رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يُعد عام 2022 عاما استثنائيا، إذ تحتضن دولة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم. وهو ما يعني التوافد الغفير للوفود السياحية إلى الدوحة بحثا عن مقطن لفترة قصيرة في سبيل الاستمتاع بأجواء كأس العالم وما يصاحبها من نشاطات بجانب البطولة ذاتها.
إلا أنه مع اقتراب كأس العالم يوما بعد يوم، تردني العديد من التساؤلات من قبل المستأجرين بشأن حق المؤجر في إنهاء عقود الإيجار السارية وطرد المستأجرين من العين المؤجرة لكي ينفرد المؤجر بتأجيرها بسعر يضاهي الطلب المحلي خلال فترة كأس العالم وتوافد مئات الآلاف من السياح. وللإجابة عن هذا السؤال بشكل عملي ينبغي الإشارة للآتي:
1- أن عقد الإيجار هو عقد رضائي ينعقد بتوافر الرضا من قبل المؤجر والمستأجر دون الحاجة لإفراغة إلى قالب شكلي معين. وعلى الرغم من أن قانون الإيجار رقم (4) من العام 2008 في المادة الثالثة نصت أنه («تُبرم عقود الإيجار الخاضعة لأحكام هذا القانون كتابة... ولا تُسمع أية طلبات يقدمها المؤجر أمام اللجنة أو القضاء وتكون ناشئة عن عقد الإيجار إلا إذا كان العقد مسجلاً بالمكتب»)، إلا أننا نعتقد بأن الكتابة ليست شرطا للانعقاد، وإلا تحول عقد الإيجار لعقد شكلي، بل شرطا للإثبات والدليل على ذلك سماح الشارع للمستأجر بأن يثبت واقعة التأجير بكافة وسائل الإثبات.
2- أن عقد الإيجار – كأصل عام – بمجرد انعقاده بين طرفي التعاقد يكون ملزما لطرفي العقد وفقا للقاعدة: العقد شريعة المتعاقدين. وهو ما يعني بأن الأطراف اتجهت إرادتهم على قانون خاص فيما بينهم ولا يجوز لأحد منهم التنصل من التزاماته التعاقدية بالإرادة المنفردة.
حيث إن عقد الإيجار بوصفه من العقود المسماة وهو عقد من العقود المعاوضة، يرتب التزامات على طرفي العقد. فيلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجر وعدم التعرض المادي أو القانوني لمنفعة المستأجر، في حين أن الأخير يلتزم بدفع الأجرة بوقتها المحدد، والمحافظة على العين كما استلمها بالإضافة إلى التزامه برد العين حين انتهاء عقد الإيجار.
3- إلا أن بعض المؤجرين – وتنصلا من مبدأ سلطان الإرادة – الذي ينص بأن الإرادة حرة في أن تلزم نفسها فيما شاءت، وقد شاءت إرادة الأطراف في أن تلزم نفسها في عقد محدد المدة - فرضا - بأجرة معينة وبشروط متفق عليه. يلجأ بعض المؤجرين لفسخ عقد الإيجار – بعيدا عن الإرادة المنفردة – وذلك عبر اللجوء إلى حيلة قانونية تجعل لهم حجة أمام لجنة فض المنازعات الإيجارية في فسخ عقد الإيجار والإخلاء الجبري وسداد ما يتبقى من الأجرة إلى حين الإخلاء. والخطورة تكمن بأن قرار لجنة فض المنازعات الإيجارية – كدرجة ابتدائية – قراراتها تكون في حكم السندات التنفيذية التي تبيح لمن صدر له القرار بأن يقوم بالشروع بإجراءات التنفيذ مباشرة دون أن يتمكن المنفذ ضده من وقف القرار عبر الاستشكال أو طلب وقف التنفيذ حيث إن المحكمة المختصة في وقف تنفيذ قرارات اللجنة في نفاذ النفاذ المعجل هي محكمة الاستئناف المختصة التي قد تستغرق وقتا في الفصل في التظلم بعد تنفيذ قرار الإخلاء مما يترتب عليه الضرر الجسيم للمنفذ ضده المستأجر.
4- لذلك – كمحامٍ – نوصي المستأجر بأن يقوم بسداد الأجرة بوقتها حسبما ينص عليه عقد الإيجار، وإن خلا الأخير من الميعاد، يسدد المستأجر الأجرة في موعد لا يجاوز سبعة أيام من التاريخ المحدد في العقد لاستحقاقها. ويجب أن يحصل المستأجر عند سداد الأجرة على إيصال من المؤجر يفيد السداد. إذ إن الخطورة في عقد الإيجار أن المستأجر يقع عليه عبء إثبات أنه قد قام بدفع الأجرة. وهو ما يفيد بأنه في حالة قيام المؤجر برفع دعوى أمام اللجنة بشأن عدم سداد المستأجر الأجرة، فستكون كفة الدعوى لصالحه في حال لم يستطع المستأجر إرفاق ما يفيد السداد سواء كان إيصال قبض، سحب شيك بنكي، أو تحويلا بنكيا إلى حساب المستفيد.
5- ولذلك، يلجأ بعض المؤجرين إلى بعض الحيل لكي يكون قرار اللجنة لصالحهم، ومنها الامتناع عن استلام الأجرة على الرغم من عرض المستأجر للأخير لاستلامها. وبذلك يستفيد المؤجر من المادة رقم 19 من قانون الإيجارات التي تنص («يجوز للمؤجر، ولو قبل انتهاء عقد الإيجار، أن يطلب من اللجنة إخلاء العين المؤجرة في الحالات الآتية: 1- إذا لم يقم المستأجر، بالوفاء بالأجرة في ميعاد استحقاقها، ما لم يقدم عذراً تقبله اللجنة»).
6- وقد فطن المشرع لمدى استفادة بعض المؤجرين إلى هذه الثغرة، فأوجد سبيلا إلى المستأجر إلى الوفاء بما في ذمته وفاء تاما في حال امتناع المؤجر عن استلام الأجرة وذلك حسب نظام العرض والإيداع. والمقصود بذلك بأن يقوم المستأجر – إبراء لذمته – بالعرض الحقيقي للأجرة والإيداع الحقيقي لها حيث لا يحول بينها وبين المؤجر أي عراقيل في سبيل تحصيلها. وفي حال عدم تحصيل الأجرة من قبل الأخير، فإنه لا يقع خطأ على المستأجر. حيث تنص 11 من قانون الإيجارات («فإذا امتنع المؤجر عن استلام الأجرة وإعطاء سند المخالصة عنها، فللمستأجر، قبل مضي سبعة أيام من تاريخ امتناع المؤجر أن يخطره بكتاب مسجل على عنوانه المثبت في العقد بوجوب استلام الأجرة خلال سبعة أيام، فإذا لم يتسلمها المؤجر خلال هذا التاريخ، يودع المستأجر الأجرة خلال الأسبوع التالي خزانة اللجنة بدون رسوم»).
7- أخيرا، لا شك بأن كثيرا من عقود الإيجار الحالية تنتهي في شهر سبتمبر أو أكتوبر من العام الحالي. ولما كان أن عقد الإيجار ينتهي كأصل عام بانتهائه، إلا أن هذه القاعدة مكملة ويجوز للأطراف الاتفاق خلافها. ما يهمنا أن ينتبه المستأجر – في بنود عقد الإيجار- إلى مسألة تمديد عقد الإيجار. فقد يتطلب العقد إما تدخلا إيجابيا من قبل أحد المتعاقدين بإخطار الأخر، أو التدخل السلبي في حال عدم إخطار أحد الأطراف للآخر، يمتد العقد لمدة جديدة. فقد ينص العقد بأن عقد الإيجار يمتد بذات الشروط والأحكام والمدة في حال عدم قام المستأجر بإخطار المؤجر على الأقل قبل شهرين من انتهاء عقد الإيجار (حسب الطريقة التي اتفق خلالها الأطراف في الإخطار فقد يكون كتابا مسجلا بعلم الوصول أو ببرقية وما يقوم مقامها). وقد ينص عقد الإيجار بأن عقد الإيجار ينتهي بانتهاء مدته إلا في حالة إخطار أحد طرفي العقد برغبته في التمديد. وقد لا ينص العقد على مسألة الإنهاء إلا أن المستأجر يظل منتفعا بالعين ويقبل المؤجر الأجرة للشهر بعد انتهاء العين وهو ما يفيد تجديد عقد الإيجار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2511
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2283
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1185
| 11 أكتوبر 2026