رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

888

وجيدة القحطاني

"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

19 مايو 2026 , 11:12م

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي، ليصبح إعلانًا واضحًا بأن المعرفة تظل الخيار الأسمى حتى في أحلك الظروف.

هذا الحدث، الذي يمتد حتى الثالث والعشرين من مايو، بمشاركة 36 دولة و515 دار نشر وجهة، وأكثر من 910 أجنحة، لا يأتي كفعالية دورية عابرة، بل كـ"لحظة فارقة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ففي زمن تتراجع فيه الأولويات الثقافية لصالح ضرورات الأمن والسياسة، تصر الدوحة على أن الكتاب لا يزال في قلب المعادلة، وأن بناء الإنسان لا يمكن تأجيله.

ما يميز هذه الدورة ليس فقط حجم المشاركة الدولية أو تنوع الفعاليات، بل السياق الذي تنعقد فيه. فالمعرض، وفق ما أكده القائمون عليه، يأتي في ظل ظروف استثنائية لم تزد المنظمين إلا إصرارًا على التمسك برسالتهم الحضارية. وهنا، تتحول إقامة المعرض من مجرد نشاط ثقافي إلى موقف أخلاقي وحضاري.

إن تنظيم معرض بهذا الحجم في هذا التوقيت يحمل دلالة عميقة: أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة. وأن الرد الحقيقي على العنف والاضطراب لا يكون فقط بالسياسة، بل أيضًا بنشر الوعي وتعميق الفكر الإنساني. إنها رسالة تقول إن الكتاب يظل "السلاح الذي لا يخذل صاحبه"، وأن القراءة هي الجسر نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

تعكس هذه الدورة رؤية واضحة لدى الدولة، تقوم على الاستثمار في الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية لأي نهضة. فالمعرض ليس مجرد منصة لبيع الكتب، بل فضاء للتفاعل الثقافي، وتبادل الخبرات، والانفتاح على تجارب معرفية متعددة.

ومن خلال الندوات والمحاضرات وورش العمل، إلى جانب الجوائز المخصصة للناشرين والمؤلفين، يتجسد المعرض كمنظومة متكاملة تهدف إلى ترسيخ القيم الثقافية، وتعزيز الهوية الوطنية، ومواكبة التحولات العالمية. إنه مشروع ثقافي ممتد، يؤكد أن المعرفة تظل الخيار الأهم لمستقبل أكثر ازدهارًا.

على مدار عقود، نجح معرض الدوحة الدولي للكتاب في ترسيخ مكانته كواحد من أبرز المعارض في المنطقة، منذ انطلاقه عام 1972. ومع تطوره ليصبح حدثًا سنويًا يستقطب كبرى دور النشر العالمية، تحولت الدوحة إلى نقطة التقاء ثقافي عالمي.

واليوم، وفي ظل التحديات الراهنة، تتعزز هذه المكانة أكثر، إذ يثبت المعرض أن عجلة الثقافة في قطر لا تتوقف، وأن الدوحة ستظل منبرًا للتنوير لا ينكسر. فالإصرار على إقامة المعرض في هذا التوقيت هو في حد ذاته رسالة صمود، تؤكد أن الثقافة قادرة على الاستمرار رغم كل شيء.

لكن ما يضفي على المعرض بعدًا إنسانيًا عميقًا، هو الحضور اللافت للشباب القطري في تنظيمه، من خلال العمل التطوعي. فقد شهد مركز قطر التطوعي إقبالًا كبيرًا من الشباب الراغبين في المشاركة، في مشهد يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية العمل المجتمعي.

هذا الحماس لا يمكن اعتباره تفصيلًا هامشيًا، بل هو جزء أساسي من نجاح المعرض. فالتطوع هنا ليس مجرد مساهمة تنظيمية، بل تجربة متكاملة تتيح للشباب اكتساب مهارات جديدة، من التواصل مع الجمهور، إلى العمل الإعلامي والتنظيمي.

والأهم من ذلك، أن هذا الإقبال يعكس روح الانتماء والمسؤولية لدى الشباب، وإدراكهم أن نجاح مثل هذه الفعاليات هو مسؤولية جماعية. إنهم لا يشاركون فقط في تنظيم حدث، بل في صناعة صورة حضارية لقطر، وفي ترسيخ ثقافة العمل التطوعي كقيمة مجتمعية.

إن تماسك المجتمع القطري، كما يظهر في الالتفاف حول هذا الحدث، يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الثقافة في مواجهة التحديات. فالمعرض ليس مجرد تجمع للناشرين والقراء، بل مساحة تعكس هوية المجتمع، وتؤكد قدرته على التفاعل الإيجابي مع الأزمات.

كما أن الاهتمام الكبير بالأطفال والناشئة، من خلال تخصيص مساحات لهم وتنظيم أنشطة تفاعلية، يعكس وعيًا بأن بناء المستقبل يبدأ من الأجيال الجديدة. فالاستثمار في الطفل القارئ هو استثمار في مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.

في النهاية، يمكن القول إن معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين ليس مجرد حدث ثقافي، بل رسالة متعددة الأبعاد. رسالة إلى الداخل تؤكد أهمية المعرفة، ورسالة إلى الخارج بأن الثقافة العربية لا تزال حية وقادرة على التأثير.

وفي زمن تتراجع فيه الكثير من القيم أمام ضغوط الواقع، يأتي هذا المعرض ليعيد التذكير بأن الكتاب لا يزال يحمل قوة التغيير، وأن الثقافة تظل الدرع الحصينة في مواجهة الأزمات.

إنها لحظة تؤكد أن الاستثمار في العقل لا يقل أهمية عن أي استثمار آخر، وأن الأمم التي تقرأ هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها. وفي هذا السياق، تظل الدوحة منارة ثقافية لا تنطفئ، ترفع راية المعرفة عاليًا، وتثبت أن النور أقوى من العتمة.

مساحة إعلانية