رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. عبدالله الفخرو

فنان وكاتب قصص

مساحة إعلانية

مقالات

507

م. عبدالله الفخرو

هاجس الفن

05 يونيو 2025 , 02:00ص

عندما بدأتُ حياتي المهنية، كنتُ مفعمًا بالحماس والشغف؛ التخرج في كلية الهندسة كان هاجسًا وتحديًا كبيرًا بالنسبة لي في تلك الفترة. انشغلتُ تمامًا بالعمل، وبعد سنوات قليلة وجدت نفسي في مرحلة جديدة من حياتي، الزواج وما يتبعه من مسؤوليات، مرحلةٌ احتاجت كل طاقتي وتركيزي. هنا اضطررت، أو ربما يمكنني القول بأني أجّلت اهتمامي بالفن. كنتُ وقتها في بداياتي الفنية، أشارك بحماس في الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، لم تراودني حينها تلك الأسئلة العميقة التي تتعلق بالفن. ففي تجربتنا للأشياء لا نحتاج دومًا أن نفهمها، الفن يشبه الحب الذي يأتينا من أول نظرة، انجذاب وتعلق، ثم نبدأ بعد ذلك بالتعمّق شيئًا فشيئًا.

أستطيع الآن أن أضع الأسئلة التي راودتني حين قررت كتابة هذه المقالات، لكنني لا أضمن إجابات وافية. فأنا ما زلت في مرحلة الأسئلة، مرحلة اكتشاف ذلك العمق اللامتناهي، مرحلة الانبهار ربما. إنها مرحلة تكشف لنا عن قِصَر العقل البشري وحيرته أمام محيطه. وربما لحكمةٍ ما، وضع الخالق لنا بعض الإشارات في هذا الكون لتخبرنا بألا نتساءل كثيرًا عن أمورٍ هي أكبر بكثير من قدراتنا. وإن تساءلنا، فلا بأس، لكن لا يجب أن نظن أبدًا أننا سنملك إجابات كاملة عنها.

(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)

ولكن ما الذي يجذبنا حقًا إلى الفن؟

أشياء كثيرة وعديدة تأخذنا نحوه، ولا يوجد سبب واحد يُفسر هذا الانجذاب.

هل هو الفراغ؟ شخصٌ يملك وقتًا زائدًا فيقرر فجأة أن يبدع؟

هل هذه هي القصة حقًا؟ لا أظن ذلك، رغم إيماني بأن بداية الإنسان مع كل شيء هي الفضول!

جميع اكتشافات البشر واختراعاتهم بدأت من فضول بشري كامن، قاده إلى البحث والسؤال، ثم إلى الوصول إلى نتائج مدهشة.

إن ما يجذبنا إلى الفن هو قدرته على أخذنا إلى مساحات نبوح فيها بما لا يمكن البوح به بالكلمات وحدها. الفن بمثابة الأخصائي النفسي الذي يُجلسنا على كرسي العلاج، ويجعلنا نثرثر ونخرج كل ما بداخلنا لنشعر بعدها بالراحة. لقد جرّبتُ ذلك مرارًا، وأثبت لي الفن فعاليته في تخفيف معظم الفوضى النفسية التي تأتي من تراكم مشاعرنا المكبوتة.

الفن، صريحًا كان أو رمزيًا، يُخرج هذه المشاعر ويحررنا منها، فهو متنفس رائع، ومن هنا نشأ مصطلح «العلاج بالفن».

الفن هو مرآتنا الداخلية التي تعكس لنا حقيقة أنفسنا حين لا نتمكن من رؤيتها بوضوح. إنه يتجاوز الكلمات التي نعجز عن قولها، ويُعبّر عن الأفكار والمشاعر التي قد لا ندركها نحن أنفسنا بشكل واعٍ.

عندما عدتُ إلى الفن بعد مرحلة الانشغال الطويلة، أدركتُ أنه لم يكن مجرد هواية أو تسلية أمارسها في أوقات الفراغ، بل هو حاجةٌ روحية وضرورة حياتية لا تقل أهمية عن عملي ومسؤولياتي الاجتماعية.

الفن يمنحنا الشجاعة للوقوف أمام مشاعرنا، والاعتراف بما نشعر به دون خوف أو حرج، وهذا الاعتراف بحد ذاته هو بداية التصالح مع ذواتنا. إن الفن يحررنا من قيود الخجل والخوف من التعبير، ويساعدنا في فهم أنفسنا وتقبّلها بكل ما فيها من تناقضات.

سأظل أطرح الأسئلة وأغوص في مساحات الدهشة والإبهار، حتى وإن لم أصل إلى إجابات كاملة. يكفي أن الفن يرافقني في رحلتي هذه، ويمنحني ذلك الشعور الرائع بأنني لستُ وحدي، وأن في هذا العالم الواسع من يتشارك معي هذا الشغف وهذا الفضول الجميل.

 

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية