رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

963

د. أحمد المحمدي

في رحاب آية

04 مارس 2025 , 02:00ص

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

ها هو شهر رمضان، سيد الشهور وأكرمها، قد أقبل يحمل بين جنباته نفحات الطهر، وعطايا المغفرة، ودروس الإيمان. أتى ليكون ميدانًا لترويض النفوس، وتزكية القلوب، وليستقيم فيه السلوك على نور من صلاح الباطن، إذ لا وصول إلى الله إلا عبر طريق السائرين إليه، ولا بلوغ لمراقي القرب إلا بارتقاء منازل السالكين، وأول هذه المنازل – كما قرر الإمام ابن القيم – اليقظة.

واليقظة هي انتفاض القلب من غفوته، واهتزاز الروح من سباتها، فإذا مستها نسائم الانتباه انبعثت نحو ربها، واستشعرت الفلاح، وإلا تردّت في دركات الغفلة، حيث تتكاثف الظلمات، ويعمى البصر والبصيرة. فإن أفاق القلب من سكرته، استحث الهمة، واشتد العزم، وأخذ في سفر الرجوع إلى دياره الأولى، تلك الديار التي خُلق الإنسان لها، ولكنه سُبي في متاع الدنيا وزخرفها، فهل يُرجى له فكاك؟

فحي على جنات عدن فإنها... منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى... نعود إلى أوطاننا ونسلم

إن أدوأ الأمراض التي تعتري المرء هو أن يبيت غافلاً عن ربه، ساهيًا عن آخرته، مخدوعًا بظل زائل، ومنقطع فانٍ. وما الغفلة إلا داء مهلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، ولم يكن الله ليغفل العبد عن ذكره، ولكن العبد هو من أسلم قلبه للهوى، ورضي لنفسه أن يتردى في مهاوي النسيان.

أما إذا هبت على القلب نسائم اليقظة، انبعثت منه الفكرة، فصار يتأمل في عاقبته، ويحدق في مصيره، فتُفتح له أبواب البصيرة، وإذا البصيرة نور يبدد عنه غياهب الضلال، فيرى الوعد والوعيد، ويبصر الجنة وما أُعد فيها للأبرار، ويرى النار وما ينتظر فيها من العصاة والفجار، كأنما يُكشف له عن الغيب وهو مشاهد، وكأنما الحُجب قد أُزيلت، فإذا بيوم القيامة ماثل أمام عينيه، وإذا بالقبور قد تفجرت، وأهلها قد بُعثوا حفاةً عراةً، مهطعين إلى داعي الحق، وإذا الملائكة قد نزلت وأحاطت بالموقف، والميزان قد نُصب، والصحف قد تطايرت، والخصوم قد تجمعت، والحوض قد بدا للناظرين، والناس بين ظمآن ومُرتوٍ، والجسر قد مُد على متن جهنم، والأهوال قد أطبقت، والمتساقطون فيه أضعاف الناجين.

مساحة إعلانية