رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مزعج أن ينقض أحدهم عهده معك ويخونك، بل ويعتدي عليك مادياً ومعنوياً بصورة وأخرى، ما يستدعي منك فعلياً في كثير من الأحيان إلى رد الصاع صاعين، باعتبار فداحة الجرم المرتكب من هذا الذي ينقض العهود، بل يتمادى في ذلك ليعتدي بقتل وسرقة وترهيب وغيرها من أفعال تستوجب رداً يتناسب معها. وهذا أمر أشارت إليه آية كريمة في سورة المائدة (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
قيل بأن الآية - كما جاء في تفسير القرطبي - نزلت في رجال من قبيلة عُرينة، كانوا قد قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتووا المدينة (أي كرهوا المقام بها) وقد أصابهم مرض ما، فأمر لهم الرسول الكريم بعلاج معين هو أن يشربوا من أبوال وألبان إبل الصدقة، فانطلقوا إلى مراعي تلك الإبل، يشربون من أبوالها وألبانها مدة من الزمن.
لما تعافوا من مرضهم، ظهرت نواياهم الخبيثة، حيث قتلوا راعي الإبل ومثلوا به ووضعوا الشوك في عينه، ثم استاقوا النعم؛ فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرهم من أول النهار، فأرسل في آثارهم؛ فما ارتفع النهار حتى جيء بهم؛ فأمر بمسامير فأحميت فكحّلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما قتلهم، وتم إلقاؤهم في الحرة، يستسقون الناس فلا يُسقون. فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله.
ما فعله الرسول الكريم بقطاع الطرق أولئكم، المرتدين عن الدين، قتلة الأبرياء وسرّاق الإبل، إنما هو حماية للمجتمع من تلك النوعيات المفسدة في الأرض أن تظهر أخريات مثلها، أو تتجرأ واحدة منها على المسلمين. وما العقوبة الغليظة إلا لغلظة وقسوة وشناعة فعلتهم، وهو جزاء دنيوي وفي الآخرة عذاب عظيم كما في الآية الكريمة.
غدر بني النضير
في السيرة كذلك نجد قصصاً من غدر يهود، مثل بني النضير ومن بعدهم بني قريظة، وقبلهم بني قينقاع. فأما غدر بني النضير حسب رواة السير، أنهم حاولوا اغتيال النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – بعد أن ذهب إليهم في شأن لهم صلة به يتباحث معهم، وقد رحبوا به – صلى الله عليه وسلم – بادئ الأمر، ثم خلا بعضهم ببعض، بعد أن جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مع بعض أصحابه إلى جانب جدار من بيوتهم، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فَمَنْ رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقام أشقاهم وهو عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء بما أراد القوم.. إلى آخر القصة.
وفي رواية أخرى لغدر بني النضير قد تكون هي الأصح حسب بعض رواة السير، أن تآمرهم بدأ منذ خروج الصحابة مهاجرين إلى المدينة، لكن فاجأهم النبي - صلى الله عليه وسلم – بعلمه بما يقومون به مع كفار قريش، وذكّرهم بالمعاهدة التي بينهم وبينه، فتوقفوا.
لكنهم عادوا بعد غزوة بدر مرة أخرى بعمل دنيء خسيس. حيث أرسلوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يخرج إليهم في ثلاثة من أصحابه، ليلقاهم ثلاثة من أحبارهم، فإن « آمنوا بك اتبعناك « هكذا كانت رسالتهم. فوافق الرسول الكريم على ذلك.
كانت خطتهم - كما جاء في فتح الباري لابن حجر العسقلاني - أن يخرج اليهود الثلاثة ومعهم خناجر مخفية يقومون بمهمة الاغتيال على حين غرة. لكن تنامى خبر ذلك إلى امرأة من بني النضير لها أخ من مسلمي الأنصار، فأخبرته بأمر بني النضير، ليقوم الأنصاري من فوره بإعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يخرج إليهم.
قرر عليه الصلاة والسلام بعد ذلك الخبر، أن يصبّحهم بالكتائب المسلمة، فحاصرهم يومها بعد قتال ومناوشات لم يستمر ويصبر عليها يهود بنو النضير، فلجأوا إلى حصونهم كعادتهم في القتال من وراء جُدُر، ليدخلوا بعد ذلك في خلافات بينية، وصار بأسهم بينهم شديدا. ومكثوا على ذلك مدة، فيما الحصار يشتد حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت، خاصة بعد أن أحرق المسلمون نخيلهم، فما كان منهم إلا رفع رايات الاستسلام، خاضعين لما يأمرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم – فأمر لهم ما أقلّت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا ما يستطيعون حمله، حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يقدرون عليه من خشبها. وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام.
غدر بني قريظة
لم يتعظ هذا الفرع من يهود مما جرى لفروعهم السابقة، بني النضير ومن قبلهم بني قينقاع. حيث دخل بنو قريظة في عمل أقبح وأكثر خسة وإجراماً وخطراً على المسلمين، في وقت كان المسلمون بأمس الحاجة للمساندة من أي حليف.
وعلى رغم أن بني قريظة كانوا في معاهدة سلام وأمان واحترام وعدم اعتداء مع دولة الإسلام، إلا أنهم كعادتهم نقضوا العهد هذا، من بعد أن غرّتهم كثرة الأحزاب النجسة المشركة حول المدينة، وقد وجدوها فرصة ثمينة للنيل من المسلمين، على رغم أنه لم يكن قد وجدوا من المسلمين تجاههم ما يستدعي ذلك النقض، لكنها نفوس مجبولة على الخسة ونقض العهود والمواثيق منذ القدم وإلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله للأرض أن تدوم، وهذا ليس بالأمر الجديد نقرأه عليكم. فكان جزاؤهم المعروف المستحق، قاسياً بقسوة خيانتهم لله وللرسول في أحرج الأوقات والظروف.
إنّ قصص الغدر والخيانات كثيرة في كل الحضارات، وتتكرر في كل زمان ومكان، بل لم ولن تتوقف إلا بتوقف الحياة على هذه البسيطة. وما رد الفعل من ضحايا الخيانات حين تنقلب الأمور لصالحهم، سوى بعض الجزاء الدنيوي العادل، فيما الأخروي يعلمه الله. وما سرد قصص الخيانات تلك بالأمر الجديد، لكن من باب العبرة والعظة، لأنها تتكرر بنفس السيناريوهات أحياناً. وحتى لو اختلفت، واختلفت الوجوه فيها، فالقصص هي ذاتها، بنفس الأهداف والتوجهات، وكذلك آثارها هي ذاتها. لكن الغرابة أن تتكرر مع أناس كان أسلافهم ضحايا غدر وخيانات، فإذا بهم اليوم سائرون على المنوال نفسه مع الغادرين والخائنين، في صورة لا يمكن تفسيرها سوى أنها الحماقة، لا أكثر ولا أقل.. نعم إنها الحماقة التي أعيت من يداويها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2106
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
894
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026