رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإخوان المسلمون في مصر كانوا وعدوا عقب سقوط النظام المصري السابق بعدم تقديم مرشح منهم لموقع رئيس الجمهورية .. ولكنهم عادوا فدفعوا بفلذة كبدهم ونائب مرشدهم – خيرت الشاطر – لذلك المنصب .. فهل هذا تراجع منهم عما سبق وتعهدوا به؟ وماذا بقي لهم من الصورة الأخلاقية والقيمية التي هي بالنسبة لهم أعلى وأهم من أي تكتيك ومن أي مصلحة حزبية وانتخابية ؟ وهل هذا دليل على ما يشاع عنهم من أنهم يلجؤون لمسالك الديموقراطية ثم سرعان ينقلبون عليها ؟ وهل هم لا يأبهون بالصورة الذهنية والتاريخية التي ستتركب لهم في وجدان الرأي العام إلى هذا الحد ؟ ذلك كله يقوله خصومهم في سياق نقد قرارهم .. أم أن هذا كله ليس في واردهم كما يقول الإخوان وأن الأمور تجري في سياقات أخرى ؟ وأقول :
لفهم قرار الجماعة وموقفها وما يجري في مصر الآن ثم للحكم عليه ؛ لا بد من استحضار ما حدث بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها حماس وشكلت بموجبها الحكومة العاشرة ثم الحادية عشرة .. وليس أحد يصدق أن وجود محمود عباس – رئيس السلطة – في أروقة المجلس العسكري وفي اجتماعات متواصلة مع المشير طنطاوي ورئيس المخابرات مراد موافي هو أصلا من أجل بحث مسائل المصالحة الفلسطينية ..
الأمر أبعد من ذلك ويؤشر على العلاقة الوثيقة بين ما جرى في السلطة وانتهى بالصراع مع حماس ثم إلى الانقسام والحصار .. والحالان حال واحد .. والجهتان اللتان تتصارعان هما ذاتهما هنا وهناك .. ولنتذكر يوم فازت حماس بالتشريعي الفلسطيني وكيف بادرت حركة فتح لتطويق هذا الفوز ثم لإفراغه من مضمونه ( فجمعت التشريعي يوم 13 / 2 / 2006 ليتخذ قرارات تقلل سلطته الرقابية والتشريعية ، ثم لينقل معظم صلاحيات الحكومة للرئيس ، ولنتذكر أنهم سلموا الوزارات لحماس فارغة من الموظفين ومن الملفات ومن المعلومات ومن الميزانيات .. وأن منظمة فتح "دلقت " النقابات التي تسيطر عليها في المشاغبات والمماحكات السياسية في المظاهرات والإضرابات والاعتصامات ، وأنها حركت عناصرها التنظيمية وميليشياتها للاعتداء على المجلس التشريعي وإفلات الأمن، وحرضت الأجهزة الأمنية التي كانت تحت إمرة المشهراوي وأبو شباك على عدم الانصياع لأوامر وتكليفات الحكومة الجديدة .. انتهاء بتشكيل فرق الموت مع الجنرال دايتون الأمريكي وهو ما فضحته " مجلة فانتي فير " وصولا أخيرا إلى الانقسام ثم الحصار .. ) .
السيناريو ذاته يسعى فيه عسكري مصر ومخابراتها كنوع من الانقلاب على الثورة وعلى فوز الإخوان المسلمون .. العسكري لم يتعامل مع الإخوان بحسن نية ولم يقدر رغبتهم في عدم الصدام بالتقدير ولا بالاحترام .. وتهيأ له أن الإخوان إنما ابتعدوا عن الرئاسة إما لأن طموحهم - في هذه الدورة الانتخابية على الأقل – لا يتعدى تحصيل شرعية العمل الرسمي ، أو أنهم يخافون المغامرة ولا يريدون أن يكونوا سببا لحصار مصر .. هذا الفهم هو الذي جعل العسكر يحاصرهم ويحاول تهميش وتهشيم البرلمان الذي فازوا بأغلبية مريحة فيه .. وجعله – أي العسكري - يقوم بتعيين حكومة الجنزوري دون مشاورتهم كقوة كبيرة ودون اعتمادها بعد انتخابهم وتشكيل البرلمان الجديد .. فصارت كما حكومة سلام فياض فوق مساءلة البرلمان وغير منحكمة له ولا تطلب شرعية منه .. أما افتعال الأزمات والانفلات الأمني فهو ذاته يحصل .. ( أزمة في الوقود ، وأزمة في الغاز ، وأزمة في النقل ، ومجزرة في بور سعيد ، ومحاولة اغتيال لمرشح رئاسة ، وانفلات أمني ومزيد من التهلهل الاقتصادي .. وصولا لتهديد الإخوان بسحقهم وإيقاع مجزرة سياسية وأمنية بهم كالتي تعرضوا لها على يد عبد الناصر والمشير عامر في ال54 وال56 وال66 من القرن الماضي ) ..
فإذا كان الإخوان بعد أكثر من عام من الرصد والخبرة بهذا المجلس ومن تصريحاته ومواقفه وقراراته وممارساته لم يفهموا اللعبة حتى الآن وإلى أين تسير الأمور فمتى يفهمون ؟ وإذا كان الإخوان بعد كل هذا الصبر والمناورة لن يتحركوا الآن وهم يرون المجلس العسكري يستعيد النظام السابق في شخص عمر سليمان أو عمرو موسى فهل سيتحركون بعد أن تقع الفأس بالرأس وهل سينتظرون أربع سنوات أخرى وربما ثماني ليبحثوا عن موقع الرئاسة ؟ وهل على الإخوان أن يتركوا الأحداث تأكل من لحمهم وعظمهم وأعصابهم وربما تصادر كل مشروعهم من أجل أن لا يقال إنهم أخلفوا وعودهم ونقضوا عهودهم ؟ وهل هذا المنطق مقبول على مستوى العلاقات الفردية والمصالح العادية إذا كان الطرف الآخر يتنكر لأبسط مفاهيم الوفاء والمجاملة ؟ وهل هكذا تقرر السياسة وترسم مصائر الأمم ويكتب التاريخ وتنجز التحولات الكبيرة ؟ وهل على الإخوان أن يظلوا منتظرين أن يتلطف وأن يتعطف عليهم مرشح رئاسي مغامر ليقف بوجه العسكر وليردهم إلى حيث يجب أن يكونوا داخل المعسكرات ومن فوقهم وزير حرب فوقه رئيس وزراء فوقه برلمان وفوق البرلمان رئيس جمهورية وفوقه دستور محترم؟
الإخوان لم يريدوا سلطة خالصة لهم من دون الناس وقد أشبعوا وسائل الإعلام تصريحات بهذا المعنى وأتبعوا تصريحاتهم مواقف عملية ليس أولها تشكيلة تأسيسية الدستور – وإن قال خصومهم غير ذلك – ولقد قاموا بالتواصل مع أكثر من شخصية عامة مناسبة للترشح في هذه المرحلة الهامة والفاصلة في تاريخ الوطن ولكنهم جميعا – وكما جاء في بيان الإخوان الأخير - رفضوا وأبدوا اعتذارهم ) .. وإذن ؛ أليس حصول الإخوان على هذا الموقع هو الضمانة للسلم الوطني وللحيلولة دون تغول المؤسسة العسكرية على مؤسسات الشعب الشرعية ؟ أليس خير ألف مرة أن يرشحوا رئيسا من أن تقع فتن تقلب كل المعادلات لا قدر الله ؟ ثم أليس تخليهم عن ذلك هو تقصير بل هو الخيانة عينها لمصر التاريخ والدور والثورة والحاضر والمستقبل وللإسلام الذي يأمرهم بتقديم درء المفاسد وإزالة الضرر عن الأمة .. أليست هذه صفحة بيضاء وتضحية باهرة تسجل لهم ؟
أما أن حكم الإخوان سيجلب على مصر الحصار والفقر .. فهذا ليس صحيحا أو بالأحرى ليس بالضرورة أن يحدث .. ومصر ليست غزة ، لا سياسيا ولا قانونيا ولا جيوسياسيا ولا عسكريا ولا جغرافيا ولا اقتصاديا ، وهي ليست أقل من سوريا التي يخشاها الغرب كما نرى .. ومصر – الحديثة – سبق أن خاضت حروبا شاملة ومع دول عظمى ولم تنحن لها لمجرد أنها دول عظمى ، ثم إن مصر الإسلام والعروبة والثورة إن خاضت حروبا على أساس هويتها واستقلالها فإنها ستدب بدبيبها وستخطو بخطوها الأمة كلها .. ،
وأقول : في أي مذهب وبأي منطق يحرم الإخوان من حق الترشيح لموقع الرئاسة ؟ هذا إذا كنا نتكلم بلغة دستورية ولغة الثورة ولغة الحق وبمنطق القيم الوطنية والأخلاق .. وليس بلغة الإقصاء ومنطق الساقط حسني مبارك والعمالة للأجنبي والهزيمة أمام الأمريكان والصهاينة ، وإذا كنا لا نتكلم على طريقة فرعون الأول الذي قال ( ما أريكم إلا ما أرى ) وقال ( ذروني أقتل موسى وليدع ربه ) ؟ وإذا لم يكن من حق الإخوان أن يقدموا مرشحا للرئاسة وهم الأغلبية ؛ فهل من حق الأقلية أن تفعل ذلك ؟ وهل الحرية التي جاءت بها الثورة هي فقط أن تقول الجرائد كلاما جميلا يطير أدراج الرياح ؟ وهل العدالة التي ينشدها الشعب المصري وننشدها له هي فقط أن تصل المعارضة لبرلمان هزيل جامد مفرغ من كل معاني السيادة على نفسه ؟ وإذا كانت مصر على شفا أن تعود لحكم العسكر ولحكم عمر سليمان وصنائع أمريكا " وإسرائيل " وجماعة كوبنهاجن ؛ فهل على الإخوان أن يدسوا رؤوسهم في الرمال وأن يعموا عن الحقيقة وأن يتركوا الثورة تذبح وأن يتنقلوا بين الحفر؟
آخر القول: على كل من يتكلم في الشأن المصري من مصريين أو غيرهم - أن يضعوا في اعتبارهم دائما أن الإخوان المسلمون في مصر وفي غيرها هم جزء من الواقع ومن الثورات وليس أحد أولى منهم في رسم حاضر بلادهم ومستقبلها، وكل دعوى تنتقص من هذه الحقيقة هي دعوى ليس لها قوائم حقيقية.. وليس على الأكثرية لكي يقال إنها عادلة ومتفهمة أن تتخلى عن حقوقها لأقلية ستوجد دائما ولو في عشرة أشخاص أو مائة..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
967
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
606
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5484
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026