رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

570

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

الخطأ النووي

05 أبريل 2026 , 06:00ص

في مقال سابق أحبائي القراء كتبت عن موت الحكمة من هذا العالم، وتاريخ البشرية فيه لحظات فارقة، لم تُصنع بطلقات الرصاص أو بخطب رنانة، بل صُنعت بـ «صمت شجاع» وقدرة فائقة على لجم الغريزة أمام الآلة.

 لعل القصة الأكثر حبساً للأنفاس في عصرنا الحديث هي قصة الضابط السوفيتي «ستانيسلاف بتروف»، الرجل الذي وقف وحيداً في مواجهة شاشة رادار تصرخ بالخطر، ليقرر بقلبه وعقله أن العالم لا يجب أن ينتهي الليلة! إنه الرجل الذي أنقذ العالم بـ «لا»: ذكرى ستانيسلاف بتروف والدراما النووية الصامتة.

في ليلة من ليالي العالم المظلم الذي نعيش فيه كنا على وشك السقوط في الهاوية. في ٢٦ سبتمبر ١٩٨٣م كانت الأجواء السياسية بين القطبين في ذلك الوقت (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) قد وصلت إلى نقطة الغليان. بعد أسابيع قليلة من إسقاط الاتحاد السوفيتي لطائرة ركاب كورية، كان الجميع يضع يده على «الزناد النووي». وفي مركز القيادة السري «سيربوخوف-15» بالقرب من موسكو، كان بتروف يراقب نظام الإنذار المبكر عبر الأقمار الصناعية. فجأة، انطلقت صفارات الإنذار: حيث كان الرادار يشير إلى انطلاق صاروخ باليستي واحد من الولايات المتحدة. ومن ثم تبعه الثاني، فالثالث، حتى وصل العدد إلى خمسة صواريخ!

كان البروتوكول العسكري السوفيتي حينها صارماً ومحدداً بالإبلاغ فوراً للقيادة العليا لشن ضربة انتقامية شاملة. لو مرّر بتروف هذا التنبيه، لكان الرد النووي السوفيتي قد انطلق قبل أن تصل الصواريخ المزعومة، ولأصبحت مدن العالم رماداً في غضون دقائق. ولكن في لحظة رهان العقل ضد صرخة الآلة، تساءل بتروف لماذا لا اضغط على الزر؟ ولماذا لا أرفع الهاتف لأخبر الكرملين؟ لقد استند بتروف إلى منطق بشري بسيط وسط هذا الجنون التكنولوجي حيث مناسبة الوقت ومحدودية الهجوم: وتساءل “لماذا تبدأ أمريكا حرباً نووية بخمسة صواريخ فقط؟». الهجوم الأول المنطقي يجب أن يكون بآلاف الصواريخ لشل قدرات العدو تماماً. وبناء على عدم موثوقية الحدث الحاصل: كان يشك في دقة النظام الراداري السوفيتي الجديد (نظام «أوكو»).

بتروف قرر اعتبار ما يراه «خطأً فنياً» وليس هجوماً حقيقياً، انتظر الدقائق القاتلة التي يستغرقها الصاروخ ليصل، ولم يحدث شيء. لقد كان محقاً، حيث كان العدو المزعوم هو الشمس، حيث كشفت التحقيقات لاحقاً أن ما رصده الرادار لم يكن صواريخ «مينوتو مان» الأمريكية، بل كان مجرد انعكاس لأشعة الشمس على قمم السحب فوق ولاية مونتانا الأمريكية، تسبب هذا الانعكاس في خداع الحساسات الضوئية للقمر الصناعي، ليرسم على شاشة بتروف سيناريو نهاية العالم.

من المفارقة المؤلمة أن هذا البطل المنسي في طيات البيروقراطية لم يُكرم وقتها كبطل، بل على العكس من ذلك، حيث تم استجوابه وتوبيخه لأنه لم يملأ السجلات الورقية بدقة أثناء الأزمة، وتم تهميشه مهنياً لأن إنجازه كان «إثبات فشل النظام التقني السوفيتي». ورحل بتروف عن عالمنا في عام 2017، بعد أن عاش حياة بسيطة في شقة متواضعة، دون أن يعرف جيرانه أن هذا العجوز الهادئ هو السبب في أنهم- ونحن جميعاً- لا نزال على قيد الحياة في هذا العالم.

فالدرس المستفاد من شجاعة التفكير أن قصة بتروف تذكرنا بأن القرار البشري هو خط الدفاع الأخير في عصرنا الحالي، حيث تتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التحكم، تبرز قيمة «العنصر البشري» ليس في قدرته على التنفيذ، بل في قدرته على الشك ورفض الانصياع للآلة عندما يغيب المنطق. «أنا لم أكن بطلاً، كنت فقط في المكان المناسب في الوقت المناسب»- ستانيسلاف بتروف قد أنقذنا «بتروف» مرة واحدة بأشجع كلمة «لا» في التاريخ، والدرس الحقيقي هو ألا نضع أنفسنا في موقف نحتاج فيه إلى «معجزة» بشرية أخرى أمام آلة لا تخطئ فقط، بل لا تتردد. الحمد لله الحافظ لهذا العالم من كل سوء قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}. الرعد ١١

اقرأ المزيد

alsharq المشهد الخليجي.. حتى لا ننجرف مع التفاصيل

أكثر من شهر والخليج يعيش كما المرة الأولى التي عاشها عام 90 وأحداث غزو الكويت، حيث وجد نفسه... اقرأ المزيد

210

| 09 أبريل 2026

alsharq المجال الحيوي بين زمنين

فكرت أن أبتعد قليلا عن هذه الحرب، لكن داهمني النوم، النوم والله، بسؤال عن المجال الحيوي. استقر باحثو... اقرأ المزيد

171

| 09 أبريل 2026

alsharq الهدنة التي كشفت موازين جديدة

في أوقات الحروب لا تظهر فقط نتائج المعارك، بل تنكشف معها حقائق سياسية واستراتيجية كانت لسنوات طويلة غير... اقرأ المزيد

201

| 09 أبريل 2026

مساحة إعلانية