رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ اللحظات الأولى للثورة المصرية المجيدة وارتفاع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، تصاعد الجدل الشعبي حول البديل القادم إذا ما نجحت الثورة وسقط هذا النظام.. فقد كان الجميع يدرك أنه بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي الذي كان يحكم مصر، حيث شخصية الرئيس هي المسيطرة وهي التي تملك كل الصلاحيات، فإن اختفاءها يعني وجود فراغ سياسي كبير خاصة في ظل عدم وجود مؤسسات سياسية أو إدارية قادرة على ملء هذا الفراغ.
وحتى لحظة سقوط النظام وتنحي الرئيس حسني مبارك يوم 11 فبراير، تم طرح العديد من الأسماء التي يمكن أن تحل مكان الرئيس المخلوع وكان أبرزها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى والعالم المصري الدكتور أحمد زويل وكذلك الدكتور محمد البرادعي رئيس هيئة الطاقة الذرية السابق.
لكن مع نجاح الثورة واتجاهها إلى تحقيق أهدافها، خاصة بعد أن حققت الهدف الأول منها والمتمثل في إسقاط رأس النظام الحاكم، توسع النقاش الشعبي حول مدى قدرة هذه الشخصيات المطروحة على تحقيق تلك الأهداف وليس فقط مجرد شغل المنصب والإحلال محل الرأس الطائر.. وتعمق هذا النقاش بطروحاته الجديدة مع تشكيل لجنة جديدة لصياغة إعلان دستوري مؤقت يتم على أساسه إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، ويرأس هذه اللجنة المستشار طارق البشري.
فقد بدأت تظهر تيارات مناهضة للترشيحات التي تم طرحها خلال أيام الثورة والتي كانت تركز على شخصيات معروفة بهدف شغل منصب رئيس الجمهورية خوفا من الفراغ وليس أكثر.. خاصة بعد بدء التسريبات الإعلامية التي تزيل الهالة المقدسة التي كانت تحيط بهذه الشخصيات وتجعل فكرة ترشيحهم شيئا صعبا إن لم يكن مستحيلا.. حيث بدأت مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام على الشبكة العنكبوتية تشهد الكثير من التسريبات التي تشير إلى علاقة أحد الشخصيات المطروحة بالنظام السابق الذي خدمه لعشرات السنين في مواقع مهمة وكذلك ما يتعلق بشخصية أخرى لها علاقتها القوية بالدولة الإسرائيلية التي زارها أكثر من مرة لتسلم جوائز علمية أو للمشاركة في تطوير أسلحة ليزرية.
إضافة إلى أن التعديلات التي أقرتها "لجنة تعديل الدستور" بشأن الصفات المرجوة في الشخصيات المرشحة للانتخابات الرئاسية، جاءت لكي تساهم هي الأخرى في إقصاء بعض تلك الشخصيات المطروحة، حيث نصت مواد الدستور المعدلة الخاصة بشروط الترشح للمنصب الرئاسي على ضرورة ألا يكون المترشح أو أحد والديه يحمل جنسية أخرى غير الجنسية المصرية أو أن يكون متزوجا من أجنبية، وهو ما يعني استبعاد شخصيتين من الشخصيات المطروحة وهما الدكتور أحمد زويل الذي يحمل الجنسية الأمريكية وكذلك الدكتور البرادعي.
في مواجهة هذه التطورات بدأ الكثيرون يفكرون في ترشيح شخصية تكون محل إجماع وطني لتكون بديلا حقيقيا يستطيع أن يساعد في تحقيق أهداف الثورة.. وهنا بدأت تظهر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تطرح المستشار طارق البشري رئيس لجنة تعديل الدستور، كمرشح للمنصب الذي سيلعب دورا مهما في وضع ركائز الدولة الديمقراطية الحديثة في مصر والتي ستقوم على أسس الجمهورية البرلمانية..
لكن لماذا المستشار البشري؟
إن الرئيس القادم لمصر سيكون هو المسؤول الأول عن تشكيل البنية الأساسية للدولة الديمقراطية في مصر.. وهذه المسؤولية العظيمة تحتاج إلى رجل صاحب صفات وخبرات من نوع خاص لعل أهمها:
أولا: أن يكون بعيدا كل البعد عن النظام السابق وأزلامه وكل سياساته الإجرامية في حق مصر شعبا ودولة.
ثانيا: أن يكون مقبولا من كافة فئات وأطياف الشعب المصري.
ثالثا: أن يكون صاحب خبرات قانونية ودستورية تمكنه من فهم طبيعة المرحلة التأسيسية المقبلة والتي لن تقتصر فقط على بناء دستور جديد للبلاد يكون عصريا بكل ما يعنيه ذلك من ضمان قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.. ولكن أيضا مراجعة كافة القوانين التي تحكم المجتمع المصري في شتى المجالات وضمان اتساقها مع القيم والمبادئ التي سيتم تضمينها في الدستور الجديد.. هذا فضلا عن إعادة هيكلة المؤسسات ذات الطبيعة السيادية والمؤثرة في البنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مصر لتتوافق مع النهج الجديد.
رابعا: أن يقوم بتسليم مصر "الجديدة" إلى شعب مصر "الجديد" بعد إتمام المهمة على خير وجه.
والمستشار طارق البشري هو واحد ممن يستطيعون إتمام هذه المهمة.. ولعل سيرته السابقة تؤكد ذلك.. لنقرأ:
المستشار طارق البشرى واحد من قمم الفكر في مصر والعالم العربي والإسلامي.. وواحد من قلة يحظون بإجماع كامل على الاحترام والتقدير حتى ممن يختلفون معه فكريا..
وقد عينه المجلس العسكري الأعلى في مصر رئيسا للجنة صياغة الدستور يوم 14 فبراير 2011 بعد نجاح الثورة الشعبية المباركة.. وذلك بالنظر إلى تاريخه الناصع في مجال الفقه القانوني والدستوري.. حيث إنه شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، ورئيسا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عدة سنوات، وترك ذخيرة من الفتاوى والآراء الاستشارية التي تميزت بالعمق والتحليل والتأصيل القانوني الشديد. كما تميزت بإحكام الصياغة القانونية، ولا تزال تلك الفتاوى إلى الآن تعين كلا من الإدارة والقضاة والمشتغلين بالقانون بشكل عام على تفهم الموضوعات المعروضة عليهم.
جدير بالذكر أن المستشار البشري هو سليل عائلة عرف عنها اشتغال رجالها بالعلم الديني والقانون، إذ تولى جده لأبيه سليم البشري (1828-1914م) - شيخ السادة المالكية بمصر - منصب شيخ الأزهر، وكان عمه عبد العزيز البشري من أشهر أدباء مصر (توفي 1943م)، أما والده المستشار عبدالفتاح البشري فقد كان رئيس محكمة الاستئناف حتى وفاته سنة 1951م.
وقد ذكرت إحدى الصحف المصرية المستقلة خلال تقديمها البشري قبيل صدور الكتاب الأحدث له تحت عنوان "الدولة والكنيسة".. أن ما يكتبه المستشار البشرى لابد أن يُقرأ بتأنٍ شديد، مع انتباه كبير، فلا ينفع مع كتبه الكسل أو استقطاع وقت القراءة، في نظرة إلى كتاب آخر. فهو واحد ممن اتفق عليه الجميع، حتى أن المختلفين معه يحترمون آراءه، لأنه ممن يعرفون قدر الكلام، وأهمية فعل الكتابة.
النفط والصراع السياسي في ليبيا
أعلنت القوات الموالية للحكومة غير المعترف بها في ليبيا، أنها سيطرت على ميناءي السدرة ورأس لانوف الرئيسيين في... اقرأ المزيد
646
| 16 سبتمبر 2016
أوروبا واليمين المتطرف
يبدو أن أوروبا مقبلة على صعود كبير لأحزاب اليمين المتطرف، خاصة بعد النجاحات التي حققتها تلك الأحزاب في... اقرأ المزيد
558
| 14 سبتمبر 2016
الانتخابات الصومالية وتحديات البناء
مع دخول شهر سبتمبر يكون الصومال على موعد مع إجراء انتخابات هي الثانية منذ العام 1991، عندما تمت... اقرأ المزيد
616
| 02 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026