في المكان نفسه، ويبدأ شيء في داخلهم بالمغادرة. يبقى الإنسان، لكنه يقلل حديثه. يبقى، لكنه لا يعاتب كما كان. يبقى، لكنه يتعلم أن يحتفظ لنفسه بأشياء كان يأتي بها إلينا. يبقى في الصورة، وتغيب منه أشياء لم ننتبه إلى رحيلها.

وهنا ربما يكون أخطر ما في البقاء: أنه يخدعنا عن الخسارة. فننظر إلى وجود الإنسان ونطمئن، ولا نسأل ماذا بقي منه بعد كل مرة طلبنا منه أن يفهم. ولا كم مرة تجاوز لأنه أحبنا، لا لأن ما فعلناه لم يؤلمه. ولا متى تحول صبره، في أعيننا، من هدية، إلى شيء مضمون.

ربما لهذا يستحق الأقربون منا حرصا أكبر، لا أقل. فالذي لم يهدد يوما بالرحيل، لا يعني أنه لا يتعب. والذي يفهمنا دائما، لا يعني أنه لا يحتاج أن نفهمه. والذي سامح كثيرا، لا يعني أن علينا أن نمنحه سببا جديدا للمسامحة. لأن بعض الناس لا نخسرهم عندما يرحلون فقط، قد نخسر شيئا منهم وهم ما زالوا معنا.

وهذه ربما الخسارة التي يصعب ملاحظتها: أن يبقى الشخص، لكن تقل الأشياء التي كان يمنحنا إياها بحب. أن يبقى، لكن لا يعود إلينا بالطريقة نفسها. وأن نكتشف متأخرين أن ما حسبناه ضمانا، كان اختيارا يتجدد كل يوم. فلا تجعلوا أجمل ما في الإنسان حجة عليه. ولا وعيه سببا للقسوة. ولا صبره سببا لاختبار المزيد من صبره. ولا وفاءه شيئا نطمئن إليه حتى ننسى قيمته. فالبقاء لا ينبغي أن تكون له فاتورة... يدفعها دائما من بقي.

مساحة إعلانية