رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

189

د. أحمد المحمدي

لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا

18 يناير 2026 , 03:15ص

وردت هذه الآية في سورة الطلاق، وهي سورة فريدة في بنائها ومقاصدها، نزلت في سياق أزمة محددة، لكنها تجاوزت حدود الحدث لتخاطب الإنسان في كل لحظة ضيق، وكل موقف انكسار، وكل حال يشتد فيه الكرب وتضيق فيه الرؤية.

فالقرآن لا يحبس معانيه في أسباب النزول، ولا يقيّد هداياته بزمان أو واقعة، وإنما يجعل من الحدث الخاص نافذة على الحقيقة العامة. ولهذا جاءت هذه الآية لتكون رسالة مفتوحة لكل قلب مثقل، لا لمن عاش تجربة بعينها فحسب.

﴿لَا تَدرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا﴾

كلمة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في أثرها، تهزّ القلب حين يظن أن الصورة اكتملت، وأن النهاية قد كُتبت، وأن الأبواب أُغلقت بلا رجعة! تخاطب الإنسان في أضعف حالاته، حين تحاصره الوقائع، ويثقُل عليه الغد، ويغدو الألم هو الحقيقة الوحيدة التي يراها.

لا تدري؛ لأن علمك محكوم باللحظة، وبما تراه العين، وبما يعتصر به القلب؛ أما ما وراء اللحظة، وما بعد الكرب، وما خلف الأبواب المغلقة، فلا يعلمه إلا الله.

وهنا يتعلم القلب المؤمن درسًا جوهريًا: ألا يُصدر الأحكام النهائية، وألا يجعل الألم مقياس الحقيقة كلها.

هذه الآية لا تعد بزوال البلاء في الحال، ولا تعد بتغير الواقع فورا، لكنها تمنح ما هو أعمق من الوعد المباشر؛ تمنح الأمل المفتوح، وتكسر اليقين القاتل، وتمنع اليأس من أن يتحول إلى قناعة راسخة، إنها تقول للقلب المنهك: ابذل السبب وسلّم الأمر لله، فيد الله تعمل حيث لا ترى أنت ولا تدري، والله يُدبّر من وراء ما تحسبه أنت نهاية محتومة.

ومن هنا يتجلى البعد التربوي العميق في السورة؛ فهي لا تعالج الظرف الخارجي فحسب، بل تعيد تشكيل الداخل الإنساني في زمن المحنة. فالقرآن لا يربّي الإنسان على الهروب من الشدة، بل على حسن الوقوف فيها، وعلى أن يظل قلبه منضبطا وهو في قلب العاصفة.

ولهذا يؤكد السياق على قيمة المعروف بوصفها قاعدة شاملة في التعامل مع كل أزمة، وكل قرار، وكل موقف يختلط فيه الألم بالغضب: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعرُوف﴾.

والمعروف هنا ليس حكما متعلقا بحال بعينها، بل مبدأ أخلاقي عام: أن لا يُدار الألم بالظلم، ولا تُتخذ القرارات تحت سلطان القسوة أو التشفي.

ثم يتكرر الوعد الإلهي ليُعاد توجيه القلب إلى مصدر الطمأنينة الحقيقي: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُ  مَخرَجا﴾.

فالمخرج لا يكون دائما في التخطيط ولا في كثرة الحيل، بل في بقاء القلب متصلا بالله، خاضعا لحدوده، واثقا أن الله لا يترك من احتمى به.

ثم يتعمق المعنى أكثر: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُ مِن أَمرِهِ يُسرا﴾.

واليسر هنا لا يعني بالضرورة زوال الشدة، بل قد يكون سكينة تُسكب في القلب، أو نورا في البصيرة، أو قوة على الاحتمال حتى يأتي الفرج في وقته الذي يريده الله.

وتبلغ السورة ذروة معناها حين تربط هذا كله بحقيقة الإيمان: ﴿ذَٰلِكَ أَمرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُٓ إِلَيكُم﴾ فما يجري في لحظات الكرب ليس عبثا، ولا تفصيلا هامشيا في حياة المؤمن، بل ميدان اختبار لصدق علاقته بالله، ثم يُختم المسار بربط السلوك في الشدة بالمصير الأبدي: ﴿وَمَن يُؤمِن بِٱللَّهِ وَيَعمَل صَٰلِحا يُدخِلهُ جَنَّٰت تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدا قَد أَحسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزقا﴾.وهكذا تصبح الآية رسالة لكل مكروب، ولكل من ضاقت به السبل، ولكل من ظن أن ما يراه هو نهاية الطريق! ﴿لَا تَدرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا﴾ رسالة تقول: إن ما بعد الشدة ليس فراغا، بل مساحة يعمل فيها الله، وإن من سلّم قلبه لله في زمن الألم، لم يخذله الله، ولم يتركه وحيدًا في طرق الكرب.

مساحة إعلانية