رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
توصيف ما يجري في مصر الآن، وطبيعة المرحلة، والقوى المشتبكة فيما بينها، وطبيعة الاشتباك، وافق هذا الاشتباك، بقدر إلحاحه على العقل، فقد صار نوعا من الاجترار ويثير من الفرقة والارتباك أكثر منه ينير الطريق، والارتباك يؤدي إلى خلق بيئة خصبة للإشاعات وانعدام قدرة الفصل بين الوهم والحقيقة، وبين المهام الواجبة وأحلام اليقظة.
ما ينظر إليه البعض أنه نقطة الصدام، هو في حقيقته ما يظهر للعيان وما يتسرب من شقوق بين أطراف الفعل ورد الفعل الذي يتدنى في أغلبه إلى الأنين وليس الصراخ أكثر منه رد فعل بعمق وقوة الفعل وفي مواجهته.
كل محاولات رصد فعل الانقلاب على ثورة يناير 2011، وإن ادعى أنه في ذاته الثورة وغيره الحركة المضادة للثورة، تتكسر على صخرة عدم امتلاك قدرة تجاوز سطح الوقائع المباشرة الظاهرة للعيان، والتأرجح والتردد في الإمساك بحقائق الانقلاب مهما كانت مرارتها.
والانغماس في حسابات الفعل في كونه داخليا، أو هو مجرد رؤية لكيان وطني قد تختلف معه أو تتفق، وأن اختلاف الرؤى يفرض الحوار سبيلا بين الأطراف لعلها تجد بينها هوامش مشتركة، هو تجاهل آخر لعمق الفعل الذي تواجهه حركة الشعب في مصر، ويفرض وجوب الوعي بالقوى الخارجية من منها معاديا ومن منها صديقا، وليس في عالم الصراع معيار للخصومة أو الاتفاق سوى مدى تناقض المصالح أو اتفاقها، وأن الركون إلى أوهام أن العلاقات بين الدول ــ حتى تلك الشقيقة ــ تقوم على الخواطر أو تتجاهل المصالح هو نوع من الهذيان في العلاقات الدولية.
يثير في غالب الأحيان إحساس عدم القدرة على مواجهة الفعل إلى البحث عمن نكيل له الاتهام، وهي سقطة أخرى ولكنها سقطة إستراتيجية، وانحراف مزدوج التأثير، فمن حين إلى آخر يجري توجيه الاتهام إلى الشعب أنه تواكل ولزم بيته وأنه يقبل بما يطيح بحقه في الحياة، وهذا في ذاته أحد أوجه الانحراف، فالشعوب لا تقاتل كل الوقت، ولا تتحدث في الصراع وتخوضه كل الحياة، ولكن الشعوب بصبرها وألمها تفتح كتاب الألم والآمال لمن يملك البصر والبصيرة، أما الذين يكتفون بالرصد بصرا ويفتقدون البصيرة، فهم فوق الانحراف يصيرون عبئا على نضالات الأمم ولا يصلحون لصناعة مستقبلها ولا يملكون شجاعة وأدوات صناعته. ويكمن الوجه الآخر للانحراف في خشية من يتصدى للفعل أن ينفض عنه الشعب وكتله الاجتماعية، وبديلا من تحمل مسؤولية التعبير عن الشعب وفق ما يفرضه واقع المواجهة، تتحول هذه الخشية إلى سلاسل قيد يعيق الإبداع في الحركة، وينحرف بالقرار بعيدا عن متطلبات الواقع، وعمق المواجهة.
في زمن مضى ــ وليس من اليسير أن ينقضي أثره ــ كان هناك تصوير لبعض ممن يكتبون أو يقررون أمر مواقفهم في مواجهة التردي، إن الخشية من مخبر الأمن السياسي يعشش في الرؤوس والأقلام، وأضيف إلى ذلك التوصيف مقولة "ثقافة الهزيمة"، وهي التي تحاصر الإبداع وتعدم المبادرة، ويقبع سجين الخوف والتردد، وهو نقيض ما حققته ثورة يناير عندما كسرت حاجزي الخوف والتردد.
الفارق الجوهري بين الفعل المضاد للثورة وبين فعل الثورة في مصر، هو الفارق بين وضوح الهدف وضبابيته، فهدف القوى المضادة للثورة كان واضحا منذ اللحظة الأولى وتجسد في أمرين داخليين، أولهما ألا يتحقق بالفعل الشعبي أيا من الأهداف التي يريدها ويحتاجها، والثاني إجهاض إمكانية حدوث هذا الفعل، فقد مثلت حركة الشعب وصحوته رعبا للأطراف الخارجية بالأساس، وتمثل أمامها أن انطلاق الإرادة الشعبية لن يمكن كبح أثرها على تنمية إمكانات الدولة وبالتالي الدور الإقليمي، وكان البحث عن بديل لنظام سقط يملك خبرة ومخططا وأدوات للتنفيذ.
تمثلت الخبرة في الرؤية البريطانية التاريخية لطبيعة المنطقة ودور الدين فيها، وكما كانت تبحث قبيل إنشاء إسرائيل عن زعامة دينية للمنطقة تقودها وتعمل من داخل عباءة بريطانيا، فهي أيضاً فتحت الباب لذات الرؤية أن تعمل أثرها في إنشاء تنظيم القاعدة، كما أن ذات التصور اعمله السادات في مصر لمواجهة الوجود الناصري واليساري في الداخل بإنشاء الجماعات الإسلامية.
وكان المخطط الأمريكي في إزكاء الصراع المذهبي السني الشيعي حسب خطة "ديك تشيني، ابرامز، زلماي خليل زادة وبندر بن سلطان"، يلتقي وجملة الخطط الأمريكية للمنطقة، وأسلمة الصراع في المنطقة، ووجد ضالته في جماعة الإخوان، والتقت الغايات، وكان الثمن هو تحقيق الأهداف الداخلية بإنهاء الإرادة الوطنية وإجهاض أهدافها، وتحقيق أمن إسرائيل.
هكذا التقت الخبرة البريطانية، وتاريخ علاقتها مع جماعة الإخوان، وتركيا أيضا، مع المخطط الأمريكي وصارت الأداة طيعة وتتستر بالعباءة الدينية.
إن طبيعة هذا الصراع الذي دخله الشعب تفرض عليه أن يعمل مشرط الجراح في المجتمع وأن يملك تحليلا سياسيا يدرك أبعاد الصراع.
وهذا التحليل السياسي يجب أن يتصدى لموجات الحرب النفسية الدائرة رحاها في المجتمع المصري، والتي تحاول أن تؤكد أن الشعب قد خسر ثورته، فحسابات الخسارة والمكسب في تاريخ الشعوب ليست عمليات رياضية بحته، ولكنها معادلة اجتماعية وسلوكية، معادلة وعي وانتماء، تراكم التجارب عبر تاريخه، وصل إلى ذروة تغير نوعي في محصلة الإدراك الشعبي، وهذا التغير في السلوك تكشف عنه المواقف وأساليب التفكير وتقييم القوى، ونظرة أمينة إلى الوضع في مصر الآن تؤكد أن "الشعب قد حضر ودخل معادلة الصراع ولن ينصرف"، وتزيد قدرة الشعب بكسر حاجز الخوف، ويبقى أن من يعرض نفسه على الشعب المصري عليه أن يحذر من حضوره، ومن قدرته على تمييز المواقف، وقدرته على أن يكشف الصدق من الكذب، وأنه يملك جسارة القبول بالتضحية أن صدقت قيادته ولم تخادعه، ويستطيع الصبر ويقبل التحدي، وهدم كل هذه القدرات هي غاية الحرب النفسية.
الرفض الشعبي لجماعة الإخوان المسلمين هو خسارة للجماعة، فبعد أن كانت المطاردات لهذه الجماعة تتم عبر الأجهزة الأمنية فالرفض اليوم شعبي، ووصل الأمر أن الرفض يكاد يصمهم بالخروج عن الدين، وليس الإخوان وحدهم ولكن العديد من الجماعات الإسلامية.
وكشفت الجماعة عن طبيعة محتواها الاجتماعي والاقتصادي، وكلاهما يناقض طبيعة الأفراد من أعضائها، فقبل وصولهم إلى الحكم كانت نقاط تواصلهم مع الشعب تتمثل في الأفراد من أعضائها، ولكن عندما انكشف موقف التنظيم قبيل ثورة يناير وحتى اليوم، لم تعد الجماعة ذلك الوهم الكبير، ولكنها الحقيقة المفزعة للشعب، والقصور في الإمكانات البشرية، والتصورات والانتماء، حتى أن الجماعة قد أضرت بانتمائها الوطني وهو أخطر ما يمكن أن يصيب جماعة أو تنظيما في أي مجتمع أن يصبح انتماؤها للوطن محل نقاش وليس الشك.
إن حصاد الشهداء والمصابين منذ وصول مرسي إلى الحكم تضعه في دائرة المسؤولية القانونية عن القتلى والمصابين، كما هي المسؤولية التي جرى محاكمة مبارك بشأنها.
إن تكالب الجماعة وسلطة الحكم التابعة لها كشفت عن وجهها الخارج عن تاريخ الوطن وهويته الحضارية واحتياجاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
البحث الجاري في مصر الآن ليس مفاضلة بين المشاركة في الانتخابات النيابية أو مقاطعتها، ولكن الدم والثأر في حياة الشعوب نقط انقلاب على الأنظمة، حتى وإن طال زمن الإعداد للانقلاب عليها.
الأمر في مصر الآن هو كيف يمكن إيقاف الانتخابات والحيلولة دون إتمامها. وفي مواجهة ذلك تستدعي سلطة الإخوان المواجهات الأمنية وليس السياسية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، ولا تعرض على الشعب سوى حالة من العناد والإفراط في الإرهاق الاقتصادي، ودوامات القوانين السيئة السمعة.
مرسي يمضي وجماعته على ذات طريق مبارك، وإذا كانت نهاية مبارك في مستشفى عسكري، فالتاريخ لن يعيد نفسه، خاصة لمن لا يعي دروس الشعوب وقدراتها.
وإذا كانت نهاية الحزب الوطني سبقت الحكم على مبارك، فغطرسة الجماعة أنهتها شعبيا.
ولعل حسابات المكسب والخسارة تطال الجماعة وهي تتجاوز قدرها مع عبد الناصر الذي حاولوا اغتياله عام 1954، وليبقى يطاردهم بعد رحيله بثلاثة وأربعين عاما من قبره، فالشعب يستدعي موقفه منهم، والشعب يستدعيه نداء من أجل العدالة الاجتماعية، فمن هو الخاسر الحقيقي.
ويتطاول أحد عناصرهم بأن القومية العربية وهم، ويخسرون حتى احتمال احترام وعيهم، فدلالات الجهل تفرض المواجهة، وتخصم من وجودهم زمنا يتجاوز عمر اسمهم. وسيبقى النضال الوطني من أجل الاستقلال والوحدة والعدالة الاجتماعية غاية الشعب.
المواجهة الآن بين الشعب وكل الإرادات المعادية له وأداتهم جماعة الإخوان.
وليحذروا مفاجآت الشعب المصري، فالشعب من الصبية حتى النساء في المنازل، تراهم أدوات للسيطرة الأجنبية، وتراهم يتخذون من مصر موطئ قدم ولا يرونها وطنا لهم.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
892
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
18003
| 03 نوفمبر 2026
تسعى الدول، بلا استثناء تقريبًا، إلى حجز موقع أفضل على خريطة التجارة الدولية، وبناء مزايا تنافسية تمكنها من زيادة صادراتها والحصول على نصيب أكبر من الأسواق العالمية. ومع التحولات السريعة في هيكل التجارة الدولية، يلاحظ النمو المتزايد للخدمات الرقمية، مثل البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات المالية والاستشارية والبحث والتطوير. ففي عام 2025 تجاوزت قيمة الصادرات العالمية من هذه الخدمات 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل نحو 56 % من إجمالي صادرات الخدمات عالميًا. الدخول إلى هذا السوق لا يحتاج إلى موانئ ضخمة أو قاعدة سكانية كبيرة بقدر حاجته إلى بنية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية، وبيئة تنظيمية موثوقة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. و عند النظر إلى قطر نجد أنها تبدأ من موقع متقدم بالفعل في هذا المجال، فقد سجلت في عام 2026 نحو 98.4 نقطة من أصل 100 في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، محققة سادس أعلى نتيجة بين 159 اقتصادًا. تجربة سنغافورة تستحق التأمل، فرغم ضيق مساحتها ومحدودية سوقها المحلية، أصبح الاقتصاد الرقمي يمثل نحو 18.6 % من ناتجها المحلي الإجمالي في 2024، بعدما كان 14.9 % قبل خمس سنوات. ولم تتحقق هذه النتيجة من خلال شركات التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال انتشار التكنولوجيا داخل التمويل والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب بناء شركات قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. محدودية السوق الداخلية لا تمنع الدولة من بناء قطاع رقمي كبير إذا نجحت في تحويل العالم نفسه إلى سوق لمنتجاتها وخدماتها. وفي قطر تتوافر بالفعل عناصر تجعل هذا الطموح واقعيًا. البنية الرقمية ورأس المال، والأهم توفر الطاقة. وهذه النقطة تستحق اهتمامًا خاصًا؛ فاقتصاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، وإلى استثمارات طويلة الأجل. وهنا يمكن لقطاع الطاقة القطري أن يؤدي دورًا يتجاوز الحصول على عائدات تصدير الغاز، عبر دعم صناعات رقمية جديدة تعتمد على الطاقة كأحد أهم مدخلاتها. وقد بدأت ملامح هذا الاتجاه تظهر بالفعل، فقد وقعت شركة «ميزة» في سبتمبر 2026 عقدًا تتجاوز قيمته مليار ريال، هذه في حقيقتها صفقة تصدير، حتى وإن لم تغادر قطر شحنة مادية واحدة. الخدمة تُنتج في قطر، والعميل العالمي يحصل عليها ويدفع مقابلها. ومع تكرار هذا النوع من العقود، يمكن أن تتوسع قائمة الصادرات القطرية لتشمل القدرة الحاسوبية والخدمات السحابية إلى جانب الصادرات التقليدية. هناك المزيد من الأمثلة على نجاح ذلك النوع من التوجه الاقتصادي، فقد أُطلقت شركة Qai، كما دخلت في شراكة مع Brookfield تستهدف استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة. وفي الوقت نفسه توسعت الحوافز الموجهة لقطاع التكنولوجيا ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني. هذه الخطوات تعطي فرصة حقيقية لانتقال قطر من منتج للطاقة ومستخدم للتكنولوجيا، إلى إنتاج خدمات رقمية يمكن بيعها عالميًا. ولا أعتقد أن الاقتصاد الرقمي ينبغي أن يكون بديلًا لصادرات الغاز. فالغاز مصدر قوة كبير للاقتصاد القطري، وليس عبئًا يجب التخلص منه. الفكرة الأكثر جدوى هي استخدام جزء من القوة التي وفرها هذا القطاع في بناء مصادر دخل إضافية. وتنسجم هذه الفرص مع الأجندة الرقمية 2030، التي تستهدف إضافة نحو 40 مليار ريال إلى الناتج غير الهيدروكربوني، وتوفير نحو 26 ألف فرصة عمل. إن الأهمية الاقتصادية لهذا التوجه لا تقتصر على تنمية القطاع الرقمي داخل قطر، بل تمتد إلى قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية. وهنا سيكون التحدي الحقيقي هو تحويل الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا إلى خدمات رقمية قابلة للتصدير، بما يفتح أمام الاقتصاد القطري أسواقًا جديدة ومصادر إضافية للدخل. السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ما زال في بداياته، قطر أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على بناء مكانة عالمية في سوق الطاقة. والفرصة المتاحة اليوم هي أن تستخدم ما راكمته من رأس مال وطاقة وبنية أساسية في بناء مصدر قوة آخر، بحيث تصبح الخدمات الرقمية والقدرات الحاسوبية جزءًا مما يعرف العالم قطر به ويشتريه منها.
4950
| 06 نوفمبر 2026
ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو بدت مربحة. فقد يجد رائد الأعمال أمامه عقداً كبيراً، أو سوقاً جديداً، أو فرصة للتوسع السريع، وتكون المؤشرات مشجعة، ومع ذلك يصبح قبولها قراراً خاطئاً. فالفرصة الجيدة لا تعني بالضرورة قراراً جيداً؛ إذ قد يكون توقيتها غير مناسب، أو تتطلب التزامات تفوق العائد الذي تبرره، أو تستند إلى افتراضات لم تُختبر بعد. وهنا تكمن إحدى مفارقات ريادة الأعمال: فالجرأة التي تفتح أبواب النجاح قد تقود إلى الفشل إذا تحولت إلى اندفاع لا تحكمه الحسابات. وليس المطلوب أن يخشى رائد الأعمال المخاطرة، فدونها يصعب الابتكار والنمو، وإنما أن يميز بين قرار ينطوي على قدر مقبول من عدم اليقين وآخر يراهن فيه على أن تسير الأمور جميعها كما يتمنى. لقد اعتدنا الاحتفاء برواد الأعمال الذين يتوسعون بسرعة ويدخلون أسواقاً جديدة، لكننا نادراً ما نسأل عن جودة القرارات التي صنعت هذا النمو. فليس كل توسع نجاحاً، وليس كل تراجع فشلاً؛ وقد يكون تأجيل الاستثمار أحياناً أكثر حكمة من التعجل في تنفيذه. فالفرق بين المخاطرة المحسوبة والتهور ليس في الجرأة على اتخاذ القرار، بل في الانضباط الذي يسبقه. وقد طورت الباحثة سارا ساراسفاثي، من جامعة فرجينيا، ضمن أبحاثها في ريادة الأعمال، مبدأ «الخسارة الممكن تحملها» (Affordable Loss). ويقوم على أن رائد الأعمال لا ينبغي أن يعتمد فقط على تقدير الأرباح المتوقعة، بل عليه أن يحدد مسبقاً مقدار الموارد التي يستطيع خسارتها إذا لم تنجح التجربة. وهذا لا يلغي أهمية دراسة الجدوى، وإنما يضيف إليها سؤالاً حاسماً: ما الثمن الذي نقبل دفعه مقابل تجربة قد لا تنجح؟ عندما تصبح الفرصة أكبر من المشروع. لنفترض أن شركة قطرية تعمل في خدمات الصيانة، وتحقق إيرادات سنوية تبلغ أربعة ملايين ريال، عُرض عليها عقد بقيمة 12 مليون ريال. تبدو الفرصة استثنائية، لكنها تتطلب توظيف عمالة إضافية، وشراء معدات، وتقديم ضمانات مصرفية، مع احتمال تأخر تحصيل المستحقات. ورغم جاذبية الأرباح المتوقعة، تكشف الدراسة عن أن شروط العقد تنقل إلى الشركة أعباء مالية وتشغيلية كبيرة، وقد تؤثر في جودة خدماتها لعملائها الحاليين. هنا يتخذ صاحب المشروع قراراً قد يبدو غير متوقع: يرفض التوقيع بالشروط الأصلية، ويقترح تقسيم التنفيذ إلى مراحل وتخفيف الالتزامات المسبقة، حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض هامش الربح. وإذا لم يقبل العميل، فإنه ينسحب. هذه حالة افتراضية من بيئة الأعمال القطرية، لكنها توضح درساً مهماً: ليست قيمة العقد هي التي تحدد جودته، بل العائد الذي يحققه مقارنة بالمخاطر والالتزامات المصاحبة له. لا تنخدع بالأرباح المتوقعة قد تبدو الأرقام مشجعة في دراسة الجدوى، لكن التوقعات ليست حقائق مؤكدة. فالأسعار قد تتغير، وتكاليف التشغيل قد ترتفع، والعملاء قد يتأخرون في السداد، والمنافسة قد تكون أشد مما تشير إليه الدراسات الأولية. ولهذا لا يكفي إعداد سيناريو متفائل، بل ينبغي اختبار القرار في ظروف أقل ملاءمة. فماذا يحدث إذا انخفضت المبيعات عن المتوقع؟ أو تأخر تنفيذ المشروع؟ أو ارتفعت تكاليفه بنسبة مؤثرة؟ وتكمن أهمية هذا الاختبار في كشف نقاط الضعف قبل الالتزام، وتحديد ما إذا كان الأفضل تعديل حجم الاستثمار، أو تغيير توقيته، أو إعادة التفاوض على شروطه. فدراسة الجدوى الجيدة لا تكتفي بتوضيح أسباب النجاح المحتمل، بل تكشف أيضاً الظروف التي قد تجعل القرار غير مجدٍ. اختبر الفكرة قبل أن تدفع ثمنها كاملاً من المبادئ المهمة في الإدارة الريادية تحويل الافتراضات إلى اختبارات محدودة قابلة للقياس. فمن يريد إطلاق منتج جديد ليس مضطراً إلى استئجار مصنع أو تكوين مخزون كبير قبل التأكد من وجود طلب حقيقي. يمكنه البدء بنموذج أولي، أو إنتاج كمية محدودة، أو الحصول على طلبات شراء مؤكدة قبل التوسع. والاختبار الجيد لا يهدف إلى تأكيد قناعة صاحب المشروع، بل إلى اكتشاف ما قد يكون خاطئاً فيها بأقل تكلفة ممكنة. فقد تكشف تجربة صغيرة عن ضعف الطلب قبل أن يتحول إلى خسارة كبيرة. المنافسة… ما قد تغفله التوقعات المتفائلة قد ينجح رائد الأعمال في تقدير تكاليف مشروعه، ويتأكد من وجود طلب على منتجه، ثم يفاجأ بأن السوق لا يمنحه الحصة التي توقعها. فوجود الطلب لا يعني بالضرورة أن العملاء سيختارونه، خصوصاً عندما يواجه منافسين يتمتعون بعلاقات راسخة مع العملاء، أو تكاليف أقل، أو قدرة أكبر على خفض الأسعار. وهنا يقع بعض رواد الأعمال في خطأ شائع، حين يبنون توقعاتهم على حجم السوق، دون أن يدرسوا نصيبهم الواقعي منه. فقد يكون السوق كبيراً وينمو بسرعة، لكن ذلك لا يضمن نجاح كل من يدخله. ولهذا لا يكفي أن يسأل رائد الأعمال: هل يوجد طلب على المنتج؟ بل ينبغي أن يسأل أيضاً: لماذا سيشتري العميل مني بدلاً من المنافس؟ وهل أستطيع المحافظة على هذه الميزة إذا خفض المنافسون أسعارهم أو قدموا خدمة أفضل؟ وتزداد المخاطرة عندما يعتمد المشروع على السعر المنخفض وحده لجذب العملاء، دون امتلاك ميزة في الجودة أو الكفاءة أو الخدمة. فقد ينجح هذا الأسلوب مؤقتاً، لكنه قد يتحول إلى منافسة سعرية تستنزف الأرباح. فالفرصة الاستثمارية لا تُقاس بحجم الطلب وحده، بل بقدرة المشروع على الحصول على حصة مربحة منه والمحافظة عليها في مواجهة المنافسين. أربعة معايير تفصل المخاطرة المحسوبة عن التهور يمكن التمييز بين المخاطرة المحسوبة والمغامرة غير المدروسة من خلال أربعة معايير مترابطة. أولها حد الخسارة، أي تحديد حجم الخسارة المحتملة في ظروف سلبية معقولة، ومقارنتها بالموارد التي يمكن تخصيصها للمشروع دون الإضرار بالأنشطة القائمة. وثانيها القدرة على الاستمرار، ويقصد بها توافر الموارد المالية والتشغيلية اللازمة للوفاء بالالتزامات إذا تأخرت النتائج أو تغيرت ظروف السوق. أما المعيار الثالث فهو التحقق من الطلب والميزة التنافسية، فلا يكفي وجود سوق للمنتج أو الخدمة، بل ينبغي التأكد من وجود عملاء مستعدين للشراء، وسبب واضح يجعلهم يفضلون المشروع على منافسيه. ويأتي المعيار الرابع، وهو إمكانية التراجع، ليحدد مدى سهولة تعديل الاستثمار أو تقليصه أو إيقافه إذا لم تتحقق النتائج، والتكاليف المترتبة على ذلك. وتكمن قيمة هذه المعايير في أنها تنقل النقاش من الحماس للفكرة إلى تقييم شروط تنفيذها، وتساعد على الاختيار بين المضي في الاستثمار أو تنفيذه تدريجياً أو إعادة تصميمه. متى يتحول الإصرار إلى خطأ إداري؟ من أصعب القرارات التي يواجهها رائد الأعمال الاعتراف بأن مشروعاً لم يحقق النتائج المتوقعة. فبعد استثمار الوقت والمال والجهد، قد يشعر أن التوقف يعني ضياع كل ما أنفقه. وهنا يظهر ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بمغالطة التكاليف الغارقة، عندما تؤثر الأموال التي أُنفقت ولا يمكن استردادها في قرار الاستمرار، رغم أنها لا ينبغي أن تحدد جدوى الإنفاق المستقبلي. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم أنفقنا حتى الآن؟ بل: هل ما سننفقه من اليوم فصاعداً يبرره العائد المحتمل والمخاطر المتبقية؟ وقد يكون الاستمرار في بعض المشروعات قراراً سليماً إذا ظهرت مؤشرات جديدة تدعم نجاحها، بينما يصبح التوقف في مشروعات أخرى ضرورة اقتصادية. فالقرار الرشيد لا يستند إلى الرغبة في إثبات صحة الاختيار السابق، وإنما إلى مقارنة البدائل المتاحة في الوقت الحاضر. كما أن الاقتراض ليس تهوراً في ذاته، والتوسع السريع ليس خطأً دائماً؛ فكلاهما قد يكون مناسباً إذا استند إلى مبررات اقتصادية واضحة وإدارة فعالة للمخاطر. من ثقافة المغامرة إلى ثقافة القرار تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى رواد أعمال مستعدين لتجربة أفكار جديدة، ودخول أسواق غير مألوفة، وتطوير منتجات وخدمات تخلق قيمة اقتصادية حقيقية. لكن تشجيع ريادة الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمغامرة دون تمييز. فالمجتمع الذي يحتفي بسرعة النمو وحدها قد يغفل أهمية المشروعات التي تتطور بتدرج، وتتعلم من تجاربها، وتبني ميزتها التنافسية على أسس متينة. كما أن نجاح قرار محفوف بمخاطر غير مدروسة لا يجعله قراراً سليماً بالضرورة، تماماً كما أن خسارة مشروع مدروس لا تعني أن صاحبه كان متهوراً. فالنتائج تتأثر بعوامل لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، أما جودة القرار فتُقاس بالمعلومات والبدائل والتقديرات المتاحة وقت اتخاذه. ولهذا فإن بناء بيئة ريادية ناضجة يتطلب تغيير السؤال الذي نطرحه على أصحاب المشروعات. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الاستثمارات وعدد الفروع ومعدلات النمو، ينبغي أن نسأل عن جودة القرارات التي أنتجت هذا النمو. فليست كل خسارة فشلاً، لكن الخسارة التي تحرم رائد الأعمال من فرصة المحاولة مجدداً تكشف خللاً في إدارة المخاطرة. والنجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه المشروع في فرصته الأولى وحدها، بل بقدرته على التعلم والتطور واغتنام الفرص التالية.
1245
| 03 نوفمبر 2026