رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل شهر شعبان بالفرح والسرور ويدعو الله فيقول: "اللهم بلغنا رمضان" لأن شعبان يقربنا من شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، ويكثر من الصيام في شعبان بما لا يكثر في غيره من شهور العام، حتى روى البخاري ومسلم بسندهما عن عائشة رضي الله عنها واللفظ لمسلم: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصوم حتى نقول : لا يُفطرُ، ويفطرُ حتى نقولَ : لا يصومُ، وما رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ استكمل صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبانَ".
وهي تهيئة إيمانية قلبية للاستعداد لشهر رمضان، فصار شعبان كأنه نافلة رمضان، كما يتهيأ المسلمون بالنوافل لصلاة الفريضة.
والآن كيف نستعد لرمضان في أنفسنا إيمانيا لمواجهة الهوى والشيطان، وسياسيا لمواجهة الانقلاب ودعم الشرعية، أما الاستعداد إيمانيا فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ثم رده إلى أسفل سافلين، ووضع الإنسان في اختبار قال عنه سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (الإنسان:2)، وقال سبحانه: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد:10)، فالإنسان خلقه الله من طين، ونفخ فيه الروح، وميزه عن سائر المخلوقات بالعقل، فمثَّل الطينَ الهوى، ومثلت الفطرة الروح، وصار الإنسان بين هوى يشده إلى الأرض بطينها ووحلها: (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) (الأعراف: من الآية176)، وصارت الفطرة تشده إلى أعلى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: من الآية30)، والعقل يفكر ويقدر، وينظر ويدبر، ويختار ما بين إجابة الهوى، أو الاستجابة لنداء الفطرة، وليس كل الهوى حراما، فهوى الإنسان أن يأكل ليعيش ويقوى للعبادة، لا ليأكل مال اليتيم وكسرة الفقير، وهوى الإنسان في النكاح أن يتناسل ويبقى النوع الإنساني على الأرض، لا ليهتك الأعراض وتختلط الأنساب، وهوى الإنسان أن يتكلم الكلام ليقول الحق، ويصلح بين الناس لا الكذب والبهتان، وهوى الإنسان أن يغضب لنصرة الحق لا اندفاعا نحو الظلم والطغيان، وجاء الشيطان ليلتحم بالهوى فيزيده إسرافا وبدارا نحو الشر من الإنسان إضرارا بنفسه قبل أسرته ومجتمعه وعالمه، فأدركته عناية الرحمن، وأنزل الله القرآن وفرض شعيرة الصيام، ليعود للإنسان الميزان، ويعين عقله على الترجيح بين نداء الفطرة وأوامر الرحمن، في مواجهة إغواء الهوى والشيطان، فصار الصيام ركنا أساسيا في توازن الإنسان، وتغيير ما بالنفس أولا، ثم الأسرة والمجتمع والأمة بعدها ومعها؛ كي يصدر الإنسان في أفكاره وأفعاله وأقواله عن عابد لله عز وجل، خليفة لله في أرضه، داعيا إلى الحق، آمرا بالعدل، ناشرا للبر، متحركا بنور الله كما قال سبحانه: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:122)، وهنا يجب أن نتوقف أمام خصائص أنفسنا التي خلقها الله تعالى وركَّب فيها شهوات أربعة قوية هي: "البطن والفرج والكلام والغضب"، وفرض الله الصيام ليكون - مع بقية العبادات - آلية التغيير الإيمانية العملية في الفرد والأسرة والمجتمع والأمة، ووضع ربنا لذلك سننًا وفرائض عملية؛ لتعين الإنسان على نفسه إصلاحا وتغييرا، وتقويما وتحسينا، فإذا ما جد بالإنسان السير إلى الله، واعتبر الصيام شعيرة تحبها النفس، ويعظمها القلب كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)، فإن الإنسان من أول شعبان سوف يهرع إلى الصيام بالنهار، والقيام بالليل نافلة قبل رمضان، ويضاعف ذلك الإيمان في رمضان ارتقاء طبيعيا، ويستمر بعد رمضان في برامجه الإيمانية من صيام وقيام، وذكر وقراءة للقرآن، وبذل وإنفاق في سبيل الله، وعمارة لبيوت الله، ويظل هذا أدبه ودأبه حتى يأتي قدر الله كما قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99)، فإذا جاء اليقين فإما باب الريان لا يدخله إلا أصحاب الإيمان من الصائمين، وتلك منازل أصحاب اليمين، أما منازل الصديقين والمقربين فلهم مقامات أعلى وأرقى وأسنى نستشف ذلك من دليل الإشارة في الحديث النبوي الذي رواه البخاري بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: "الصوم لي وأنا أجزي به"، فإن كان الصوم له سبحانه، وهو يجزي به فهناك حقا ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومن هنا وجب الاستعداد من شعبان، قبل الميعاد في رمضان، فلا ندع القلوب في صدأ وغفلة، وقسوة وظلمة، فيأتي رمضان وقد صعب على صفحاته أن تستقبل نفحات الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، وما يلي بعض الواجبات الإيمانية والسياسية:
أولا: الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل أن يقي أهل مصر من هذه المحنة، وأن يكفينا شر الأشرار، وكيد الفجار وأن يجعل كيدهم في نحورهم، وأن يحقن دماء المصريين عامة والمسلمين خاصة، وأن نتواصى بذلك في ساعات الإجابة ومظانها، وأن يكون هذا سلوكا عاما لكل المخلصين.
ثانيًا: على أهل العلم في جميع أنحاء العالم الإسلامي في كافة المؤسسات الرسمية والهيئات الرسمية والأهلية والمجامع الفقهية والشخصيات الاعتبارية وغيرها أن يقوموا بواجبهم في دعم الشرعية والتحذير من إعانة الانقلابيين بأي وسيلة سواء إعلامية أو غير ذلك ولو بكلمة، وأن كل قطرة دم أو إفساد ينشأ عنها؛ فإنهم يتحملون جميعًا وزرها وإثمها هم ومن أعانهم بأي وسيلة، وأن يكون ذلك من خلال جميع المناشط الدعوية والمنابر ووسائل الإعلام المختلفة.
ثالثًا: على جميع قيادات العمل الإسلامي في مصر وخارجها من كافة الفصائل الدعوية، أن يدركوا خطورة تفرقهم وتنابزهم، وأن يقدموا مصلحة الأمة الكلية وحقن دماء أبنائها على المصالح الجزئية والمكاسب الآنية، وأن يدركوا أنهم واقفون أمام الله عز وجل فرادى، وأنهم مسئولون عن تقصيرهم وتنازعهم وتقديمهم حظوظ أنفسهم على واجبات أمتهم، وعليهم مراعاة أن تكون تصريحاتهم قوية وواضحة في دعم الشرعية ورفض الانقلاب.
رابعًا: على الفضائيات والمواقع الإسلامية وأصحاب الصفحات الكبرى على مواقع التواصل الاجتماعي أن يعطوا هذه المسألة أولوية كبرى من برامجهم ومشاركاتهم واهتماماتهم.
خامسا: التفاؤل والثقة في الله عز وجل وأنه سبحانه لن يخذل عباده، وأنه سبحانه لايصلح عمل المفسدين، وبث الأمل في نفوس الناس، وأنه سيكون بإذن الله يوم انكسار للشر وأهله ويوم عزة للحق وجنده.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يأخذ بمجامع قلوبنا، وأهداب نفوسنا إلى ما يحبه ربنا ويرضى من خلال بوابة التقوى وهي ثمرة الصيام كما قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: من الآية 183)، وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر:54-55)، كما نتضرع إليه سبحانه أن يحفظ بنا مصرنا من كيد الخائنين، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: من الآية21)، وغدا نبتسم مرات، واحدة عندما يفشلون وثانية وثالثة عندما نستقبل رمضان ونفرح مرتين لما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه".
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
949
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4190
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4153
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026