رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

654

وجيدة القحطاني

التكيّف.. رحمة من ربّ العالمين

03 نوفمبر 2025 , 02:03ص

منذ أن خلق الله الكون وأبدع نظامه، جعل لكل مخلوق وسيلة يعيش بها، ولكل كائن قدرة يتفاعل بها مع بيئته، فلا يفنى ولا يندثر، بل يستمر ويزدهر بقدر ما يُحسن التكيّف مع ما حوله. فالتكيّف ليس مجرد سلوك عابر، بل هو سُنّة من سنن الله في خلقه، وآية من آيات رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء. ولو تأمل الإنسان في نفسه وفيما حوله، لرأى أن التكيّف هو سر الحياة وبقاؤها، وهو الدليل على أن الخالق جلّ شأنه جعل لكل ظرف بابًا للنجاة، ولكل ابتلاء طريقًا للتجاوز، ولكل ضعفٍ قوةً خفية تنبع من داخل النفس.

التكيّف في معناه الواسع هو قدرة الكائن الحي على تعديل سلوكه أو وظائفه أو شكله أو تفكيره بما يتلاءم مع البيئة أو الظروف التي يعيش فيها، ليتمكن من البقاء والنمو. وهو استجابة طبيعية للحياة وتحدياتها، فالإنسان والحيوان والنبات جميعهم يتفاعلون مع بيئاتهم بشكلٍ يضمن استمرارهم. فالتكيّف ليس ضعفًا أو تنازلاً، بل هو ذكاء وفطنة، إذ يستطيع من يمتلك هذه القدرة أن يحوّل الأزمات إلى فرص، والعوائق إلى دوافع للنجاح.

من دون التكيّف، لا يمكن للحياة أن تستمر على وجه الأرض. فهو الوسيلة التي مكّنت المخلوقات من البقاء رغم التغيّرات المناخية والبيئية والاجتماعية التي لا تتوقف. ولولا هذه القدرة الإلهية لما استطاعت الكائنات أن تواجه تقلبات الزمان والمكان.

فالتكيّف يحمي من الفناء، ويساعد على تحقيق التوازن بين الإنسان وبيئته، وبين رغباته وواقعه. إنه ما يجعل الفرد قادرًا على التأقلم مع صعوبات العمل وضغوط الحياة الأسرية، ويمنحه القوة على التحمّل والمثابرة. ومن جهة أخرى، يسهم التكيّف في نمو المجتمعات، إذ يجعل أفرادها أكثر مرونة في مواجهة الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الصحية، كما حدث خلال جائحة كورونا حين غيَّر الناس أساليب حياتهم وتعلمهم وعملهم.

إن التكيّف نعمة ربانية شاملة لكل الكائنات، فقد خلق الله الإنسان بعقل يفكر، وقلب يشعر، وجسد يتأقلم، ليتمكّن من مواجهة مختلف البيئات. فالإنسان يعيش في الصحراء والجبال والسواحل والغابات، ويتحمل حرارة الصيف وبرد الشتاء، ويبتكر الوسائل التي تحفظ حياته. وفي ذلك تجلٍّ لقوله تعالى:

«وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ» (الجاثية: 13).

أما الحيوان، فالتكيّف فيه غريزة تحفظ بقاءه. فمنها من غيّر شكل جسده ليقاوم الحرارة أو البرد، ومنها من طوّر طرقًا للصيد أو الهروب من الأعداء. والنبات كذلك له نصيب من هذه الرحمة، فهو يبدّل اتجاه أوراقه نحو الشمس، ويمد جذوره بحثًا عن الماء، ويتحوّل شكله ليقاوم الجفاف أو الرطوبة. إنها شبكة عظيمة من التوازن والانسجام لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه.

ومن أبهى صور التكيّف التي نشهدها في واقعنا، تكيف ذوي الإعاقة مع حياتهم. فرغم ما يواجهونه من تحديات جسدية أو حسية، إلا أنهم يتجاوزونها بإصرار وإيمان عميق بقدرتهم على العطاء.

ومن أبرز الأمثلة الملهمة غانم المفتاح، الذي وُلد بإعاقة نادرة جعلته يعيش من دون الجزء السفلي من جسده، لكنه تحوّل إلى نموذج عالمي للأمل والإيجابية. لم يستسلم لظروفه، بل واصل تعليمه، وشارك في فعاليات دولية كبرى، وأصبح سفيرًا للإنسانية، مذكّرًا الجميع بأن الإعاقة ليست في الجسد بل في الإرادة.

قصة غانم المفتاح هي ترجمة حيّة لقوله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (الشرح: 6).

فهو دليل على أن التكيّف الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل، من الإيمان والصبر والعزيمة.

ومن الحيوانات نجد الجمل، الذي لقّب بـ»سفينة الصحراء»، مثال بديع على التكيّف في عالم الحيوان. فقد هيّأه الله بخصائص فريدة تمكّنه من العيش في أصعب البيئات وأكثرها قسوة.

حتى الأزهار، رغم رقتها وجمالها، تمتلك قدرة مدهشة على التكيّف. 

فالتكيّف في النباتات ليس مجرد بقاء، بل جمالٌ في الطاعة وانسجامٌ مع النظام الإلهي الدقيق.

كل هذا يصل بنا إلى نتيجة واحدة، أن الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، بل مليئة بالتحديات والمفاجآت، ومن ينجح في اجتيازها هو من يُتقن فنّ التكيّف.

في العمل، قد يواجه الإنسان زملاء مختلفين في الطباع أو ظروفًا مهنية قاسية، فيحتاج إلى الصبر والحكمة ليحافظ على توازنه وأدائه.

وفي الأسرة، يتكيف الأبوان مع مسؤوليات التربية، ويتعلم الأبناء كيف يتعاملون مع الخلافات ويزرعون الاحترام والحب رغم الضغوط.

وفي الحياة العامة، يمر الإنسان بمواقف مؤلمة أو خسارات، لكن رحمة الله تمدّه بقدرة على النهوض من جديد، ليواصل الطريق بإيمانٍ وثقة.

التكيّف هنا ليس قبولًا بالعجز، بل قوة هادئة تتيح للإنسان أن يرى الجانب المضيء من المواقف، وأن يتعلّم من كل تجربة درسًا يقرّبه من النضج والنجاح.

إذا.. التكيّف والتعايش ضرورة لا رفاهية. فالتحديات مثل التغير المناخي، والحروب، والضغوط الاقتصادية، تتطلب أن نتعلم كيف نحيا بمرونة، وأن نُدرك أن التنوّع والاختلاف ليسا تهديدًا، بل فرصة للتكامل والتعايش السلمي.

حين يتكيّف الإنسان مع بيئته ويحترم قوانينها، ويحافظ على موارده، ويقبل الآخر رغم اختلافه، فهو يسهم في حماية الحياة على الأرض. ومن لا يتكيف مع الواقع، يتجاوزه الواقع نفسه.

قال تعالى: «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13)، فالتعارف والتعايش نوع من التكيّف الاجتماعي الذي يحفظ الإنسانية من التنازع والدمار.

ختاماً.. التكيّف ليس مجرد مهارة نتعلمها، بل نعمة ورحمة من رب العالمين أودعها في كل كائن، ليحيا بمرونة واتزان. وهو سرّ الاستمرار في وجه الشدائد، وجوهر الحكمة في التعامل مع الحياة.

فمن يتأمل في الكون يرى أن كل شيء فيه يتكيف: البحر والمد والجزر، النبات والضوء، الحيوان والغذاء، والإنسان والمصير.

إنها دعوة لأن نحمد الله على هذه النعمة، وأن نتعلّم كيف نجعل من التكيّف وسيلة للنمو لا للاستسلام، وللإبداع لا للجمود، وأن ندرك أن كل ما يأتينا من تبدّلٍ في الحياة إنما هو امتحانٌ لنعمة عظيمة، هي رحمة التكيّف التي تضمن بقاءنا واستمرارنا في رحمة الله الواسعة.

مساحة إعلانية