رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، خلال افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى، مجرد استعراض للإنجازات أو عرض للتحديات، بل حمل رسائل عميقة تتجاوز حدود السياسات الحكومية إلى مسؤولية المواطن في حماية الوطن وصناعة مستقبله. فالرسالة الأبرز في الخطاب أن قوة قطر لا تُقاس بثرواتها وحدها، بل بقدرة مؤسساتها على إدارة الأزمات، وكفاءة أبنائها، وتماسك مجتمعها، واستعداد الجميع لتحمل المسؤولية. ومن هنا، يصبح السؤال الأهم: ماذا ينتظر الوطن من مواطنه، وكيف يمكن لكل قطري أن يسهم في بناء حاضر أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر ازدهارًا؟ أكد سمو أمير البلاد المفدى أهمية تماسك المجتمع، مشيدًا بوعي المواطنين والمقيمين خلال الأحداث الاستثنائية التي شهدتها البلاد، وبجاهزية مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وتحمل هذه الرسالة معنى واضحًا: استقرار الأوطان لا يتحقق بالمؤسسات وحدها، بل يحتاج إلى مجتمع واعٍ يدرك قيمة الأمن، ويحترم القانون، ويتعامل بمسؤولية مع الأزمات، ولا ينساق وراء الشائعات والمعلومات غير الموثوقة. فالمواطنة الحقيقية لا تظهر في أوقات الرخاء فقط، وإنما تتجلى حين تتطلب المصلحة الوطنية التعاون والانضباط وتقديم الواجب على المصلحة الشخصية. وحماية الوطن ليست مسؤولية عسكرية وأمنية فحسب، بل تشمل أيضًا صون وحدته الاجتماعية، والمحافظة على ممتلكاته، وإتقان العمل، واحترام المال العام. إن المواطن شريك في حماية الاستقرار، وكل سلوك مسؤول يصدر عنه، مهما بدا بسيطًا، يضيف إلى قوة المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات. استحضار سمو الأمير، مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وما شهدته قطر من نهضة شاملة واستثمار في الإنسان، يضع الأجيال الحالية أمام مسؤولية البناء على هذا الإرث، لا الاكتفاء بالفخر به. وهنا تبرز مسؤولية الشباب القطري في تطوير قدراته، واكتساب المهارات الحديثة، وإتقان التكنولوجيا واللغات، والاستعداد لمتطلبات سوق العمل المتغير. فالمستقبل لا ينتظر من يكتفي بما تعلمه في الماضي، بل يمنح فرصًا أكبر لمن يواصل التعلم ويطور أدواته ويحول المعرفة إلى إنجاز. ولا يقتصر الاستثمار في الذات على الشهادات الجامعية، بل يشمل التدريب والخبرة العملية والابتكار والمبادرة. والمطلوب أن ينتقل الشاب من انتظار الفرصة إلى الاستعداد لها وصناعتها، وأن يسأل نفسه باستمرار: ما الذي أستطيع تعلمه اليوم لأكون أكثر قدرة على خدمة وطني غدًا؟ من الرسائل المهمة في الخطاب تأكيد ضرورة رفع كفاءة الإنفاق، وربط تقييم الأداء بجودة النتائج، وتعزيز الكفاءة وتكافؤ الفرص، وتأهيل القيادات الشابة. وهذه المسؤولية لا تخص المسؤولين وحدهم، بل تمتد إلى كل موظف وعامل ورائد أعمال وطالب يستعد لدخول سوق العمل. فالتقدم لا يتحقق بمجرد شغل الوظائف أو الوصول إلى المناصب، وإنما بما يقدمه الفرد من قيمة مضافة وإنتاجية وجودة في الأداء. والمطلوب ترسيخ ثقافة تحترم الوقت، وتكافئ الاجتهاد، وتواجه الاتكالية، وتربط الترقية بالإنجاز الفعلي. كما تقع على القيادات مسؤولية توفير بيئة عمل عادلة، وتمكين الكفاءات، ونقل المعرفة، وعدم الاكتفاء بتطبيق أنظمة التقييم بصورة شكلية. فالمؤسسة الناجحة هي التي تجعل الكفاءة أساس التقدم، والعمل المتقن معيارًا للتميز، والمصلحة العامة غاية لكل قرار. أكد الخطاب أن المرحلة المقبلة لا تستهدف مجرد التعافي من الأزمات، بل تسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز دور القطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار، مع الإشارة إلى فرص ومشروعات استثمارية تقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة. وهنا يأتي دور المواطن في المشاركة الفعلية في بناء الاقتصاد، من خلال تأسيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الأفكار الريادية، واكتساب المهارات المطلوبة، والاستفادة من الفرص الاستثمارية، وتقديم منتجات وخدمات قادرة على المنافسة. فالتنويع الاقتصادي لا يتحقق بإقامة المشروعات وحدها، بل يحتاج إلى عقول وطنية قادرة على إدارتها وتطويرها، وطاقات بشرية تؤمن بالإنتاج والابتكار والعمل المستمر. كما أن المحافظة على الموارد وترشيد استهلاك المياه والطاقة والحد من هدر الغذاء مسؤوليات يومية لا تقل أهمية عن المشروعات الكبرى؛ لأن الاقتصاد القوي يقوم على كفاءة استخدام موارده، لا على حجمها فقط. في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، شدد سمو الأمير على أهمية تطوير التعليم، وتزويد الشباب بمهارات سوق العمل، بالتوازي مع ترسيخ مكانة اللغة العربية وتعزيز الهوية الوطنية. وهذه معادلة أساسية لبناء المستقبل: الانفتاح على العالم دون فقدان الجذور، والاستفادة من العلوم الحديثة دون التفريط في اللغة والقيم والانتماء. وتبدأ هذه المسؤولية من الأسرة والمدرسة، عبر غرس احترام العمل والقانون، وتعريف الأبناء بتاريخ وطنهم، وتعزيز الاعتماد على النفس والتكافل واحترام الآخرين. فحب الوطن ليس شعارًا في المناسبات، بل سلوك يظهر في الأمانة والإنتاج والمحافظة على الممتلكات العامة والمشاركة الإيجابية في المجتمع. كما أن التحول الرقمي يفرض على المواطن تطوير مهاراته، واستخدام التكنولوجيا في التعلم والإنتاج، وحماية بياناته، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، لتصبح التكنولوجيا وسيلة لبناء القدرات لا مجرد أداة للاستهلاك. إن جوهر رسائل حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، أن صمود الدولة يقوم على الاستعداد، وتنوع الاقتصاد، وكفاءة المؤسسات، وتكافل المجتمع، ومسؤولية الأفراد. وهي معادلة لا تكتمل إلا حين يتحول الوعي إلى عمل، والانتماء إلى إنجاز، والرؤية الوطنية إلى سلوك يومي. وعلى كل مواطن أن يبدأ من موقعه: طالب يجتهد، وموظف يتقن عمله، ورائد أعمال يبتكر، وأسرة تربي أبناءها على المسؤولية، ومسؤول يطبق معايير العدالة والكفاءة. فهذه الأدوار، حين تتكامل، تصنع مجتمعًا أكثر قدرة على مواجهة الأزمات واستثمار الفرص. إن الوطن الذي يوفر لأبنائه الأمن وفرص التنمية ينتظر منهم أن يردوا الجميل بالعمل والإبداع والانضباط وتحمل المسؤولية. فالحاضر الذي نعيشه هو حصيلة جهود الأجيال السابقة، أما مستقبل أبنائنا فهو حصيلة ما نفعله اليوم. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قطري على نفسه ليس فقط: كيف ستكون قطر بعد عشر سنوات؟ بل: ماذا سأفعل اليوم لتكون قطر أكثر تقدمًا وازدهارًا بعد عشر سنوات؟ عندها يصبح المواطن شريكًا حقيقيًا في التنمية، لا متلقيًا لثمارها فحسب، بل صانعًا لها وحاميًا لمكتسباتها.
129
| 16 أكتوبر 2026
تأتي المنتديات المعنية بالرعاية البديلة وحماية الأطفال في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير منظومات متكاملة لا تكتفي بتوفير الرعاية الأساسية، وإنما تنظر إلى الطفل باعتباره إنسانًا له حق أصيل في الأمان والاستقرار والنمو والتمكين والمشاركة في المجتمع. ومن هذا المنطلق، يكتسب منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري»، الذي ينظمه مركز رعاية الأيتام «دريمة» بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، تحت رعاية سعادة السيدة بثينة بنت علي جبر النعيمي وزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة رئيس مجلس إدارة المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، أهمية خاصة، باعتباره منصة لاستعراض المعايير الدولية والممارسات القائمة على الأدلة، ومناقشة مقومات ومتطلبات تعزيز بيئة الرعاية البديلة، إلى جانب بحث آليات رفع رفاه الأطفال فاقدي السند الوالدي وتمكينهم والتعامل مع التحديات والمخاطر القائمة والمستقبلية. وتبرز مؤسسة دريمة لرعاية الأيتام بوصفها إحدى الجهات المحورية في هذا المجال، لما تضطلع به من دور في دعم الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، والعمل على توفير بيئة بديلة تساعدهم على تجاوز الظروف التي مروا بها، وتمنحهم فرصًا حقيقية للنمو بصورة آمنة ومتوازنة، فالرعاية البديلة، في مفهومها الحديث، لا ينبغي أن تتوقف عند توفير المسكن أو الاحتياجات المادية، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الرعاية النفسية والاجتماعية والتعليمية والصحية، فضلًا عن بناء علاقات مستقرة وآمنة تساعد الطفل على الشعور بالانتماء والثقة والقدرة على بناء مستقبله. ومن هنا يأتي الدور المهم الذي تؤديه دريمة في هذا المجال، ليس فقط باعتبارها جهة تقدم خدمات الرعاية، وإنما باعتبارها طرفًا يمتلك خبرة عملية في التعامل مع احتياجات الأطفال فاقدي السند الوالدي، وما يرتبط بذلك من قضايا الأسرة والدمج المجتمعي والتأهيل والتمكين. وتمنح مثل هذه المنتديات المؤسسة مساحة مهمة لعرض خبراتها وتبادل التجارب والممارسات والاستفادة من الخبرات الدولية بما يتناسب مع خصوصية المجتمع واحتياجات أطفاله. وتشير أهداف المنتدى إلى أن الرعاية البديلة أصبحت قضية تتطلب تعاونًا واسعًا بين المؤسسات الحكومية والاجتماعية والأهلية والمنظمات الدولية والمتخصصين في مجالات الطفولة والأسرة والخدمات الاجتماعية. كما أن حماية الطفل لا تبدأ عند وقوع المشكلة، وإنما من خلال تبني منهج وقائي يقوم على دعم الأسرة وتعزيز قدرتها على توفير بيئة آمنة ومستقرة، والتدخل المبكر عندما تظهر مؤشرات الخطر، بما يقلل من احتمالات تعرض الأطفال لفقدان الرعاية الأسرية. وهنا تتقاطع أهداف المنتدى مع أهمية الدور المجتمعي لدريمة؛ فالرعاية البديلة لا تنفصل عن الأسرة، بل تستهدف في جوهرها توفير أفضل الظروف الممكنة للطفل، مع الحفاظ على الروابط الأسرية كلما كان ذلك ممكنًا وآمنًا، والعمل في الوقت ذاته على توفير بدائل مناسبة عندما يتعذر استمرار الرعاية الأسرية. ويكتسب التمكين أهمية خاصة في هذا السياق؛ فالطفل فاقد السند الوالدي لا يحتاج إلى أن يكون متلقيًا دائمًا للرعاية، وإنما يحتاج إلى أن يحصل تدريجيًا على الأدوات التي تمكنه من الاعتماد على ذاته، سواء من خلال التعليم أو التدريب أو اكتساب المهارات الحياتية أو المشاركة في الأنشطة المجتمعية والثقافية والرياضية. ومن هذه الزاوية، يتجاوز دور دريمة مفهوم الرعاية التقليدية إلى بناء شخصية الطفل وإعداده للمستقبل، بحيث تكون مرحلة الرعاية محطة للانتقال إلى حياة أكثر استقلالًا وقدرة على المشاركة والإنتاج، وليست مجرد استجابة مؤقتة لظرف اجتماعي. كما يفتح المنتدى الباب أمام مناقشة رفاه الطفل بمفهومه الشامل، وهو مفهوم يتجاوز المؤشرات المادية إلى الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والشعور بالأمان والقدرة على التعبير عن الرأي. فالطفل الذي يعيش في بيئة مستقرة ويشعر بأنه مسموع ومحترم يكون أكثر قدرة على التعلم والتفاعل وبناء علاقات صحية مع محيطه، وهو ما يجعل وضع احتياجات الطفل في مقدمة عملية اتخاذ القرار محورًا أساسيًا في تطوير منظومة الرعاية البديلة. ويؤكد انعقاد المنتدى بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» أن قضايا الرعاية البديلة أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تستند إلى معايير حقوق الطفل، وتبحث باستمرار عن نماذج أكثر فاعلية في الحماية والرعاية والتمكين. وتمثل هذه الشراكة فرصة لتبادل الخبرات والاستفادة من المعايير والممارسات الدولية، بما يسهم في تطوير أدوات العمل مع الأطفال والأسر ومقدمي الرعاية. ولعل القيمة الأهم لمثل هذه المنتديات تكمن في تحويل النقاش من مجرد استعراض للتحديات إلى بناء حلول قابلة للتطبيق، وتطوير آليات للتعاون بين المؤسسات، وتبادل المعرفة والخبرات، ورفع قدرات العاملين في مجال الخدمات الاجتماعية والرعاية. كما يمثل المنتدى فرصة لتأكيد أن حماية الطفل مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، وتشارك فيها مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وجميع الجهات المعنية بالطفولة. وفي قلب هذه المنظومة تأتي دريمة كإحدى المؤسسات التي يمكن أن تسهم في صياغة مستقبل أكثر شمولًا للرعاية البديلة، من خلال نقل خبرتها الميدانية إلى مساحات الحوار والتطوير، والمشاركة في بلورة سياسات وممارسات تضع مصلحة الطفل في المقدمة. فتنظيم المنتدى يعكس حرص المركز على مواصلة تطوير منظومة الرعاية، والاستفادة من أحدث الخبرات والتجارب الدولية والإقليمية، وتطبيق أفضل الممارسات التي تصب في مصلحة الأطفال فاقدي السند الأسري. ويُعد النهوض بفئة الأيتام والأطفال فاقدي السند الأسري من أسمى الغايات الإنسانية والاجتماعية التي تتطلب تكاتفًا مستمرًا وجهودًا متخصصة تضمن لهم حياة كريمة ومستقبلًا آمنًا. وفي هذا السياق، يمثل منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري» محطة مهمة في دعم هذه الفئة وتطوير منظومة الرعاية الموجهة إليها، من خلال التركيز على الرفاه والاستقرار النفسي والاجتماعي والمادي، وتمكين الأطفال وتزويدهم بالمهارات والبيئة الحاضنة التي تعزز اندماجهم الفاعل في المجتمع. كما أن نجاح أي منظومة للرعاية البديلة يقاس في النهاية بقدرتها على الإجابة عن سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: هل أصبح الطفل أكثر أمنًا واستقرارًا وقدرة على بناء مستقبله؟ ومن هنا، فإن دريمة لا تقدم نموذجًا للرعاية فحسب، وإنما تسهم في بناء رؤية تقوم على الانتقال بالطفل من دائرة الاحتياج إلى آفاق التمكين والاستقلال، بما يعزز حقه في حياة كريمة ومستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا. وتتوج هذه الجهود بالشراكة والدعم المؤسسي، وفي مقدمتها المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، التي تمثل مظلة داعمة للبرامج والفعاليات الهادفة إلى بناء مجتمع متماسك يرعى أبناءه بكل مسؤولية، إلى جانب الجهود التي يبذلها القائمون على مركز دريمة من إدارة وموظفين ومقدمي خدمة، بما يعكس التزامًا متواصلًا بتطوير الخدمات المقدمة للأطفال فاقدي السند الأسري. إن منتدى «الرعاية البديلة والرفاه المستدام للأطفال فاقدي السند الأسري» ليس مجرد لقاء لتبادل الأفكار والخبرات، وإنما مساحة لتأكيد أن الطفل هو محور كل جهد، وأن الرعاية الحقيقية تبدأ بالحماية، وتمتد إلى الاستقرار، وتنتهي بالتمكين والاستقلال. وفي هذا المسار، تواصل دريمة أداء دورها كقلب لمنظومة الرعاية البديلة، وشريك فاعل في حماية الأطفال فاقدي السند الأسري وصناعة مستقبل يليق بهم.
306
| 04 أكتوبر 2026
لم تكن كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، مجرد عرض لما واجهته دولة قطر من تحديات خلال الفترة الأخيرة، وإنما قدم تصورًا متكاملًا لكيفية حماية الدولة لمقومات حياتها الطبيعية، والحفاظ على مسار التنمية، في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد. فقد أكد سموه أن قطر عززت صمودها دفاعًا عن سيادتها وأرضها وشعبها، بالتوازي مع استمرارها في العمل الدبلوماسي، وتصميم خطط اقتصادية مرنة، والتمسك بمشروعاتها التنموية رغم الكلفة الباهظة التي فرضتها الحرب الأخيرة في المنطقة. ويكشف هذا الطرح عن رؤية تعتبر أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات لحظة وقوعها، وإنما بمدى استعدادها المسبق لها، وبقدرتها على حماية حياة مواطنيها والمقيمين على أرضها، وضمان استمرار المؤسسات والخدمات والتنمية. ومن هنا جاء تأكيد سمو الأمير أن خيار قطر عند كل منعطف وفي كل أزمة يقوم على الجمع بين الثبات والمرونة، وإعلاء مصلحة الوطن وشعبه والمقيمين فيه. وفي هذه الرؤية، لا تبدو المرونة نقيضًا للثبات، بل وسيلة لحماية الثوابت والحفاظ عليها. فسمو الأمير شدد على أن كرامة الوطن لا تقايض، وأن الحكمة والصلابة وجهان لعملة واحدة، بما يعكس نهجًا يقوم على الجمع بين حماية السيادة والقدرة على التعامل الواقعي مع المتغيرات، دون التخلي عن مسار التنمية أو مقومات الحياة الطبيعية. ولعل أبرز ما يلفت في كلمة سموه هو الربط المباشر بين الصمود والاستثمار في الإنسان. فقد أكد أن التجارب والتحديات أثبتت أن الصمود لا يأتي بصورة مفاجئة، وإنما هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط واستعداد واستثمار في الإنسان وفي القدرات الوطنية. ولذلك عملت دولة قطر، وفق ما أوضحه سموه، على مدى سنوات على دراسة المخاطر وتأمين سلاسل الإمداد وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية وبناء احتياطيات استراتيجية وإقامة شراكات دولية موثوقة. وهنا يبرز البعد الاجتماعي في مفهوم الصمود الذي طرحه سمو الأمير؛ فالدولة التي تستعد للأزمات هي التي تضع في مقدمة أولوياتها حماية المجتمع واستمرار الحياة اليومية، وعدم السماح للظروف الاستثنائية بأن تعطل مسيرة التنمية أو تمس قدرة مؤسساتها على أداء أدوارها. ومن ثم يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية وتعزيز المؤسسات وبناء الاحتياطيات جزءًا من منظومة حماية المجتمع، وليس مجرد إجراءات اقتصادية أو إدارية. كما وضع سمو الأمير التنمية في سياق أوسع، حين أكد إدراك دولة قطر للتكامل بين السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ومواصلة الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030. ويعني ذلك أن التنمية في التصور الذي قدمه سموه ليست مسارًا منفصلًا عن الاستقرار، وإنما عنصر أساسي من عناصر قدرة المجتمع والدولة على مواجهة الأزمات والاستمرار في بناء المستقبل. ويحتل التعليم والصحة، في هذا الإطار، موقعًا مهمًا ضمن منظومة الاستثمار في الإنسان، إلى جانب بناء القدرات الوطنية وتعزيز المؤسسات. فالحفاظ على مسار التنمية في أوقات الأزمات يعني، وفق مضمون الكلمة، عدم النظر إلى الإنفاق على الإنسان باعتباره أمرًا يمكن تأجيله، وإنما باعتباره جزءًا من الاستعداد للمستقبل ومن بناء القدرة الوطنية على الصمود. ولم يغفل سمو الأمير البعد التاريخي لهذا النهج، حين أشار إلى الجذور التي غرسها قادة قطر، من المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني إلى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير البلاد بين عامي 1995 و2013، الذي غادر هذا العام، وحرص سموه على توجيه الشكر للجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد جلسة خاصة تكريمًا لذكراه وتقديرًا لإرثه. ويكتسب استحضار هذه المسيرة أهمية خاصة في سياق حديث سمو الأمير عن الصمود؛ إذ يضع السياسات والممارسات الراهنة في إطار نهج ممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ الدولة. وقد أكدت الأمم المتحدة، خلال جلسة تكريم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في سبتمبر الجاري، أن إرثه ارتبط بالتحول في الداخل والحوار والدبلوماسية في الخارج، مع تأكيد أهمية التنمية المرتكزة على كرامة الإنسان. ومن اللافت كذلك أن سمو الأمير لم يقدم الصمود باعتباره انغلاقًا على الذات، بل ربطه باستمرار الجهود الدبلوماسية وبالشراكات الدولية الموثوقة. فالدولة، كما أوضح، عززت قدراتها الوطنية وتأمين سلاسل الإمداد والاحتياطيات الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه واصلت بذل كل ما في وسعها لتدارك الأوضاع بالجهود الدبلوماسية. وهذا الجمع بين الاستعداد الداخلي والانفتاح على التعاون الخارجي يعكس فهمًا للصمود باعتباره قدرة متكاملة؛ تبدأ من الداخل عبر بناء الإنسان والمؤسسات والاقتصاد، وتمتد إلى الخارج من خلال العلاقات والشراكات والجهود الرامية إلى التعامل مع الأزمات بالوسائل الدبلوماسية. كما أن حديث سمو الأمير عن الشعب والمقيمين على أرض قطر يضع الإنسان في مركز هذه الرؤية، باعتباره جزءًا أساسيًا من معادلة الاستقرار والتنمية. فالدفاع عن الوطن، وفق ما جاء في الكلمة، لا ينفصل عن الدفاع عن مقومات الحياة الطبيعية، ولا عن استمرار المشروعات التنموية التي تمس حاضر المجتمع ومستقبله. وفي ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة، تبدو الرسالة الأساسية في كلمة سمو الأمير واضحة: إن مواجهة التحديات لا تعني تعليق التنمية، كما أن مواصلة التنمية لا تعني تجاهل المخاطر. وإنما يكمن التحدي في القدرة على الجمع بين الأمرين؛ الاستعداد لمواجهة الظروف الاستثنائية، والاستمرار في بناء القدرات التي تجعل المجتمع أكثر قدرة على التعامل معها. ومن هذا المنظور، يصبح الصمود مشروعًا مستمرًا وليس رد فعل مؤقتًا، يبدأ بالتخطيط والاستعداد، ويمر بالاستثمار في الإنسان، وتعزيز المؤسسات وتأمين الاحتياجات الأساسية، ويستند إلى اقتصاد مرن وشراكات موثوقة، مع استمرار العمل من أجل السلام والاستقرار عبر الجهود الدبلوماسية. وتأتي رؤية قطر الوطنية 2030 في هذا السياق باعتبارها الإطار الذي يربط بين التنمية وبناء القدرات الوطنية، بما يجعل الإنسان محورًا أساسيًا في مسيرة الدولة. وقد أكد سمو الأمير أن مواصلة الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي تأتي في إطار هذه الرؤية. وبذلك حملت كلمة سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الأمم المتحدة رسالة تتجاوز توصيف الظروف الراهنة إلى التأكيد على منهج في التعامل معها: ثبات في حماية السيادة والمصالح الوطنية، ومرونة في إدارة الأزمات، واستعداد يقوم على التخطيط، واستثمار مستمر في الإنسان والقدرات الوطنية، وتمسك بمسار التنمية. إنها معادلة يختصرها مضمون الكلمة في أن صمود الوطن لا يبدأ عند اندلاع الأزمة، بل يُبنى قبلها بسنوات؛ عبر مجتمع قادر، ومؤسسات مستعدة، واقتصاد مرن، وتنمية لا تتوقف، وإنسان يأتي في قلب كل هذه الجهود.
198
| 24 سبتمبر 2026
في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة، وتتزاحم المسؤوليات المهنية والاقتصادية، يبقى البيت في أمسّ الحاجة إلى ذلك الحضور الذي لا يمكن تعويضه، حضور الأب. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ولم يجعل الإسلام مسؤولية الأب مقتصرة على الإنفاق، بل حمّله أمانة التربية والرعاية والتوجيه، لأن بناء الأسرة هو الأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمع كله. قد ينجح الأب في عمله، ويحقق مكانة اجتماعية مرموقة، ويؤمن لأسرته كل ما تحتاجه من متطلبات الحياة، لكنه قد يخسر أهم أدواره إذا غاب عن تفاصيل حياة أبنائه، أو أصبح وجوده في المنزل مجرد حضور جسدي لا يصاحبه تواصل أو اهتمام. فالأسرة لا تزدهر بكثرة المال، وإنما تزدهر بالحب، والاحتواء، والقدوة، والشعور بالأمان، وهي أمور يبدأ غرسها من الأب قبل أي شيء آخر. الأب ليس مجرد رب أسرة، بل هو مدرسة متكاملة يتعلم منها الأبناء معنى المسؤولية والانضباط والصدق والرحمة. ومن خلال تصرفاته اليومية، وطريقة تعامله مع زوجته وأبنائه، يكتسب الأطفال أول دروسهم في الحياة. لذلك فإن كل كلمة يقولها الأب، وكل موقف يتخذه، يترك أثرًا قد يمتد سنوات طويلة، وربما يرافق أبناءه طوال حياتهم. ومن المهم أن ندرك أن الحضور الأبوي لا يُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الأب داخل المنزل، بل بمدى تأثيره في حياة أسرته. فقد يجلس الأب ساعات طويلة بين أفراد أسرته وهو منشغل بهاتفه أو عمله، فلا يشعر الأبناء بقربه، بينما قد يقضي معهم وقتًا قصيرًا، لكنه يكون حاضرًا بقلبه وعقله، فيستمع إليهم، ويحاورهم، ويشاركهم اهتماماتهم، فيصنع بذلك ذكريات لا تُنسى، ويغرس في نفوسهم شعورًا دائمًا بالأمان. هذا الحضور الإيجابي ينعكس مباشرة على شخصية الأبناء. فالطفل الذي يجد أبًا يشجعه، ويثق بقدراته، ويحتفل بإنجازاته، ويحتويه عند الخطأ، ينشأ أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة، وأقل عرضة للاضطرابات النفسية أو الانجراف خلف السلوكيات السلبية. فالثقة بالنفس لا تُشترى، وإنما تُبنى داخل الأسرة، وتبدأ غالبًا من نظرة الأب إلى ابنه أو ابنته، ومن كلماته التي تمنحهم الإحساس بالقيمة. كما يمثل وجود الأب داخل المنزل مصدرًا مهمًا للاستقرار النفسي لجميع أفراد الأسرة. فالأم تجد في وجود زوجها شريكًا حقيقيًا في تحمل المسؤولية، والأبناء يشعرون بأن هناك من يحميهم ويستمع إليهم ويوجههم. وهذا الشعور بالأمان ينعكس على علاقاتهم الاجتماعية، وأدائهم الدراسي، وقدرتهم على اتخاذ القرارات بثقة واتزان. وفي المقابل، فإن الانشغال المستمر خارج المنزل، مهما كانت أسبابه، قد يترك آثارًا سلبية لا تظهر في بدايتها، لكنها تتراكم مع مرور الوقت. فالأبناء الذين يعتادون غياب والدهم، أو انشغاله الدائم، قد يتوقفون عن الحديث معه، وقد يبحثون عن قدوات بديلة خارج الأسرة، وربما يلجؤون إلى أشخاص يمنحونهم الاهتمام الذي افتقدوه داخل البيت. عندها يدرك الأب، بعد سنوات، أن المسافة بينه وبين أبنائه أصبحت أكبر من أن تُختصر في هدية أو رحلة عابرة. ومن أكثر من يتأثر بغياب الأب، الفتاة. فهي تحتاج إلى والد يمنحها الشعور بالحب غير المشروط، ويحتوي مشاعرها، ويستمع إلى حديثها، ويشجعها على النجاح، ويعاملها باحترام وتقدير. فالأب هو أول نموذج للرجولة في حياة ابنته، ومن خلال علاقتها به تتشكل ثقتها بنفسها، وتتكون نظرتها إلى ذاتها وإلى الآخرين. إن الفتاة التي تكبر وهي تشعر بأن والدها يثق بها، ويقدر رأيها، ويفتخر بإنجازاتها، تكون أكثر قوة في مواجهة الحياة، وأكثر قدرة على اختيار علاقاتها بصورة صحية، وأقل احتياجًا للبحث عن التقدير خارج أسرتها. أما حين يغيب هذا الدور، فقد ينشأ فراغ عاطفي ينعكس على شخصيتها وقراراتها في المستقبل. ولا يقل تأثير الأب في تربية الأبناء الذكور أهمية، فهو النموذج الذي يتعلمون منه معنى الرجولة الحقيقية؛ رجولة تقوم على الأخلاق، والرحمة، وتحمل المسؤولية، واحترام المرأة، والوفاء بالوعد، والعمل الجاد. فالأبناء لا يتعلمون من النصائح بقدر ما يتعلمون من القدوة، ولذلك فإن سلوك الأب اليومي هو أعظم درس يقدمه لأبنائه. وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبحت الأسرة تواجه تحديات جديدة؛ من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إلى ضغوط الدراسة والعمل، وصولًا إلى تغير أنماط العلاقات داخل المجتمع. وكل هذه التحديات تجعل دور الأب أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه يمثل صمام الأمان الذي يحافظ على تماسك الأسرة ويمنح أبناءه القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ. إن المجتمع الذي يحظى بأسر مستقرة هو مجتمع أكثر أمنًا وتماسكًا، لأن الأسرة هي المدرسة الأولى التي تُصنع فيها القيم، ويُبنى فيها الإنسان. وكل أب يمنح أبناءه وقتًا، وحوارًا، واحتواءً، إنما يشارك في بناء مجتمع أكثر استقرارًا، ويؤدي رسالة وطنية وإنسانية لا تقل أهمية عن أي إنجاز مهني أو اقتصادي. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل أب على نفسه: ماذا سيبقى في ذاكرة أبنائي بعد سنوات؟ هل سيتذكرون حجم ما أنفقته عليهم، أم سيتذكرون أنني كنت حاضرًا معهم في أفراحهم وأحزانهم، أستمع إليهم، وأحتضن أحلامهم، وأساندهم في عثراتهم؟ الإجابة واضحة؛ فالأبوة ليست لقبًا، وإنما رسالة، وليست مسؤولية مالية فحسب، بل حضور إنساني يصنع النفوس قبل أن يصنع المستقبل. وحين يدرك الأب هذه الحقيقة، ستزهر الأسرة بالمحبة، ويكبر الأبناء وهم يحملون في قلوبهم الثقة والأمان، ويصبح البيت المكان الذي يعودون إليه دائمًا، مهما ابتعدت بهم طرق الحياة.
426
| 15 سبتمبر 2026
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، في المدارس الحكومية والخاصة في قطر، وفقًا للتقويم السنوي المعتمد من وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، تتجه الأنظار إلى منظومة التعليم في دولة قطر، التي أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أبرز محاور التنمية الوطنية، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء اقتصاد متنوع ومجتمع معرفي قادر على المنافسة لا يمكن أن يتحقق من دون تعليم حديث وعالي الجودة. ويأتي اطلاع مجلس الوزراء، برئاسة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، على اكتمال استعدادات وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي للعام الدراسي الجديد، ليؤكد المكانة التي يحتلها التعليم في سلم أولويات الدولة. فالتعليم لم يعد مجرد خدمة تقدم للمجتمع، بل أصبح مشروعًا وطنيًا متكاملًا، يرتبط بصورة مباشرة برؤية قطر الوطنية 2030، وإستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، وبالطموح نحو بناء أجيال تمتلك المعرفة والمهارات والقدرة على التعامل مع عالم سريع التغير. إن ما يشهده قطاع التعليم في قطر من توسع في إنشاء المدارس الجديدة،، يعكس رؤية استباقية لا تنتظر ظهور المشكلة ثم تبحث عن حلول لها، وإنما تعمل على استشراف المستقبل والاستعداد لمتطلباته. فالزيادة المستمرة في أعداد السكان والطلبة تفرض تطويرًا متواصلاً للبنية التعليمية، وهو ما تعمل عليه الدولة من خلال التوسع في المنشآت المدرسية وفق أحدث المعايير والمواصفات العالمية. وتحظى البيئة التعليمية باهتمام خاص في قطر، إدراكًا بأن المدرسة الحديثة لا تقتصر على كونها مبنى يضم فصولًا دراسية، بل هي مجتمع متكامل للتعلم والإبداع وبناء الشخصية. ومن هنا تبرز أهمية توفير مدارس مجهزة، وبيئات آمنة ومحفزة، وخدمات تعليمية قادرة على استيعاب احتياجات الطلاب المختلفة، بما يحقق العدالة في فرص الحصول على تعليم جيد. ولعل أحد أهم عناصر النجاح في أي منظومة تعليمية هو المعلم. فالمناهج مهما بلغت درجة تطورها، والمباني مهما كانت مجهزة، تظل بحاجة إلى معلم مؤهل يمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى تجربة تعليمية مؤثرة. ولذلك، فإن الجهود المبذولة للارتقاء بكفاءة الكوادر التعليمية وتعزيز أدائها تمثل استثمارًا مباشرًا في جودة مخرجات التعليم. وقد أصبح تطوير المعلم في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ضرورة مستمرة، لا مرحلة تنتهي بالحصول على المؤهل الجامعي. فالمعلم اليوم يواجه طالبًا يمتلك مصادر معرفة متعددة، ويعيش في عالم رقمي مفتوح، ولذلك فإن دوره لم يعد مقتصرًا على نقل المعلومات، وإنما أصبح أكثر ارتباطًا بالتوجيه، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز مهارات البحث، وبناء القدرة على حل المشكلات. ومن أهم ملامح التطور في المنظومة التعليمية القطرية كذلك الاهتمام بتطوير المناهج. فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، والوظائف التي يحتاجها سوق العمل اليوم قد تختلف كثيرًا عن الوظائف المطلوبة بعد سنوات قليلة. ولذلك، فإن تطوير المناهج يجب أن يكون عملية مستمرة تواكب المستجدات العلمية والتقنية، وتحافظ في الوقت نفسه على الهوية الوطنية والقيم المجتمعية. والتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إضافة مواد جديدة إلى المناهج، بل في بناء محتوى قادر على الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. فتعليم العلوم والرياضيات واللغات والمهارات الرقمية يحتاج إلى أساليب تدريس حديثة تجعل الطالب شريكًا في عملية التعلم، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات. ومع بداية العام الدراسي الجديد، تبرز أهمية الاستمرار في الاهتمام بالمواد التي ترتبط بمستقبل الاقتصاد والمعرفة، وفي مقدمتها العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إلى جانب البرمجة والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية. لكن الاهتمام بهذه المجالات لا ينبغي أن يأتي على حساب اللغة العربية والهوية والثقافة والتاريخ، بل إن المنظومة التعليمية الناجحة هي التي تستطيع تحقيق التوازن بين الانفتاح على المستقبل والحفاظ على الجذور. كما تمثل اللغات الأجنبية عنصرًا مهمًا في إعداد الطلاب للمستقبل، في عالم أصبحت فيه القدرة على التواصل والانفتاح على الثقافات والمعارف المختلفة من أهم متطلبات النجاح. والتحدي هو الوصول إلى نموذج تعليمي يجعل الطالب متمكنًا من لغته العربية، وفي الوقت نفسه قادرًا على التواصل مع العالم والاستفادة من مصادر المعرفة الحديثة. إن إشادة مجلس الوزراء بالاستعدادات للعام الدراسي الجديد وبما حققه قطاع التعليم من إنجازات، تحمل رسالة مهمة مفادها أن تطوير التعليم عملية وطنية مستمرة، وأن الوصول إلى الجودة ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من العمل والطموح. ومع دق جرس الدراسة، يبدأ عام جديد يحمل معه طموحات جديدة للطلاب والمعلمين وأولياء الأمور. ويبقى النجاح الحقيقي مرهونًا بتكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة والمجتمع، لأن بناء الإنسان مسؤولية مشتركة. فالرهان على التعليم هو في النهاية رهان على الإنسان، والإنسان المتعلم والقادر على التفكير والإبداع هو الثروة الحقيقية التي تبقى وتزداد قيمتها مع مرور الزمن. ومن هنا، فإن كل مدرسة جديدة، وكل معلم يتم تطوير مهاراته، وكل منهج يتم تحديثه، وكل فرصة تعليمية تُتاح لطالب، تمثل خطوة جديدة في طريق بناء مستقبل قطر.
246
| 30 أغسطس 2026
يمثل تدشين مركز التربية الوالدية (كنف) في قطر خطوة نوعية جديدة تعكس عمق الرؤية الوطنية التي تضع الأسرة في قلب عملية التنمية، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وتحديدًا من داخل الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للقيم والسلوك والمعرفة. ويأتي إطلاق هذا المركز بالتزامن مع الاحتفاء بـ يوم الأسرة في قطر، في دلالة رمزية تعزز من مكانة الأسرة في الوجدان الوطني، وتترجم عمليًا توجه الدولة نحو دعمها وتمكينها في مواجهة تحديات العصر. لقد رسخت قطر، عبر سياساتها التنموية، مفهومًا متقدمًا لدور الأسرة باعتبارها شريكًا أساسيًا في بناء المجتمع، وليس مجرد وحدة اجتماعية تقليدية. ويتسق تدشين مركز (كنف) مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 التي أولت اهتمامًا بالغًا بالتنمية البشرية والاجتماعية، وجعلت من التماسك الأسري ركيزة رئيسية لتحقيق مجتمع مزدهر ومتوازن. ومن هذا المنطلق، فإن المركز لا يُعد مجرد إضافة مؤسسية، بل يمثل محطة وطنية مهمة في مسار تطوير منظومة العمل الأسري داخل الدولة. ويأتي المركز امتدادًا لمبادرة “الأسرة أولًا”، ضمن استراتيجية وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، وأحد مخرجات استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، التي تستهدف بناء مجتمع متماسك قادر على التكيف مع التحولات المتسارعة، مع الحفاظ على هويته وقيمه الأصيلة. وفي هذا السياق، يجسد (كنف) ترجمة عملية لرؤية الدولة التي تؤمن بأن الأسرة هي الحصن الأول للمجتمع، وأن التربية الوالدية مسؤولية وطنية تتطلب التأهيل المستمر، والمعرفة المتجددة، والوعي العميق بمتغيرات العصر. ويحمل اسم “كنف” دلالات إنسانية عميقة، إذ يعكس معاني الرعاية والاحتواء والقرب، وهي القيم التي يقوم عليها الدور التربوي للأسرة. ويجسد الاسم رسالة المركز في تمكين الآباء والأمهات، وتزويدهم بالمهارات والأدوات اللازمة لممارسة دورهم التربوي بكفاءة ووعي، من خلال برامج تدريبية متخصصة، واستشارات تربوية قائمة على أسس علمية حديثة. ومن أبرز ما يميز مركز (كنف) شمولية برامجه وتنوعها، حيث تغطي مختلف مراحل التنشئة، بدءًا من مرحلة ما قبل الوالدية، مرورًا بفترة الحمل والطفولة المبكرة، وصولًا إلى مرحلة المراهقة، وهي المرحلة الأكثر حساسية في تشكيل شخصية الأبناء. ولا يقتصر دور المركز على الوالدين فقط، بل يمتد ليشمل الأجداد والجدات، تأكيدًا على دورهم المحوري في تعزيز الترابط الأسري، ونقل القيم والتقاليد بين الأجيال، في إطار رؤية متكاملة تعزز استمرارية الهوية الثقافية. كما يولي المركز اهتمامًا خاصًا بالفئات ذات الاحتياجات المختلفة، من خلال برامج متخصصة تستهدف أسر ذوي الإعاقة، والأسر التي لديها توائم، إلى جانب دعم القائمين على التربية في التعامل مع الحالات الخاصة، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لتنوع التحديات التي تواجه الأسر في الواقع المعاصر. ويعمل (كنف) كمرجعية علمية ومنصة وطنية متكاملة، تسعى إلى تمكين الوالدين في ظل تسارع التغيرات الاجتماعية، وتعدد مصادر التأثير على الأبناء، خاصة في ظل الثورة الرقمية والانفتاح الثقافي. ومن خلال منهجية علمية تستند إلى أفضل الممارسات العالمية، يقدم المركز محتوى تدريبيًا حديثًا يواكب هذه التحولات، ويسهم في رفع كفاءة الوالدين، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع متطلبات التنشئة في بيئة معقدة ومتغيرة. ويُعد المركز إضافة نوعية لمنظومة المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، حيث يعمل ضمن إطار تكاملي مع المراكز التابعة لها، بما يسهم في توحيد الجهود الوطنية في مجال دعم الأسرة، وتقديم خدمات متكاملة قائمة على المعرفة والوقاية. ويعكس هذا التكامل توجه الدولة نحو بناء نموذج وطني متكامل للتربية الوالدية، قائم على أسس علمية، ويستجيب لاحتياجات المجتمع. ولا يمكن فصل هذا التوجه عن الرؤية الشاملة لدولة قطر في الاستثمار في الإنسان، حيث يمثل دعم الأسرة أحد أهم أدوات تحقيق التنمية المستدامة. فكلما كانت الأسرة أكثر وعيًا وقدرة، كان المجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا، وهو ما ينعكس بدوره على مختلف مجالات التنمية، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية. ومن المتوقع أن يسهم مركز (كنف) في تحقيق أثر مستدام على المدى الطويل، من خلال بناء قدرات الوالدين، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات التعليمية والمجتمعية، وترسيخ ثقافة مجتمعية واعية في مجال التربية الوالدية. كما يمثل منصة لتبادل الخبرات والمعرفة، بما يعزز من جودة الخدمات المقدمة للأسر، ويرفع من كفاءة التدخلات الوقائية. وفي ظل التحديات التي تفرضها العولمة والتغيرات الاجتماعية المتسارعة، يبرز دور مثل هذه المراكز كضرورة وطنية، وليس مجرد خيار، لضمان إعداد أجيال قادرة على التكيف مع الواقع، دون التفريط في القيم والهوية. ومن هنا، فإن تدشين مركز (كنف) يعكس وعيًا استراتيجيًا بأهمية المرحلة، واستشرافًا لمتطلبات المستقبل. ختامًا، يمكن القول إن مركز التربية الوالدية (كنف) يمثل نموذجًا رائدًا في العمل الأسري المؤسسي، ويعكس التزام دولة قطر بتعزيز دور الأسرة، باعتبارها حجر الأساس في بناء المجتمع. وهو ليس مجرد مشروع تنموي، بل رسالة وطنية تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ من داخل الأسرة، وأن الاستثمار في التربية هو استثمار في مستقبل الوطن، وأن المجتمعات القوية تبدأ دائمًا من أسر متماسكة، واعية، وقادرة على صناعة الفارق.
309
| 15 أغسطس 2026
لا يوجد إنسان لم يخطئ، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما هو من صفات الخالق سبحانه وتعالى. ومع ذلك، يعيش كثيرون أسرى لأخطاء مضت، يستحضرونها كل يوم، ويعاقبون أنفسهم عليها وكأنهم يستحقون العقاب الأبدي، وتُعد هذه الحالة النفسية، المعروفة بـ"جلد الذات"، من أكثر الظواهر انتشارًا في عصرنا، في ظل ضغوط الحياة، والمقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع سقف التوقعات، وجلد الذات ليس مجرد شعور عابر بالندم، بل هو نمط من التفكير يقوم على اللوم المستمر للنفس، والتقليل من قيمتها، والنظر إلى الإخفاقات باعتبارها دليلًا دائمًا على الفشل وعدم الكفاءة. هناك فرق جوهري بين محاسبة النفس التي دعا إليها الإسلام، وبين جلد الذات الذي يدمر الإنسان من الداخل. فمحاسبة النفس تعني الاعتراف بالخطأ، والبحث عن أسبابه، والعمل على إصلاحه، والتوبة إلى الله إذا كان الخطأ معصية، ثم التعلم من التجربة والانطلاق من جديد. أما جلد الذات فيعني البقاء أسيرًا للماضي، وترديد عبارات سلبية مثل: "أنا فاشل"، و"لن أنجح أبدًا"، و"كل ما يحدث بسببي"، حتى يفقد الإنسان ثقته بنفسه وقدرته على التغيير. الأول يقود إلى الإصلاح، أما الثاني فيقود إلى الإحباط واليأس. تتعدد الأسباب التي تدفع الإنسان إلى جلد ذاته، من أبرزها التربية القائمة على اللوم المستمر والنقد القاسي، والمقارنة الدائمة بالآخرين، والتعرض للفشل أو الصدمات النفسية، والسعي إلى الكمال بصورة مبالغ فيها، وضعف تقدير الذات، والتركيز على الأخطاء مع تجاهل النجاحات. وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من حدة هذه المشكلة، إذ أصبح كثيرون يقارنون حياتهم الطبيعية بما ينشره الآخرون من صور مثالية، فيشعرون بالنقص والعجز. لا يقف جلد الذات عند حدود التفكير السلبي، بل يترك آثارًا نفسية عميقة، منها انخفاض الثقة بالنفس، والقلق المستمر، والاكتئاب في بعض الحالات، وفقدان الدافع إلى النجاح، والعزلة الاجتماعية، والخوف من خوض التجارب الجديدة، والشعور الدائم بعدم الاستحقاق. والمفارقة أن الإنسان يظن أنه يصلح نفسه باللوم، بينما هو في الحقيقة يزيد جراحه عمقًا ويضعف قدرته على التعافي. الحياة لا تكافئ من لم يخطئ، بل تكافئ من يتعلم من أخطائه. فكم من علماء ومبدعين ورواد أعمال تعرضوا لإخفاقات متكررة قبل أن يحققوا نجاحاتهم الكبرى، ولو ظلوا أسرى جلد الذات لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه. إن الخطأ تجربة، والفشل محطة، لكن الاستسلام لهما هو الهزيمة الحقيقية. الإسلام دين الرحمة، ولم يأت ليزرع اليأس في النفوس، بل ليمنح الإنسان دائمًا فرصة جديدة. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وقال النبي ﷺ: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون." فالخطأ ليس المشكلة، وإنما الإصرار عليه أو اليأس بعد وقوعه. لذلك يدعو الإسلام إلى التوبة والاستغفار والعمل الصالح، لا إلى احتقار النفس أو كراهيتها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، وهي دعوة إلى التقويم والإصلاح، لا إلى التعذيب النفسي. التحرر من جلد الذات يبدأ بالاعتراف بأننا بشر ولسنا ملائكة. ثم بتغيير طريقة حديثنا مع أنفسنا؛ فبدلًا من قول: "أنا فاشل"، نقول: "لقد أخطأت وسأتعلم." كما ينبغي تقبل الماضي وعدم البقاء أسيرًا له، والتركيز على نقاط القوة قبل الضعف، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة، وتجنب المقارنات مع الآخرين، وممارسة الامتنان، وطلب المساعدة من المختصين إذا تحول جلد الذات إلى اكتئاب أو اضطراب نفسي. التصالح مع الذات لا يعني تبرير الأخطاء، بل يعني قبول النفس كما هي مع السعي المستمر إلى تطويرها. فالإنسان المتصالح مع نفسه يكون أكثر قدرة على النجاح، وأكثر عطاءً للآخرين، وأكثر استعدادًا لخوض التجارب الجديدة دون خوف. والرحمة التي نمنحها للآخرين تستحق أن يكونلأنفسنا نصيب منها. إذا كنت تحمل في قلبك خطأً قديمًا منذ سنوات، فتذكر أن الله غفور رحيم، وأن الحياة لا تتوقف عند تعثر واحد. لا تجعل الماضي يحكم مستقبلك، بل تعلم من أخطائك، واعتذر إن أخطأت، وأصلح ما تستطيع إصلاحه، ثم ابدأ صفحة جديدة. فالناجحون ليسوا الذين لم يسقطوا، وإنما الذين رفضوا البقاء على الأرض بعد السقوط. جلد الذات لا يصنع إنسانًا أفضل، بل يصنع إنسانًا منهكًا يخشى الحياة ويستنزف طاقته في معاقبة نفسه. أما محاسبة النفس فهي طريق الإصلاح والنضج والنجاح. وبين الأمرين فرق شاسع؛ فالأولى تهدم، والثانية تبني، الأولى تغلق أبواب الأمل، والثانية تفتح أبواب التغيير. فلنكن رحماء بأنفسنا كما أمرنا الله، ولنجعل من أخطائنا دروسًا نتعلم منها، لا سلاسل نقيد بها مستقبلنا، فالحياة لا تنتظر من يبكي على الماضي، وإنما تفتح أبوابها لمن يملك الشجاعة ليبدأ من جديد.
468
| 11 أغسطس 2026
"ابتعد عن السلبيين... لأنهم يملكون مشكلة لكل حل".. حكمة قالها ألبرت أينشتاين، ومعناها يحمل دلالة عميقة؛ فالأشخاص السلبيون يميلون إلى التركيز على العقبات أكثر من الفرص، ويرون الصعوبات في كل فكرة، بينما يبحث الإيجابيون عن الحلول حتى في أصعب الظروف. هناك أشخاص إذا جلست معهم شعرت أن الحياة طريق مسدود، وأن النجاح مستحيل، وأن كل فكرة جديدة محكوم عليها بالفشل قبل أن تولد. لا لأن الواقع كذلك، بل لأنهم اعتادوا النظر إلى العالم من نافذة مظلمة. الإنسان الإيجابي عندما تعرض عليه فكرة يبحث عن إمكانية نجاحها، أما السلبي فيبحث أولًا عن أسباب فشلها. وإذا وجد حلًا لمشكلة، ابتكر مشكلة جديدة لذلك الحل. ولذلك قيل: "ابتعد عن السلبيين، لأنهم يملكون مشكلة لكل حل." السلبية ليست وجهة نظر، بل أسلوب حياة. هي عادة ذهنية تجعل صاحبها يرى العقبات أكثر من الفرص، والخسائر أكثر من المكاسب، والمخاطر أكثر من الإنجازات. ومع مرور الوقت، لا يكتفي السلبي بإحباط نفسه، بل ينقل هذا الإحباط إلى كل من حوله. في بيئة العمل، قد تقابل زميلًا لا يرى في أي مشروع جديد سوى المخاطر. فإذا اقترحت تطويرًا أو فكرة مبتكرة، قال لك: "الإدارة لن توافق"، أو "لقد جربنا من قبل ولم ينجح"، أو "هذا سيزيد المشكلات". مثل هذا الشخص لا يضيف إلى العمل، بل يستهلك طاقة الفريق ويزرع التردد في نفوس الآخرين، بينما الموظف الإيجابي يناقش الفكرة، ويقترح تطويرها، ويبحث عن أفضل الطرق لتنفيذها. وفي الحياة الزوجية، قد تتحول السلبية إلى سبب دائم للخلافات. فالزوج أو الزوجة الذي يرى كل مبادرة بعين الشك، وكل محاولة للتغيير على أنها مغامرة فاشلة، يجعل الحياة مليئة بالتوتر. أما عندما يواجه الزوجان المشكلات بروح التعاون والبحث عن الحلول، فإن أصعب الأزمات تصبح فرصة لتعميق الثقة بينهما. أما داخل الأسرة، فإن البيت الذي يسوده التشجيع يختلف تمامًا عن البيت الذي تملؤه العبارات المحبطة. فالطفل الذي يسمع دائمًا: "لن تستطيع"، أو "أنت فاشل"، أو "غيرك أفضل منك"، يكبر وهو يشك في قدراته. بينما كلمة بسيطة مثل: "حاول مرة أخرى، وستنجح"، قد تصنع إنسانًا واثقًا بنفسه وقادرًا على مواجهة الحياة. وفي العلاقة بين الإخوة، قد يكون أحدهم مصدرًا للطاقة الإيجابية، يشجع أخاه على الدراسة أو العمل أو بدء مشروع جديد، بينما يكون الآخر مصدرًا للإحباط، فلا يرى إلا احتمالات الفشل والخسارة. والأسرة الواعية هي التي تدرك أن الدعم النفسي أحيانًا يكون أعظم قيمة من أي دعم مادي. والأصدقاء أيضًا لهم أثر بالغ في تشكيل شخصيتنا. فهناك صديق إذا أخبرته بحلمك، بدأ يعدّد لك أسباب استحالته، ويذكرك بمن فشلوا قبلك، ويقنعك بأن الظروف لا تسمح. وفي المقابل، هناك صديق يقول لك: "ادرس الفكرة جيدًا، وخطط لها، ثم ابدأ، وأنا معك." الأول يسرق الحماس، والثاني يصنع الأمل. كم من مشروع توقف بسبب عبارة: "لن ينجح." وكم من موهبة دفنت بسبب تعليق: "هذا ليس لك." وكم من حلم تأجل سنوات لأن أحدهم أقنع صاحبه بأن الطريق مستحيل. السلبي لا يقدم بديلًا، ولا يصنع فرصة، ولا يشارك في الحل. كل ما يفعله أنه يعدد الأسباب التي تمنعك من التقدم، حتى إذا تجاوزت سببًا، قدم لك سببًا آخر، وكأن مهمته في الحياة أن يحرس أبواب اليأس. وهذا لا يعني أن نتجاهل المخاطر أو نتعامل مع الحياة بسذاجة. فالتفكير الواقعي مطلوب، والنقد البناء ضروري، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين من ينبهك إلى العقبات ليعينك على تجاوزها، وبين من يضخمها ليقنعك بالاستسلام. فالمستشار الحكيم قد يحذرك من خطأ، لكنه يقترح معه طريقًا أفضل، أما السلبي فلا يرى إلا الخطأ، ولا يقدم طريقًا آخر. اختر من يحيطون بك بعناية. اقترب ممن يقول لك: "جرب... وإذا أخطأت فتعلم." وابتعد عمن يقول: "لا تبدأ أصلًا." فالأول يبني فيك الثقة، والثاني يهدمها قبل أن ترى النور. لقد حقق الناجحون إنجازاتهم لأنهم آمنوا بإمكان الوصول، لا لأن الطريق كان خاليًا من الصعوبات. كانوا يرون المشكلة، لكنهم كانوا يبحثون عن الحل، بينما ظل غيرهم منشغلًا بالحديث عن حجم المشكلة. وفي حياتنا اليومية، نحن بحاجة إلى أشخاص يمنحوننا الأمل، لا الوهم، ويقدمون الحلول، لا الأعذار، ويشجعوننا على التقدم، لا على التراجع. فالكلمة الإيجابية قد تفتح بابًا، بينما الكلمة السلبية قد تغلق أبوابًا كثيرة قبل أن تُطرق. في النهاية، لا تجعل المتشائمين يحددون سقف أحلامك، ولا تسمح لليأس أن يتسلل إليك عبر كلماتهم. استمع إلى الجميع، لكن امنح قلبك وعقلك لمن يؤمن بأن لكل مشكلة حلًا، ولكل طريق بداية، ولكل حلم فرصة تستحق المحاولة. فالنجاح يبدأ بفكرة، والفكرة تحتاج إلى من يؤمن بها... لا إلى من يبحث لها عن ألف سبب كي تموت قبل أن تولد.
381
| 28 يوليو 2026
هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون في تفاصيل الحياة اليومية لشعوبهم. وهناك قادة لا تُقاس مكانتهم بعدد السنوات التي قضوها في الحكم، بل بما تركوه من أثر في قلوب الناس، وما صنعوه من تاريخ لوطنهم. ومن هؤلاء، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، "طيب الله ثراه" الذي لم تكن وفاته مجرد خبر حزين، بل كانت لحظة إنسانية مؤثرة عاشتها قطر بكل أطيافها، وشاركتها فيها الأمة العربية والعالم. فبعد مرور أيام على رحيله، لا تزال ملامح الحزن تخيم على الشارع القطري، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. ولا تزال كلمات الرثاء تتردد، وصور الأمير الوالد تتصدر المجالس ووسائل الإعلام، في مشهد يؤكد أن العلاقة بينه وبين شعبه تجاوزت حدود السياسة والحكم، لتصبح علاقة وفاء ومحبة وامتنان. ولعل المشهد الأبرز الذي جسّد هذه المحبة كان المشاركة الواسعة لآلاف المواطنين والمقيمين في تشييع جثمانه، في صورة نادرة تعكس مكانة رجل عاش قريبًا من شعبه، فبادله الشعب حبًا بحب، ووفاءً بوفاء. لم يكن الحضور بدافع الواجب، بل كان تعبيرًا صادقًا عن مشاعر إنسانية تجاه قائد أصبح جزءًا من ذاكرة كل بيت قطري. ولم يقتصر الحزن على الداخل القطري، بل تحولت الدوحة إلى قبلة لقادة العالم الذين حرصوا على الحضور لتقديم واجب العزاء، تقديرًا لرجل كانت له بصمات واضحة في محيطه العربي والإقليمي والدولي. فجاءت الوفود الرسمية من مختلف الدول لتؤكد أن الأمير الوالد لم يكن قائدًا لقطر وحدها، بل شخصية دولية حظيت بالاحترام والتقدير. لقد أدرك الجميع أن الشيخ حمد بن خليفة لم يصنع نهضة اقتصادية وعمرانية فحسب، بل صنع نموذجًا للدولة الحديثة، ووضع أسسًا جعلت قطر تتبوأ مكانة متقدمة بين دول العالم، مع الحفاظ على هويتها العربية والإسلامية. كما لعب أدوارًا بارزة في تقريب وجهات النظر بين الدول، ورعاية الحوار وحل النزاعات، مؤمنًا بأن الاستقرار هو الطريق الحقيقي للتنمية. ومن أكثر المواقف التي ستظل شاهدة على حكمته، قراره التاريخي بالتنازل الطوعي عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة غير مسبوقة في المنطقة، قدم خلالها درسًا في تداول المسؤولية وتجديد القيادة. لم يكن ذلك انسحابًا من المشهد، بل انتقال إلى دور الأب الحكيم والمرشد الأمين، فظل سندًا لابنه، يدعمه بخبرته، ويمنحه الثقة، ويترك له مساحة كاملة لقيادة الدولة، وهو ما أسهم في استمرار مسيرة النهضة بثبات واستقرار. لقد أثبت الأمير الوالد أن القيادة ليست تمسكًا بالسلطة، وإنما مسؤولية ورسالة. وأن القائد الحقيقي هو من يعرف متى يقود، ومتى يسلم الراية، ثم يقف خلفها داعمًا ومساندًا دون أن ينازعها. واليوم، يبدو واضحًا أن قطر تبكي أبًا وقائدًا وإنسانًا. وما استمرار حالة الحزن بعد أيام من رحيله إلا دليل على أن الرجال الكبار لا يغادرون ذاكرة أوطانهم بسهولة. فالمحبة التي تُبنى بالصدق والإخلاص والعمل لا تموت، بل تزداد رسوخًا مع الأيام. لقد فقدت قطر رجلًا نادر الوجود، وفقدت الأمة العربية قائدًا امتلك رؤية استثنائية، وحكمة في اتخاذ القرار، وإنسانية في التعامل مع شعبه وأمته. لكن عزاء الجميع أن إرثه باقٍ في وطن قوي، ومؤسسات راسخة، ونهضة مستمرة، وأجيال تعلمت أن حب الوطن يُترجم بالعمل والعطاء. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وألهم الشعب القطري الكريم وقيادته الرشيدة الصبر والسلوان. وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة التاريخ، ليس لأنه حكم قطر، بل لأنه أحبها بصدق، فبادلته حبًا سيبقى حيًا ما بقيت الأوطان تذكر عظماءها.
543
| 18 يوليو 2026
برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقدت دولة قطر والأمة العربية واحدًا من أبرز القادة الذين صنعوا تاريخًا استثنائيًا، وأسهموا في تغيير ملامح المنطقة عبر مشروع تنموي متكامل ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، نقلت دولة قطر إلى مصاف الدول الأكثر تأثيرًا على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية والدبلوماسية. لقد ارتبط اسم الأمير الوالد بمرحلة التحول الكبرى في تاريخ قطر الحديث، إذ قاد منذ عام 1995 مشروعًا وطنيًا طموحًا استند إلى الاستثمار في الإنسان، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز مكانة الدولة على الساحة الدولية، حتى أصبحت قطر نموذجًا في التنمية الشاملة والدولة الحديثة. وشهدت البلاد في عهده نهضة اقتصادية غير مسبوقة، مدعومة بالتوسع في استثمار احتياطيات الغاز الطبيعي، لتصبح قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، كما حققت أعلى معدلات دخل الفرد عالميًا، وأقامت بنية تحتية متطورة ومرافق حديثة جعلتها من أكثر دول العالم تقدمًا في مؤشرات التنمية وجودة الحياة. وفي مجال التعليم، آمن الأمير الوالد بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية لبناء الأوطان، فأنشأ المدينة التعليمية التي أصبحت مركزًا عالميًا يحتضن أعرق الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، إلى جانب تطوير منظومتي التعليم والصحة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، بما أسهم في إعداد أجيال قادرة على المنافسة عالميًا. كما شهدت قطر في عهده طفرة كبيرة في البنية التحتية، شملت الطرق والموانئ والمطارات وشبكات النقل الحديثة، إلى جانب تطوير القطاعات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية، الأمر الذي جعلها مركزًا ماليًا واقتصاديًا مهمًا في المنطقة. وعلى الصعيد السياسي، انتهج الأمير الوالد سياسة خارجية متوازنة جعلت من قطر لاعبًا فاعلًا في معالجة الأزمات الإقليمية والدولية، ورسخت مكانتها كوسيط موثوق يسعى إلى الحوار والسلام. وكان له الفضل في حل العديد من الخلافات في المنطقة، من أبرزها إنهاء الأزمة اللبنانية في مايو 2008، عندما استضافت الدوحة حوار الفرقاء اللبنانيين الذي انتهى بالتوقيع على "اتفاق الدوحة"، والذي أنهى حالة الانقسام السياسي في لبنان آنذاك وفي المجال الإعلامي، دعم إنشاء شبكة الجزيرة، التي تحولت إلى واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية في العالم، وأسهمت في تعزيز الحضور الإعلامي العربي على الساحة الدولية. أما في المجال الرياضي، فقد وضع الأساس للمكانة الرياضية العالمية التي وصلت إليها قطر، من خلال الاستثمار في المنشآت الرياضية واستضافة البطولات الكبرى، وهو النهج الذي تُوج لاحقًا باستضافة دولة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف هذا الحدث العالمي. كما امتدت بصماته إلى العمل الإنساني، حيث دعمت قطر خلال عهده العديد من المبادرات التنموية والإغاثية في مختلف أنحاء العالم، ورسخت مكانتها كدولة داعمة للسلام والتنمية والعمل الإنساني. ومن أبرز إنجازاته أيضًا تطوير مؤسسات الدولة، وإقرار الدستور الدائم لدولة قطر، وتعزيز دور المرأة في الحياة العامة، والاهتمام بالشباب، ووضع الأسس التي انطلقت منها رؤية قطر الوطنية 2030، والتي أصبحت خارطة الطريق لمسيرة التنمية المستدامة. ولعل من أعظم ما ميّز الأمير الوالد، وسجله التاريخ بأحرف من نور، أنه قدم نموذجًا نادرًا في القيادة السياسية عندما اتخذ في عام 2013 قرارًا تاريخيًا بالتنازل طواعية عن السلطة لنجله حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة غير مسبوقة في المنطقة العربية آنذاك. فقد آمن بأن تداول المسؤولية وتجديد الدماء في القيادة يمثلان ضمانة لاستمرار مسيرة التنمية، مؤكدًا أن القيادة الحقيقية لا تتمثل في التمسك بالسلطة، وإنما في القدرة على تسليم الأمانة في الوقت المناسب، بما يحقق مصلحة الوطن واستقرار مؤسساته واستمرار نهضته. وقد جسدت هذه الخطوة قمة الحكمة السياسية والنضج القيادي، ونالت احترام وتقدير العالم بأسره. لقد أثبت الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن القيادة ليست مجرد إدارة لشؤون الدولة، بل هي رؤية للمستقبل وإرادة للتغيير وقدرة على صناعة الإنجازات. فقد استطاع خلال سنوات قليلة أن يحول قطر إلى دولة ذات حضور عالمي مؤثر، وأن يجعلها نموذجًا في التنمية والدبلوماسية والاستثمار والتعليم والعمل الإنساني. وبرحيله، لا تفقد دولة قطر قائدًا تاريخيًا فحسب، بل تفقد الأمة العربية أحد رجالاتها الذين آمنوا بالحوار والتنمية والعمل المشترك، وتركوا إرثًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال. وإذ نتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الشعب القطري الشقيق، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، فإننا نستذكر بكل التقدير والاعتزاز مسيرة قائد استثنائي كرّس حياته لخدمة وطنه وأمته، وأسهم في بناء دولة حديثة أصبحت واحدة من أبرز قصص النجاح في العالم العربي. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وأمته، وألهم دولة قطر وشعبها الكريم الصبر والسلوان، وأبقى إرثه شاهدًا على مرحلة تاريخية صنعت نهضة وطن ورسخت مكانته بين الأمم.
777
| 13 يوليو 2026
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف الطلاب والطالبات، باعتبارها بوابة العبور نحو المستقبل الأكاديمي والمهني، ومحطة أساسية في إعداد أجيال قادرة على المشاركة في بناء الوطن ودفع مسيرة التنمية. وفي هذا الإطار، بدأ 16486 طالبًا وطالبة بالصف الثاني عشر في مختلف المسارات التعليمية أداء الاختبارات التحريرية الخميس الماضي، وسط استعدادات متكاملة وفرتها الجهات المعنية لضمان سير الامتحانات في أفضل الأجواء. وتحظى امتحانات الشهادة الثانوية بأهمية خاصة، لأنها لا تمثل مجرد اختبار للمعارف والمهارات التي اكتسبها الطالب خلال سنوات الدراسة، بل تعد نقطة تحول رئيسية تحدد ملامح المرحلة المقبلة من حياته، سواء في التعليم الجامعي أو في اختيار التخصصات التي تتوافق مع قدراته وطموحاته. ومن هنا، فإن هذه الأيام تمثل فرصة حقيقية لترجمة سنوات من الجهد والمثابرة إلى نتائج تفتح آفاقًا واسعة أمام الشباب القطري والمقيمين على أرض قطر. وفي هذه المرحلة، تبرز أهمية التركيز والانضباط والثقة بالنفس، فنجاح الطالب لا يقاس فقط بالدرجات التي يحققها، وإنما أيضًا بقدرته على مواجهة التحديات وتحمل المسؤولية وإدارة وقته بكفاءة. كما تؤكد الاختبارات أن الاجتهاد والعمل الجاد يظلان الطريق الأكثر ضمانًا لتحقيق الطموحات والوصول إلى الأهداف المنشودة. ويجب أن يدرك الطلاب أن النجاح في الثانوية العامة ليس نهاية الطريق، بل هو بداية جديدة في رحلة الحياة، وخطوة أولى نحو الإسهام في خدمة المجتمع والوطن. فكل طبيب ومهندس ومعلم وباحث ورائد أعمال كانت له بداية من هذه المرحلة المهمة، التي تمهد الطريق أمام أجيال مؤهلة للمشاركة في تحقيق رؤية قطر التنموية وتعزيز مكانتها على المستويين الإقليمي والدولي. وفي المقابل، حرصت الدولة على توفير جميع الظروف المناسبة لضمان سير الاختبارات بأعلى درجات الدقة والشفافية والعدالة. فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي اكتمال جميع الاستعدادات الخاصة باختبارات الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية العامة، مؤكدة جاهزية المراكز واللجان وكافة الجوانب التنظيمية والفنية اللازمة لإنجاح هذا الاستحقاق التعليمي المهم. وخلال الملتقى التنسيقي لاختبارات الشهادة الثانوية، شددت الوزارة على أنها تعمل وفق منظومة متكاملة تهدف إلى ضمان "اختبار موثوق ونتيجة عادلة"، من خلال إجراءات دقيقة تبدأ بإعداد الاختبارات ومراجعتها، مرورًا بتنظيم المراكز واللجان، وانتهاءً بعمليات التصحيح والرصد والتدقيق وإعلان النتائج، بما يعزز ثقة المجتمع في منظومة التقييم ويضمن حصول كل طالب على حقه كاملًا. ومع بدء الامتحانات، تبقى الرسالة الأهم للطلاب أن الهدوء والتركيز والثقة بالنفس والاجتهاد هي مفاتيح النجاح الحقيقية، وأن كل ساعة من العمل الجاد اليوم ستنعكس غدًا في صورة إنجاز وفرصة جديدة. فالنجاح الفردي لكل طالب هو في جوهره نجاح للوطن، واستثمار في رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الحقيقية لدولة قطر، والركيزة الأساسية لمستقبلها الواعد ومسيرتها التنموية المستدامة.
576
| 07 يونيو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي، ليصبح إعلانًا واضحًا بأن المعرفة تظل الخيار الأسمى حتى في أحلك الظروف. هذا الحدث، الذي يمتد حتى الثالث والعشرين من مايو، بمشاركة 36 دولة و515 دار نشر وجهة، وأكثر من 910 أجنحة، لا يأتي كفعالية دورية عابرة، بل كـ"لحظة فارقة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ففي زمن تتراجع فيه الأولويات الثقافية لصالح ضرورات الأمن والسياسة، تصر الدوحة على أن الكتاب لا يزال في قلب المعادلة، وأن بناء الإنسان لا يمكن تأجيله. ما يميز هذه الدورة ليس فقط حجم المشاركة الدولية أو تنوع الفعاليات، بل السياق الذي تنعقد فيه. فالمعرض، وفق ما أكده القائمون عليه، يأتي في ظل ظروف استثنائية لم تزد المنظمين إلا إصرارًا على التمسك برسالتهم الحضارية. وهنا، تتحول إقامة المعرض من مجرد نشاط ثقافي إلى موقف أخلاقي وحضاري. إن تنظيم معرض بهذا الحجم في هذا التوقيت يحمل دلالة عميقة: أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة. وأن الرد الحقيقي على العنف والاضطراب لا يكون فقط بالسياسة، بل أيضًا بنشر الوعي وتعميق الفكر الإنساني. إنها رسالة تقول إن الكتاب يظل "السلاح الذي لا يخذل صاحبه"، وأن القراءة هي الجسر نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا. تعكس هذه الدورة رؤية واضحة لدى الدولة، تقوم على الاستثمار في الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية لأي نهضة. فالمعرض ليس مجرد منصة لبيع الكتب، بل فضاء للتفاعل الثقافي، وتبادل الخبرات، والانفتاح على تجارب معرفية متعددة. ومن خلال الندوات والمحاضرات وورش العمل، إلى جانب الجوائز المخصصة للناشرين والمؤلفين، يتجسد المعرض كمنظومة متكاملة تهدف إلى ترسيخ القيم الثقافية، وتعزيز الهوية الوطنية، ومواكبة التحولات العالمية. إنه مشروع ثقافي ممتد، يؤكد أن المعرفة تظل الخيار الأهم لمستقبل أكثر ازدهارًا. على مدار عقود، نجح معرض الدوحة الدولي للكتاب في ترسيخ مكانته كواحد من أبرز المعارض في المنطقة، منذ انطلاقه عام 1972. ومع تطوره ليصبح حدثًا سنويًا يستقطب كبرى دور النشر العالمية، تحولت الدوحة إلى نقطة التقاء ثقافي عالمي. واليوم، وفي ظل التحديات الراهنة، تتعزز هذه المكانة أكثر، إذ يثبت المعرض أن عجلة الثقافة في قطر لا تتوقف، وأن الدوحة ستظل منبرًا للتنوير لا ينكسر. فالإصرار على إقامة المعرض في هذا التوقيت هو في حد ذاته رسالة صمود، تؤكد أن الثقافة قادرة على الاستمرار رغم كل شيء. لكن ما يضفي على المعرض بعدًا إنسانيًا عميقًا، هو الحضور اللافت للشباب القطري في تنظيمه، من خلال العمل التطوعي. فقد شهد مركز قطر التطوعي إقبالًا كبيرًا من الشباب الراغبين في المشاركة، في مشهد يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية العمل المجتمعي. هذا الحماس لا يمكن اعتباره تفصيلًا هامشيًا، بل هو جزء أساسي من نجاح المعرض. فالتطوع هنا ليس مجرد مساهمة تنظيمية، بل تجربة متكاملة تتيح للشباب اكتساب مهارات جديدة، من التواصل مع الجمهور، إلى العمل الإعلامي والتنظيمي. والأهم من ذلك، أن هذا الإقبال يعكس روح الانتماء والمسؤولية لدى الشباب، وإدراكهم أن نجاح مثل هذه الفعاليات هو مسؤولية جماعية. إنهم لا يشاركون فقط في تنظيم حدث، بل في صناعة صورة حضارية لقطر، وفي ترسيخ ثقافة العمل التطوعي كقيمة مجتمعية. إن تماسك المجتمع القطري، كما يظهر في الالتفاف حول هذا الحدث، يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الثقافة في مواجهة التحديات. فالمعرض ليس مجرد تجمع للناشرين والقراء، بل مساحة تعكس هوية المجتمع، وتؤكد قدرته على التفاعل الإيجابي مع الأزمات. كما أن الاهتمام الكبير بالأطفال والناشئة، من خلال تخصيص مساحات لهم وتنظيم أنشطة تفاعلية، يعكس وعيًا بأن بناء المستقبل يبدأ من الأجيال الجديدة. فالاستثمار في الطفل القارئ هو استثمار في مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات. في النهاية، يمكن القول إن معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين ليس مجرد حدث ثقافي، بل رسالة متعددة الأبعاد. رسالة إلى الداخل تؤكد أهمية المعرفة، ورسالة إلى الخارج بأن الثقافة العربية لا تزال حية وقادرة على التأثير. وفي زمن تتراجع فيه الكثير من القيم أمام ضغوط الواقع، يأتي هذا المعرض ليعيد التذكير بأن الكتاب لا يزال يحمل قوة التغيير، وأن الثقافة تظل الدرع الحصينة في مواجهة الأزمات. إنها لحظة تؤكد أن الاستثمار في العقل لا يقل أهمية عن أي استثمار آخر، وأن الأمم التي تقرأ هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها. وفي هذا السياق، تظل الدوحة منارة ثقافية لا تنطفئ، ترفع راية المعرفة عاليًا، وتثبت أن النور أقوى من العتمة.
981
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
2502
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
2274
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1179
| 11 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1068
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1020
| 15 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
669
| 12 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
585
| 13 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
576
| 11 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
483
| 11 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
456
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
450
| 15 أكتوبر 2026
قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...
417
| 12 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية