رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن أخطر ما أسفرت عنه الأزمة الدستورية في مصر يتمثل في تقسيم المحروسة إلى فسطاطين، أولهما القوى الإسلامية بتجلياتها المتعددة، وثانيهما القوى المدنية المتنوعة المنابع والجذور والتي توحد أغلبها ضمن ما أطلق عليه بجهة إنقاذ مصر، صحيح أفق الانقسام بات مفتوحا على مصراعيه منذ انبثاق ثورة الخامس والعشرين من يناير بين كافة نخبها وفصائلها الثورية ولكنه كان انقساما ضمن السياق المقبول رغم أنني انتقدته غير مرة وفي هذا المكان بالذات.
ولا شك أن ثمة مخاطر جمة سينتجها الانقسام الراهن الناتج عن الأزمة التي أعقبت إصدار الرئيس محمد مرسي للإعلان الدستوري يوم الخميس قبل الماضي والذي فجر حالة من الاحتقان الواسع بالذات لدى القوى المدنية التي سارعت بالتوجه إلى ميدان التحرير معلنة رفضها للإعلان ثم لمشروع الدستور الذي أقرته الجمعية التأسيسية على عجل دون توافق عليه من قبل كافة التيارات والقوى السياسية وهو ما شكل مصدراً لغضبها تجلى في انسحاب ممثليها من الجمعية قبل الانتهاء منه بأيام.
وأول هذه المخاطر أن المحروسة لم تعد كما كانت إبان ثورة يناير على قلب رجل واحد وإنما تشظت نخبها السياسية على نحو مخيف وشاهدنا خلال الأيام المنصرمة نوعا من الاحتدام والاشتباك بين طرفي الأزمة بل والإقدام على ممارسات عنف لفظي إلى جانب العنف الذي امتد إلى مقرات حزبية وأخشى ما أخشاه هو أن تتكرس حالة التشظي إلى حدود يتم فيها تبادل إراقة الدماء وهو ما تسعى مختلف القوى إلى تجنبه، بيد أن ما يشاهده المرء من احتقانات وبروز حالة من الكراهية المتبادلة يمكن أن يفضي إلى معارك شوارع لا قدر الله، غير أنني على يقين بأن الأمر لن يصل مطلقا إلى مستوى الحرب الأهلية التي تحاول قوى إقليمية ودولية أن تروج لها في إطار توجهاتها التآمرية ضد المحروسة.
ثانياً: انعدام الثقة بين القوى السياسية خاصة التيارين الرئيسيين: المدني وتيار الإسلام السياسي (مع ملاحظة وجود اختلافات داخل كل تيار) فهناك – كما يقول محمد بسيوني عبد الحليم الباحث بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية فإن لكل طرف رؤية تقييمية متناقضة مع الطرف الآخر لم تكن نتاج ثورة يناير 2011، وإنما هي تجسيد لتراكمات عبر سنوات طويلة، وكان من شأنها دعم الاستقطاب بين التيارين خلال الشهور الأخيرة، فالتيار المدني يرى في المشروع الفكري للتيار الإسلامي مجرد رؤية تاريخية أصولية جاوزها الزمن، والنخب الإسلامية تفتقر للخبرات المطلوبة لإدارة الدولة. فيما يعد التيار المدني من وجهة نظر الإسلاميين ليس أكثر من تيار نخبوي يفتقد للتواصل مع القواعد الشعبية، كما أن مشروعه الفكري شهد استنزافًا واضحًا خلال عقود من الزمن. وانتقل هذا التناقض في الرؤى إلى مستوى آخر عقب إسقاط نظام مبارك، فخرج كل تيار من ميدان التحرير وهو يحمل أفكاره ومعتقداته الذاتية التي تتصادم مع التيار الآخر. بالإضافة إلى الصراع على السلطة، وسعي كل من الطرفين إلى تقديم نفسه على أنه الممثل الحقيقي للثورة.
ثالثاً: لقد أفضى إصدار الإعلان الدستوري من مؤسسة الرئاسة في هذا السياق – الكلام للباحث نفسه - إلى حدوث تداخل مع الأزمات السياسية الأخرى، وبدت الهوة واسعة بين مواقف التيار المدني وتيار الإسلام السياسي، فتفاعل كلا الطرفين مع الأزمة بمفهوم وتوصيف مغاير بين تيار مدني متمسك بفكرة "الشرعية الدستورية" وتيار إسلامي رافعًا "الشرعية الثورية"، فقد وجد التيار المدني في الإعلان الدستوري فرصة سانحة لتجاوز الخلافات الأيديولوجية بين أطرافه، ومن ثمَّ شكل التيار المدني كتلة معارضة للإعلان باعتباره ترسيخًا لسلطات ديكتاتورية لرئيس الجمهورية بما يتضمنه من اعتداء على سلطات المؤسسة القضائية، وتمهيدًا لسياسات تهدف إلى سيطرة جماعة الإخوان على مفاصل الدولة، وانبثق عن التيار المدني تحالفٌ أُطلق عليه "جبهة الإنقاذ الوطني" يعمل ككيانٍ تنسيقي يجمع القوى الرافضة للإعلان الدستوري.
رابعاً: لا تمكن – الكلام لكاتب السطور – تبرئة كل طرف من الحسابات الشخصية الضيقة في تعاطيه مع هذه الأزمة، فالقوى الإسلامية ترغب في تكريس احتكارها للسلطة على نحو أو آخر ربما شعورا بسطوة المكانة التي بلغتها عقب ثورة يناير ثم فوزها بالأغلبية في مجلس الشعب ثم مجلس الشورى ثم فوز الدكتور محمد مرسي في انتخابات الرئاسة وهو ما جعلها تتصدر المشهد وذلك النوع من المكانة السياسية من شأنه أن يدفع بمن يتبوأه إلى الشعور ربما بتضخم الذات أو السلطة وبالتالي يسعى إلى إقصاء الآخر وذلك في رأيي ينطوي على عيب خطير لأن أفق الحكم في المحروسة قابل لاستيعاب كافة الرؤوس ضمن سياق توافقي على نحو لا يمكن معه لتيار أو فصيل بعينه مهما كانت قدرته على التنظيم والحشد أن يحكم مصر بمفرده وإنما لابد أن يمد جسور التوافق مع القوى الأخرى.
في المقابل لا أظن أن الرموز التي تقود ما يسمى بالقوى المدنية أو جبهة الإنقاذ الوطني تتحرك في إطار ينزع إلى مصلحة المحروسة فحسب وإنما هناك أمور تتعلق بمحاولة تصفية حسابات مع جماعة الإخوان المسلمين وبالذات الدكتور محمد مرسي الذي حقق فوزا في الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو الماضي بينما خسر فيها بعض الرموز التي تقود الاحتجاجات العنيفة وهو أمر لمسه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي الإخواني الذي انشق عن الجماعة وخاص الانتخابات الرئاسية مستقلا فعوقب من القاعدة الإخوانية العريضة التي لا يمكنها التخلي عن مبدأ السمع والطاعة لقيادة الجماعة ذات السطوة الشديدة على أعضائها وهو ما يفسر ردة الفعل العنيفة على قرارات مرسي رغم أنها احتوت على بنود تتعلق بمطالب كانت تنادي بها القوى المدنية والثورية بعد إسقاط حكم مبارك الاستبدادي.
خامساً: من الواضح أن ثمة خللا أصاب علاقة مؤسسة الرئاسة والتي تقود السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية التي تتمتع تاريخيا في مصر بقدر من الاستقلال النسبي وهو ما يمكن أن يقود إلى حالة شلل في المشهد المصري الداخلي المرتبط عضويا بأجهزة هذه السلطة التي تنامى دورها وقوتها في الأشهر الأخيرة خاصة مع إصدار حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان انتخابات مجلس الشعب الأخيرة ثم تراجع الرئيس مرسي فيما بعد عن قراره بإعادة المجلس بعد شهرين تقريبا من حله بقرار من المجلس الأعلى للقوات المسلحة وهو ما وضع اللبنة الأولى في أرضية الشك المتبادل بين الرئاسة والقضاء ثم جاءت محاولة مرسي للتخلص من النائب العام المستشار عبد المجيد محمود عبر تعيينه سفيرا بالفاتيكان ومع ضغوط المؤسسة القضائية تراجع مرسي ولكن إصداره للإعلان الدستوري مؤخرا اعتبرته المؤسسة القضائية بكل مستوياتها اعتداء على هيبتها، وتجاوزًا من جانب السلطة التنفيذية وقاد نادي القضاة التصعيد عبر مطالبة رئيس الجمهورية بسحب الإعلان الدستوري، وقررت أغلب المحاكم تعليق أعمالها إلى حين إلغاء الإعلان، وعودة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود والأخطر المتوقع هو تهديد القضاء بعدم الإشراف على الاستفتاء على مشروع الدستور مما يعني نوعا من العصيان المدني خطير الدلالة.
السطر الأخير:
أيا أسطورة الحقول
أشاطرك العشق
أرمح بخيلي في سواحلك
راحلا في مداك
أرسمك وردة المواسم والفصول
أغزلك سفينة ترسو بواحتي
تتدلى نسائمك على قلبي رطبا جنيا
تنأى عني العتمة والأفول
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
446
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
316
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026