رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

105

نوت الدوسري

أثقل من الحقيبة

26 أغسطس 2026 , 11:22م

في صباح الثلاثين من أغسطس، ستبدو الأشياء مألوفة. حقائب جديدة، دفاتر لم تكتب صفحاتها بعد، زي مدرسي أعد بعناية، ووجوه تعود إلى مقاعد تركتها خلفها مع نهاية العام الماضي.

سيبدو وكأن الجميع يبدأ من جديد. لكن بعض الأطفال سيحملون إلى المدرسة شيئا أثقل من حقائبهم. شيئا لا نراه، ولا يوضع على الطاولة حين تبدأ الحصة الأولى.

طفل سيعود ومعه كلمة قيلت له في العام الماضي، ولم يعرف صاحبها أنها بقيت كل هذا الوقت. وآخر سيجلس في مقعده الجديد، لكنه ما زال يحمل خوفا من إجابة خاطئة ضحك عليها أحدهم. وثالث ينتظر لقاء أصدقائه بشوق، بينما هناك من يتمنى في داخله ألا يلتقي بمن جعل أيامه السابقة أثقل مما ينبغي. حتى ذلك الطالب المتفوق، الذي نظن أنه يعود محملا بالثقة، قد يدخل عامه الجديد وفي داخله سؤال لا يسمعه أحد: ماذا لو لم أستطع أن أكون الأول هذه المرة؟

نستعد لأبنائنا في بداية كل عام بكل ما نستطيع. نختار الحقيبة، ونجهز الزي، ونرتب الدفاتر والأقلام، ونضبط مواعيد النوم، لكن ثمة أشياء لا تظهر في قائمة الاستعداد. الثقة ليست ضمنها. والأمان لا يوضع في حقيبة. والشعور بأن لك فرصة أخرى، لا يمكن تجهيزه في الليلة السابقة.

وربما لهذا لا يبدأ جميع الطلاب من المكان نفسه، حتى وإن دخلوا البوابة نفسها في الصباح ذاته. فالتقويم يستطيع أن يعلن بداية عام دراسي جديد، لكنه لا يستطيع أن يمحو عاما مضى من ذاكرة طفل. وهنا يصبح السؤال مختلفا: هل نمنح أبناءنا فعلا بداية جديدة؟ أم أننا نغير الصفوف والكتب والمعلمين، ثم نسمح للأمس أن يدخل معهم من الباب؟

فالطالب الذي تعثر في عامه السابق، قد يصل إلى صفه الجديد وقد سبقه إليه وصف قديم. مشاغب. ضعيف. خجول. قليل المشاركة. كلمات تبدو صغيرة حين تقال، لكن بعضها يعيش أطول مما نتوقع. وربما يكون أجمل ما يفعله معلم في أول يوم، أن يقابل الطالب قبل أن يقابل تاريخه. أن يمنحه مساحة صغيرة لا يكون فيها الطالب الذي كان، بل الطفل الذي يمكن أن يكون. لأن بعض الأحكام لا تبقى في ملفات المدرسة. تخرج منها، وتسكن الطفل نفسه.

يقال له مرة إنه ضعيف في الرياضيات، فيكررها بعدها: أنا لا أفهم الرياضيات. يتعثر في عام، ثم يدخل العام التالي وهو مقتنع أن التعثر أصبح جزءا منه. وقد يصمت طفل طويلا، فنطمئن لأنه لا يشتكي، بينما كان صمته هو الشيء الوحيد الذي استطاع أن يقوله. وهنا ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف كان مستواه؟ بل: ماذا حدث له؟ الفرق بين السؤالين بضع كلمات، لكن المسافة بينهما قد تكون طفلا لم ننتبه إليه.

فالمدرسة لا تصنعها الإجابات الصحيحة وحدها. أحيانا، يصنعها معلم أعاد لطفل ثقته بعد أن فقدها. صديق جعل المقعد أقل وحدة. خطأ مر دون سخرية. ومحاولة ثانية لم يذكره أحد بالأولى.

وفي البيوت أيضا، ليست كل الحكايات مكتوبة في الشهادة. هناك أشياء تظهر في تفاصيل أصغر بكثير. صباح أثقل. اسم يتكرر بطريقة مختلفة. صمت لم يكن موجودا. أو جملة عابرة يقولها الطفل ثم يمضي، بينما كان ينتظر منا أن نتوقف عندها. فالأطفال لا يقولون دائما: أنا خائف. أحيانا يقولون: بطني يعورني. ولا يقولون دائما: أحدهم يؤذيني. قد يقولون فقط: ما أبي أروح المدرسة. وبين ما يقوله الطفل، وما يحاول أن يقوله، مساحة تستحق أن نصغي إليها.

في الثلاثين من أغسطس، ستفتح المدارس أبوابها، وستمتلئ الممرات من جديد، وسيكتب تاريخ جديد على السبورة. وسيدخل الأطفال من البوابات بحقائب نعرف جيدا ماذا وضعنا فيها. لكن ربما يكمن السؤال الذي لا يظهر في قائمة الاستعداد: ماذا يحملون ولا نراه؟

فليس أثقل ما يحمله الطفل بالضرورة ما يضعه على كتفه. أحيانا تكون كلمة. أو خوفا. أو ذكرى. أو صورة قديمة عن نفسه ينتظر شخصا واحدا فقط ليخبره أنها ليست الحقيقة كلها.

لذلك، ربما لا تكون البداية الحقيقية حين يرن الجرس، ولا حين تفتح الكتب. ولا حين نكتب على الصفحة الأولى: عام دراسي جديد. البداية الحقيقية، حين يشعر طفل ما أن الأمس لن يستخدم ضده اليوم. عندها فقط، لا يبدأ عام دراسي فحسب، بل تبدأ فرصة جديدة.

اقرأ المزيد

بين السطور بين السطور

ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا، لكنني كلما حاولت الإجابة عنه، اكتشفت أنني كنت أبحث في... اقرأ المزيد

579

| 23 يوليو 2026

مساحة إعلانية