رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

441

سعدية مفرح

معنى أن تكون شاعراً!

03 نوفمبر 2025 , 02:21ص

كل شاعر، مهما بدا هادئًا أو مطمئنًا في موقعه، يحمل في داخله جناحين قلقين، لا يطيقان البقاء طويلًا في أمان الجماعة. كأن الشعر نفسه لا يتنفس إلا في العزلة، ولا يضيء إلا في المسافة الفاصلة بين الصوت والصدى. تلك المسافة التي تفصل الطائر الشاعر عن السرب، وتمنحه في الوقت ذاته حريته وخوفه، مجده ووحدته، انتصاره وانكساره.

ليس من المصادفة أن يشبَّه الشعراء بالطيور، فهما يشتركان في شهوة التحليق، وفي حاجتهما إلى العلو كي يريا الأشياء من زاوية مختلفة. السرب يمنح الطائر حمايةً ودفئًا، لكنه يسلبه خصوصية النغمة. أما حين ينفرد بالطيران، فإنه يعرّض جناحيه للريح، لكنه يستعيد صوته الأصيل، الذي لا يشبه سواه. تلك المفارقة هي قدر الشعراء منذ أول من قال بيتًا في البراري القديمة، وحتى آخر من همس بقصيدته في عتمة غرفة صغيرة.

الشاعر، في جوهره، لا يحتمل التكرار. يرفض أن يقول ما قيل، أو أن يرضى بما اتُّفق عليه، أو أن يقتات على ما يراه الآخرون كافيًا. إنه كائن قلق، يختبر اللغة كما يختبر الطائر الهواء، يختبر مقاومته قبل أن يسلم له جناحيه. كل قصيدة هي تجربة طيران جديدة، وكل خطأ في المدى يُكسبه خبرةً في التحليق أعلى. لذلك لا يكتب الشاعر ليُعجب أحدًا، بل ليكمل نقصًا في الكون لا يراه سواه، أو ليمنح نفسه فرصة النجاة من ثقل الأرض.

لكن الخارج من السرب لا يعود كما خرج. من يتذوق طعم الحرية اللغوية لا يستطيع بعدها أن يتكلم بلغة الجماعة. تصبح الكلمات عنده كائنات لها أرواحها الخاصة، لا تقبل القيد ولا تنصاع للعرف. وحين يعود إلى السرب، يجد أن النغم تغيّر، وأنه لم يعد يطيق ترديد ما يتردد على الألسنة. لذلك يُتهم الشاعر دائمًا بالغموض، أو بالغرابة، أو بالتعالي. وما هو في الحقيقة إلا أكثر الناس صدقًا في إنصاته إلى الأصوات الخفية في داخله، تلك التي يخاف الآخرون من سماعها.

أن تكون شاعرًا يعني أن تعيش على الحافة بين الخطر والجمال. الحماية تغري، لكنها تُخدّر. الجماعة تمنح الطمأنينة، لكنها تسرق الصوت الخاص. أما الانفراد فهو مغامرة مفتوحة على الاحتمالات: قد يسقط الشاعر في فراغ المعنى، وقد يكتشف في ذلك الفراغ سماءه الحقيقية. وما يميز الشعراء الكبار عن غيرهم، ليس مهارتهم في نظم الكلام، بل جرأتهم في ترك السرب حين يضيق بهم، وثقتهم بأن أجنحتهم ستقودهم إلى حيث لا خرائط ولا أوامر طيران.

كثيرون يرون في السرب رمزًا للأمان. لكن الشعر لا يزدهر في الأمان، بل في القلق الجميل الذي يرافق كل بحث عن صوت جديد. فحين يطمئن المرء أكثر مما ينبغي، يفقد دهشته. والشعر، في جوهره، دهشة متجددة. لذلك يظل الشاعر أقرب إلى الطيور التي تعرف أن الطريق إلى العلو محفوف بالتيه، لكنها تطير رغم ذلك، لأن التيه جزء من طقوس الوصول.

ولعل أعذب ما في الشعر أنه يجعل من الغرابة وطنًا مؤقتًا. لا يكتب الشاعر ليكون مقبولًا، بل ليكون صادقًا. ولا يغرد خارج السرب من رغبة في التفرد فحسب، بل لأنّ ما يراه من موقعه المختلف لا يمكن أن يُرى من مكان آخر. كل شاعرٍ يحمل في صوته سرًّا لا يُقال إلا إذا ابتعد قليلاً عن الضجيج العام، ليستمع أولًا إلى الصمت. والصمت هو أول القصائد، ومنه تبدأ اللغة رحلتها نحو المعنى.

ربما ينسى السرب سريعًا ذلك الطائر الذي غادرهم ذات فجر بحثًا عن نغمة جديدة، لكن القصيدة لا تنساه. القصيدة تحفظ له أثر الجناحين في الهواء، وارتجافة القلب حين قرر أن يخرج من الاصطفاف. وما الشعر في النهاية إلا تلك اللحظة التي يجرؤ فيها المرء على أن يكون وحيدًا من أجل أن يقول الحقيقة كما يراها هو، لا كما يتوقعها الآخرون.

كل الشعراء طيور، نعم، لكنّ بعضهم يختار الغناء في مواجهة الريح، لا في ظلّها. هؤلاء وحدهم يخلّدهم الصوت، لأنهم حين غادروا السرب لم يغادروا الوفاء، بل عادوا إليه بأغنية أوسع من الأجنحة نفسها، وأعمق من فكرة الحماية، وأصدق من أي تصفيق يأتي من الخلف.

مساحة إعلانية