رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

546

د. سلوى حامد الملا

العزاء واحتساء الشاي!

01 أكتوبر 2026 , 12:00ص

•    لكل مجتمع عاداته في مناسبات الفرح والحزن، لكن العادات تُقاس بما تحمله من رحمة ومراعاة للناس. والعزاء، قبل أن يكون مجلسًا تُفتح له الأبواب، وقفة إلى جانب أهل الفقيد؛ نواسيهم، وندعو لميتهم، ونخفف عنهم ما نستطيع.

•    ومع تزايد أخبار الوفيات والحوادث، نسأل الله الرحمة لمن رحلوا، والصبر والسلوان لذويهم. فالموت حقيقة يقف أمامها الجميع، لكن ألم الفقد لا يعيشه إلا من غاب عنه عزيز وقريب.

•    اعتاد الناس إقامة العزاء ثلاثة أيام وهو ما جرى به العرف، وبعضهم أسبوعا وبعضهم يكتفون بواجب العزاء بعد الصلاة مباشرة، وليس معنى ذلك أن التعزية تفقد قيمتها بعد انقضائها. فمن بلغه خبر وفاة قريب أو صديق بعد أيام، فله أن يواسي أهله حين يستطيع.

•    وتختلف مظاهر العزاء من بيت إلى آخر. ففي بعض المجالس تُتلى آيات من القرآن أو تُقال كلمات تذكّر بالصبر وحسن الدعاء. وفي مجالس أخرى، ينصرف الحديث إلى أخبار الناس وشؤون الحياة، حتى يكاد الزائر ينسى أنه دخل بيتًا مفجوعًا.

•    ومن المؤسف أن يتحول العزاء عند بعض المعزيات إلى موعد في جدول اللقاءات؛يجتمعن، ويتبادلن الأحاديث، ويسألن عن أنواع الشاي، ثم ينتظرن العشاء! وقد تمضي الساعات وهن لا يدركن أن أهل المتوفى يحتاجون إلى الراحة والخلوة والحزن، لا إلى استقبال ضيوف ينتظرون الضيافة. وإذا أبدى أحد أقارب الفقيد ضيقه، أو صدر منه تصرف تحت وطأة التعب والألم، غضبت بعضهن وانتقدنه، بدل أن يسألن أنفسهن: هل راعينا نحن حرمة العزاء ومشاعر أهله؟

•    ويزيد العبء حين تتحول الضيافة إلى ولائم ومنافسة في أصناف الطعام والمشروبات. فالأَولى أن يُصنع الطعام لأهل الميت لانشغالهم بمصابهم، لا أن يُشغلوا هم بإعداد الطعام للآخرين. وكذلك لا يليق أن تحضر معزية بكامل زينتها، أو تجعل المجلس فرصة للبحث عن زوج لابنها أو شقيقها، أو للقاء معارف لم ترهن منذ زمن. ولأهل الفقيد أيضًا حق في تحديد أوقات الزيارة بما يناسب راحتهم؛ فواجب العزاء لا يبيح اقتحام أوقات استراحتهم.

•    وللكلمة في مجلس العزاء وزن خاص. فلا مكان للأسئلة الفضولية عن تفاصيل الوفاة أو المرض، ولا للأحاديث عن الخادمات، ولا للغيبة والنميمة. ولا ينبغي أن تتحول لحظات الحزن إلى صور ومقاطع تُنشر في حسابات التواصل الاجتماعي. قد تكون المواساة الصادقة دعاءً في ظهر الغيب، أو جلوسًا هادئًا، أو إنصاتًا لمن أراد أن يتحدث؛ ثم مغادرة تترك لأهل البيت وقتهم.

•    ومن العادات التي انتشرت توزيع المصاحف وكتب الأدعية والأذكار إهداءً لثواب المتوفى. وهي لفتة تحمل نية طيبة، لكن حين تتكرر بكثرة والغرض التصوير لتأكيد حضور واجب العزاء، يحسن التفكير في موضع تكون فيه أشد نفعًا؛ كإرسال المصاحف إلى مراكز التحفيظ والمدارس التي تحتاجها، أو التصدق بما خُصص لها على المحتاجين.

•    آخر جرة قلم:

لا يحتاج أهل الفقيد إلى مجلس مكتمل الضيافة، بل إلى قلوب تدرك حجم غياب من أحبوا. يختلف الناس في التعبير عن الحزن، لكن دمعة الفقد واحدة؛ سواء رحل الأحبة بعد مرض ومعاناة، أم باغتهم الموت في ريعان الشباب والطفولة. الموت لا يستأذن أحدًا، وحين ندخل بيت عزاء، فلنتذكر أن واجبنا أن نخفف ألمه، لا أن نزيده. وأن نعظم لهم الأجر. ونكون في موقف لا ينسى فيه من شاركهم وواساهم في مصابهم. والله يرحم موتانا وموتى المسلمين ويرزق الصبر والسلوان لمن فقد عزيزا. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مساحة إعلانية