رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

363

د. جاسم الجزاع

هل نحتاج إلى مديرين أكثر تديناً ؟

04 يونيو 2025 , 02:00ص

نعيش الآن موسم الحج، الذي لا تكتفي الجموع بالوقوف في عرفة والطواف حول الكعبة، بل تتجلى لحظة روحية عظيمة، يقف فيها الإنسان على مشارف التجرّد الكامل من ذاته، ويخوض تجربة وجدانية بالغة العمق، تتقاطع فيها الأجساد واللغات والمناصب في مشهد موحّد قلّ نظيره في العالم، فهنالك، حيث تذوب الألقاب في لباس أبيض بسيط، وتتوحد الأصوات بهتاف «لبيك اللهم لبيك»، وتنشأ حينها حالة شعورية فريدة، تُسقِط الفوارق بين البشر، وتوقظ في الإنسان أسمى القيم: الصدق، والانضباط، والطاعة، والتواضع، والعمل الجماعي، والإخلاص، فعلاً إنها لحظة تحوُّل لا في مكان الجسد فحسب، بل في وجهة القلب والعقل.

وفي هذه اللحظة التعبدية، يصبح الإنسان أقرب ما يكون إلى الطاعة والانقياد الواعي، والالتزام الذي ينبع من الداخل لا من الخارج، ومن الضمير الحي اليقظ لا من الإملاءات الخارجية، وهنا تتبدى لنا في البيئات العلمية الإدارية وبيئات الأعمال، وأمام القادة السياسيين والإداريين، لا سيما في البيئات الإسلامية، فرصة لا تقدّر بثمن.. فرصة لفهم النفس البشرية حين تكون في أوج استعدادها للالتزام الذاتي، دون ضغط أو سلطة، بل بدافع من إيمان داخلي ورضا عميق.

لقد بيّنت دراسات الإدارة الحديثة أن للروحانيات « الدينية « والتجليات، أثرًا بالغًا في تعزيز الأداء المؤسسي، وتشكيل بيئة عمل صحية، ويقول في ذلك العالم الإداري الأمريكي إيان ميتروف: «إن الناس يريدون العمل في مؤسسات تقدر إنسانيتهم الكاملة، بما في ذلك حياتهم الروحية، وإن تجاهل هذا الجانب يقود إلى الفشل الأخلاقي والعملي للمؤسسة».

كما تقول الباحثة مارغريت ويتلي المتخصصة في القيادة والتنظيم: «القادة الذين يعترفون بحاجات الناس الروحية، ويمنحون معنى لأعمالهم، هم الأقدر على بناء مؤسسات تنبض بالحياة، وليست فقط آلات إنتاج».

فحين يُفعّل الدين والأمور الروحانية المتجددة في نفس الموظف، لا يُنتج فقط ممارسات شخصية تعبدية، بل يُعيد تشكيل منظومة القيم الوظيفية التي تحكم سلوكه في العمل، فالأمانة تصبح التزامًا مقدسًا، والانضباط يتحول إلى مسؤولية ذاتية نابعة من الداخل، والتعاون يظهر بوصفه قربى جماعية، ولهذا، فإن القائد الناجح والسياسي البارع هو الذي يستطيع أن يُحوّل المعاني الروحية إلى رسائل قيادية فعالة. عندما يتحدث عن الصدق مستندًا مثلاً إلى درس الحج، أو عن النظام مستلهمًا مشهد الطواف، أو عن الانتماء لفكرة العدالة مستمدًا من مشاعر الوقوف في عرفة، فإن كلماته لا تمرّ كتعليمات جافة، بل تدخل القلب وتوقظ الضمير لمن في قلبه مثقال من إيمان.

وقد أدرك القادة والسياسيون المسلمون على مر العصور هذه الحكمة، فجعلوا من الحج منبرًا لتجديد العهد مع الناس، ومنصة لتقوية الرابط الأخلاقي والروحي بين الحاكم والمحكوم، دون خطابات بروتوكولية، بل بلقاء وجداني ينبع من مشاعر مشتركة.

وفي العصر الحديث، تحتاج المؤسسات إلى إعادة اكتشاف أثر الروحانيات في بيئة العمل، فالمواسم التعبدية، والحج خاصة، لا ينبغي أن تُرى كإجازات أو طقوس، بل كفرص نادرة لتغذية الضمير الجماعي، وإعادة ربط القيم المؤسسية بالمشاعر الدينية، بأسلوب عميق وأصيل. ونرى أن الإدارة الناجحة ليست فقط خططًا وجداول، بل هي قبل ذلك فهم دقيق للإنسان من الداخل. وحين تلتقي رسالة المؤسسة مع مشاعر الإيمان، تُبنى قيادة راشدة تُحترم لأنها تُشبه أرواح من تقودهم، وتُطاع لأنها تلمس ضميرهم، وتنجح لأنها تفهم أن الإنسان لا يعمل بالعقل فقط، بل أيضًا بالروح.

مساحة إعلانية