رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا شئنا الولوج في الفرضيات المتعددة والمتنوعة التي تحيط بنشوء (تنظيم الدولة الإسلامية) وهي على كل تعددها وتنوعها، كل منها لا تبدو بلا أرضية تدعمها في الواقع الإقليمي والعالمي بنسب متفاوتة، فإننا حتماً سنصاب بحيرة كبرى.
فإنِ افترضتَّ أنها صنيعة إيرانية-سورية-روسية-صينية (نظرية طوق النجاة للنظام السوري) هدفها فك العزلة الإقليمية والدولية عن النظام الحاكم في سوريا بدعوى أن التنظيم إرهاب إسلامي يحمل أيديولوجية سنية امتدادية من (القاعدة)، فأنت لم تذهب بعيداً في افتراضك، فقد وضحت الغاية من ذلك الهدف بترميم علاقات سوريا-النظام الحاكم مع عدد من البلاد العربية وهو تغير أو تطور نوعي. لأن النظام السوري بمعاونة الروس والإيرانيين و(حزب الله) والتيار الشيعي الحاكم في العراق والصينيين بشكل أو بآخر وكل حسب أسلوبه ونفوذه أقنعوا العالم أن النظام السوري يحارب الإرهاب، مثله مثل ما يُعرف بالمجتمع الدولي بقيادة أمريكا ولذلك لابد من الوقوف مع النظام السوري ضد الإرهاب الذي يشكله (تنظيم الدولة الإسلامية.).
وإنِ افترضتَّ أن إيران بالتحديد (سواء كان التنظيم صنيعتها أو صنيعة غيرها أو صنيعة نفسه)، كرست لدى الغرب (وهو الأهم) مفهوم أن الإسلام الشيعي ليس إرهابيا، بل هو ضحية وبالتالي لاحظنا (رغم النفي الإعلامي العلني) اصطفافاً إيرانيا مع التحالف الأربعيني بقيادة أمريكا ضد (تنظيم الدولة الإسلامية) من خلال قصف طائرات إيرانية لمواقع التنظيم في داخل العراق قبل شهرين تقريباً (بصرف النظر عن تنسيق مسبق مع أمريكا) واقتناع الغرب بأن الشيعة مستهدفون مثلهم وكغيرهم من المقاومة السنية أو الإرهاب السني الذي يمثله بشكل رئيسي (تنظيم الدولة الإسلامية) فأنت أيضاً لم تذهب بعيداً في افتراضك.
وإنْ أنت افترضتَّ أن إنشاء (تنظيم الدولة الإسلامية) هدفه تحييد العداءين السنيين الرسميين (على الأقل) والشعبيين (إلى درجة ما) لكل من الدول أو التنظيمات الشيعية والعداء لإسرائيل وتصوير أن (تنظيم الدولة الإسلامية) هو العدو الأوحد الآن للعالم العربي السني والشيعي معاً ولذلك لابد من شن الحرب عليه، فأنت كذلك لم تذهب بعيداً في افتراضك.
الذي يكرس أو يؤكد مثل هذه الفرضية دراسة أصدرها المركز القومي للبحوث الإستراتيجية الصهيوني في (تلَّ أبيب) مفادها أن (إنشاء أو نشوء تنظيم الدولة الإسلامية) وحد "إسرائيل" من خلال الغرب أي بصورة غير مباشرة أو مباشرةً مع الشيعة، ولاسيَّما (حزب الله) وإيران، لمحاربة (تنظيم الدولة الإسلامية) وبالتالي إبعاد إمكانية (وهي فرضية أيضاً) أن يشن (حزب الله) حربا جديدة على "إسرائيل" وإبعاد شبح التهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل بسبب فرضية وجود أسلحة نووية لدى إيران (وهذه أيضاً فرضية). أعرف جيداً (وهذه ليست فرضية، بل حقيقة) أن إيران كانت قلقة منذ إنهاء نظام (صدام حسين) السني في العراق من اعتبار الحكومات العربية السنية والسنَّة العرب إيران هي العدو الأول (وليس "إسرائيل") للعالم العربي، ولاسيَّما بلدان الخليج العربي. المستشار الثقافي الإيراني في (الدوحة) قال في اجتماع لي معه في مكتبه: إن "إسرائيل" والغرب بقيادة أمريكا (بنسب متفاوتة) وبإيعازات من (الإيباك) وردهاتها (لوبياتها) المنتشرة في أوروبا وفي كل مكان من العالم مهتمة باستمرار إيجاد عداء طائفي بين السنة والشيعة لكونه بديلاً عن العداء لإسرائيل.
هذه (الفرضية) يمكن أن ترقى إلى حقيقة ملموسة في الواقع بَيْدَ أن جهاتٍ محددة سنية وشيعية وصهيونية وغربية وغيرها أرادت أن تخلق عدوا آخر للاثنين، للسنة والشيعة، وفي الوقت نفسه لإسرائيل وللغرب وهو (تنظيم الدولة الإسلامية) الذي يكره كثير من السنة المعتدلين تطرفهم السلوكي الذي يرون فيه تشويهاً للإسلام أمام العالم، وهذه أيضاً فرضية أخرى موجعة.
إذن خارج كل تلك الفرضيات والتخرصات أين تكمن الحقيقة، حقيقة (تنظيم الدولة الإسلامية)؟، هل هو ذاتي الإنشاء والتشكيل مستفيداً من المعادلات الإقليمية والدولية، أم أنه صنيعة؟
الاتهام الروسي أمس للولايات المتحدة الأمريكية بأنها تدعم (تنظيم الدولة الإسلامية) ضد نظام أو مؤسسة (بشار الأسد) الحاكمة في سوريا، يمكن أن يكون صحيحاً، بَيْدَ أنه ليس يعني بالضرورة تحالفاً أمريكيا وغربيا مع التنظيم أو رضا عنه بقدر ما قد يبدو مجرد (تقاطع مصالح) بين الغرب بقيادة (أمريكا) والتنظيم لإضعاف روسيا وحلفائها في سوريا، وما أشبهَ الليلةَ بالبارحة!
ألم يدعم الغرب بقيادة أمريكا (تنظيم القاعدة) والجهاد الأفغاني الذي خرجت من عباءته (حركة طالبان؟)، كان ذلك حتماً في إطار (تقاطع المصالح) نفسه الذي يبدو جليًّا في الأزمة السورية.
السؤال المتبادر للذهن، هل سيعيد تاريخ الصراع مع الغرب في (أفغانستان) نفسه في سوريا والعراق وامتدادات أخرى في العالم العربي ربما؟، بمعنى هل ستتقاتل (حركات المعارضة المسلحة ضد النظام السوري، سواء التي تقاتله متحدةً أم تلك التي تقاتله بأشكال أخرى) ضد بعضها البعض بعد (فرضية احتمال سقوط النظام السوري) كما فعلت فصائل الجهاد الأفغاني بعد انسحاب قوات (الاتحاد السوفييتي) السابق، إذ تقاتلت قوات الشمال بقيادة الراحل (أحمد شاه مسعود الملقب بأسد بانشير) ضد قوات الجنوب بقيادة (برهان الدين رباني؟).
وهل سيتحول (تنظيم الدولة الإسلامية) إلى عقبة كؤود أمام الهيمنة الإمبريالية الأمريكية الغربية في العالم العربي على غرار ما فعلته (طالبان) في (أفغانستان)، إذ أذاقت حلف (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الهزائم تلو الهزائم على مدى أربع عشرة سنة والتي أعلنت قبل أيام فقط هزيمة (الناتو) في (أفغانستان) وسيطرتها على المشهد الأفغاني رغم وجود حكومة منتخبة في (كابول) مدعومة من الغرب بقيادة (أمريكا) وهي حكومة لا تعني أي شيء لحركة (طالبان) المصرة على العودة للحكم، كما تعلن ذلك دائماً في بياناتها.
يبدو أن السيناريو نفسه أو ما هو قريب منه أو شبيه به يسير في الاتجاه نفسه في خضم فرضيات الصراع بين (تنظيم الدولة الإسلامية) والغرب.
إذن لنعُد إلى الافتراض حول أن كل ما يجري في العالم العربي من صراعات وثورات مضادة وفوضى (غير خلاقة) وليست (خلاقة) كما أرادت لها أن تكون (كونداليزا رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أو (السُّبْقى).
وعلى رأس كل تلك الصراعات والفوضى وضرب عمليات الثورات الشعبية العربية بثورات مضادة هو الصراع المسلح (المؤدلج) بين (تنظيم الدولة الإسلامية) وأمريكا بحلفائها في (التحالف الأربعيني)، كل ذلك من أجل "إسرائيل" أن تبقى هي الأقوى.
إذا بدت هذه الفرضية معقولة، إذن الآن يتم تسويق فكرة أن (الإسلام) الذي يمثله (تنظيم الدولة الإسلامية) هو العدو الأول وحتى الأوحد للعالم العربي وليس "إسرائيل".
فهل يا تُرى سينطلي هذا التزييف الهائل للحقائق – بصرف النظر عن درجة اتفاقنا أو اختلافنا مع التنظيم- على الشعوب العربية التي تجاوزت بوعيها (نتيجة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد) أنظمتها الحاكمة؟.
صدقوا أو لا تصدقوا
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تقارير وتصريحات متضاربة ومتناقضة عن "تنظيم الدولة الإسلامية" تملأ وسائط الاتصال والإعلام ووسائل... اقرأ المزيد
2530
| 16 فبراير 2015
ألا تشتمون مثلي رائحة أجندة لا علاقة لها بالإسلام من كل هذا الذي يجري في العالم العربي و الإسلامي و فرنسا و العالم
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أكد وكرَّس الانتقام والانتقام المضاد بين ما يسمى “الدولة الإسلامية” والحكومة الأردنية حقيقة... اقرأ المزيد
2743
| 09 فبراير 2015
أين تقف (الدولة الإسلامية) الآن من الخريطة الجيو إستراتيجية؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); الافتراض المتداول بكثرة على لسان أكثر من محلل ومسؤول أمريكي وغربي هو أن... اقرأ المزيد
2769
| 03 فبراير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026