رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تم التخطيط لإنشاء مدينة الوسيل حتى تكون مدينة عصرية ملاصقة للدوحة ومميزة، لتواكب أحدث ما وصل إليه البناء العمراني الحديث، وذلك بالتبشير برؤية لمنطقة راقية مخططة ومدروسة بعناية، تحتوي على جميع الخدمات والبنى التحتية من مواصلات وحدائق وأسواق وفنادق ومنشآت ترفيهية، وقد أخذ المشروع فترة زمنية حتى أصبح حقيقة على الواقع تراه العين.
في البداية وقبل أن يدق مسمار في مدينة الوسيل، قامت شركة الديار ببيع القسائم العقارية على اختلافها، سواء كانت تجارية أو شققا سكنية، حسب تصنيف التطوير المتاح عليها على شركات استثمارية أو أفراد في مناطق مختلفة كمنطقة المرينا أو جبل ثعيلب وغيرها.
ووعدت شركة الديار التي باعت الأرض بسعر السوق في ذلك الوقت أنها ستسلم الأراضي للمطورين على اختلافهم مع كامل البنية التحتية حيث إنها في وقت البيع كانت أرضا صحراوية لا يمكن الاستفادة منها.
ولكن كما يقال إن الشيطان يكمن في التفاصيل، فالعقد المبرم مع المطورين والمشترين تضمن بعض الشروط من أهمها:
- أن هناك رسوم خدمات سنوية تحددها إدارة المنطقة من غير أسس واضحة ولا يمكن للملاك والمستثمرين الاعتراض على ذلك.
- تقرر تزويد القسائم العقارية بحمل كهربائي محدود للغاية يكفي للإضاءة وبعض الأجهزة الكهربائية ولا يفي بأغراض التكييف.
- تم الاشتراط أن التكييف والتبريد سيكون من خلال شركة تبريد مناطق District Cooling تملكها الوسيل (مرافق) واستثنى من ذلك أراضي الفلل، التي قد تم بيعها لاحقاً، وذلك بغرض توفير الطاقة وحماية البيئة.
- يتم تزويد المناطق بغاز الطهي من خلال شركة مرافق.
- يشترط أن تلبي المباني بالمنطقة مقاييس GSAS ويتم دفع اشتراك مادي لهذه الخدمة حسب شروط الوسيل.
والآن لنستعرض ماذا ترتب على هذه الشروط التي كانت غائبة عن المستثمرين في حينه:
1- بالنسبة لرسوم الخدمات التي تدفع بناءً على المساحة الطابقية GFR قد تم زيادتها تباعاً، بل إنه قد تم توقيع المستثمرين لاحقاً على أنه سيتم زيادة هذه الرسوم في السنوات القادمة أيضاً، سنة بعد سنة لمناطق المارينا وجبل ثعيلب، وملاك الأراضي ليس لهم إلا التسليم والموافقة. كما تم مضاعفة الرسوم على أراضي الفلل السكنية أيضاً.
وهنا أتساءل ما هي الخدمة التي تقدمها الشركة مقابل هذه الرسوم الباهظة، فإن كانت صيانة الحدائق العامة، فهذه الحدائق مفتوحة للجميع سواء كان من سكان الوسيل أو غيرهم.
أما خدمات المجاري فيتم تقاضي رسومها الشهرية من خلال فاتورة كهرماء، وخدمات الغاز هناك فواتير شهرية، وخدمات توصيل ماء التبريد للتكييف فهناك فواتير شهرية، لا يتبقى هنا خاص بالمباني إلا خدمة جمع القمامة.
أما الطرق فيستخدمها كل زوار الوسيل إن كانوا يقطنون بالمنطقة أو عدمه.
- إن هذه الرسوم أصبحت عبئاً على المستثمرين والملاك، وذلك أن العائد الإيجاري في الوسيل لا يختلف كثيراً عن باقي مناطق الدوحة مع فرق محدود في منطقة المرينا بالوسيل فقط، وفي كل الأحوال هذه الرسوم لا تتناسب مع العائد الإيجاري للمنطقة أو الخدمات التي تقدم في المقابل وأصبحت عبئاً على ملاك الأراضي الذين استثمروا في العقارات واقترضوا من البنوك لإتمام عملية الاستثمار.
- نظام التكييف المسمى تبريد المناطق District Cooling، هو من ضمن منشآت البنية التحتية لمنطقة الوسيل، قد تم فرضه من ضمن الشروط على أساس أنه موفر للطاقة وصديق للبيئة، ولكنه لا يوفر شيئاً على المستثمرين والمطورين.
حيث إنه لا بد من تركيب وحدة لاستقبال ماء التبريد في كل مبنى وهذه الوحدة تكلف بين 500 ألف ريال إلى مليونين حسب حجم المبنى، كما يتم تحميل المالك رسوم صيانتها سنوياً.
- على المالك أو المطور دفع رسوم توصيل الماء المبرد Chilled water بمعدل 5500 ريال قطري لطن التبريد الواحد، وتبلغ رسوم التوصيل للعمارات من حوالي مليون إلى عشرة ملايين حسب حجم المبنى.
كما تتقاضى شركة مرافق التابعة للوسيل رسوماً شهرية تقررها هي لأنها تحتكر الخدمة في الوسيل التي قد تكون الأعلى في قطر مقابل مرور الماء البارد المخصص للتكييف في نظام التبريد بالعقار.
- لو تم السماح للمطورين والملاك باستخدام مكيفات تقليدية على اختلاف أنواعها مركزية أو وحدات منفصلة Split units كباقي مناطق قطر، لكانت التكلفة أقل بكثير على كافة الأصعدة الخاصة بالتبريد.
وقد تطورت أجهزة التكييف التقليدية تكنولوجياً وأصبحت حالياً صديقة للبيئة وقد خفض استهلاكها للكهرباء بشكل كبير.
- إن إدارة منطقة الوسيل تقوم على نظام الاحتكار، فهي تحتكر اتخاذ كل القرارات من غير أن يكون للمستثمرين أي قدرة على الاعتراض، كما تقوم باحتكار تقديم كافة خدمات المرافق والتحكم بأسعارها من غير وجود منافس.
واحتكار قرار رفع الرسوم من غير الرجوع للمستثمرين بما فيها الرسوم على أراضي الفلل السكنية التي تمت مضاعفة الرسوم عليها.
- إن متخذي هذه القرارات في الوسيل من الواضح أنهم لا يضعون في اعتبارهم العائد المجدي على الاستثمار في منطقة الوسيل العقارية مما سيشكل عاملاً عائقاً وطارداً للمستثمرين.
وإني لعلى ثقة أن زيادة هذه الرسوم مؤخراً سيؤدي إلى نزول أسعار العقارات في منطقة الوسيل حيث سيسعى بعض الملاك للتخارج من استثماراتهم في الوسيل بسبب هذه الرسوم.
وهنا أود أن أتقدم ببعض الاقتراحات ليتم النظر فيها حيث إنها قد تراعي مصالح الملاك والمستثمرين وتثمر في تشجيع الاستثمار في الوسيل بشكل موزون ومجد وعادل:
1) النظر في إمكانية أن يكون هناك ممثلون للمستثمرين والملاك بمدينة الوسيل في مجلس إدارة شركة مدينة الوسيل حتى تعكس آراء المستثمرين والملاك بالمدينة ويكونوا شركاء بالقرار وتكون هناك قناة للتعبير عن مصالح وآراء المستثمرين في المدينة.
2) النظر في إمكانية السماح للملاك بتكييف عقاراتهم بالطرق التقليدية كباقي المناطق في دولة قطر مع وضع معايير وشروط استهلاك تراعي البيئة في أجهزة التكييف كباقي دول العالم وزيادة الحمل الكهربائي للعقارات للقيام بذلك.
3) إعادة النظر في رسوم توصيل ماء التبريد Chilled Water من شركة مرافق حيث إن الشركة تتقاضى رسوماً شهرية مقابل الاستهلاك وليس من المنطق وضع رسوم التوصيل هذه، حيث إنها جزء من الاستثمارات للشركة حتى تستطيع تقديم هذه الخدمة، فمثلاً إن شركات الاتصالات تستثمر في أبراج الاتصالات وكوابل الألياف الضوئية كجزء من استثماراتها لتوصيل الخدمة ولا تتقاضى رسوماً مقابل ذلك.
4) خلق بيئة تنافسية لتقديم خدمات المرافق في الوسيل من خلال إدخال منافسين لتقديم خدمة تكييف المناطق كإعطاء الفرصة لشركة قطر كول بالدخول للوسيل.
5) تخفيض تكاليف إدارة شركة مدينة الوسيل من خلال تقنين عدد موظفي الشركة والاعتماد على المقاولين التجاريين المؤهلين بدولة قطر.
6) إنشاء جهة تنظيمية Regulator لا ترتبط تجارياً بمقدمي الخدمات والمرافق بالمدينة، حتى لا يكون هناك تضارب مصالح، فشفافية القرار مهمة، فحالياً متخذ القرارات التنظيمية هو نفسه مقدم الخدمات ومقرر الرسوم الخدمية.
وأخيراً أنا على يقين أن الجميع أن يسعى للصالح العام ومصلحة الجميع تتطلب أن نرى الأمور بمنظور عام Helicopter View، نحرص فيه على فعالية وجدوى الاستثمار في مدينة الوسيل.
باحث اقتصادي
متى صار الفراغ تهمة؟
أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه... اقرأ المزيد
45
| 09 أغسطس 2026
الإنسان أكبر من المناصب
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛... اقرأ المزيد
39
| 09 أغسطس 2026
لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟
منذ طفولتنا، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن الحب يأتي مصحوبًا بشيءٍ ما؛ أن نكون لطفاء كي نُحب، متفوقين... اقرأ المزيد
93
| 09 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4842
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
963
| 06 أغسطس 2026