رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد كل هذه الفظائع والشنائع التي مازال النظام السوري الطاغي يرتكبها ضد الثورة السلمية التي يقوم بها المحتجون بصدور عارية طلباً للتغيير الحقيقي وليس الترقيع وإجبار الشعب على التعاطي مع أفكار الظالم المنمقة شكلاً الفارغة مضموناً، ومع استفحال الوحشية والقمع الرهيب الذي أحرق الأخضر واليابس قتلاً وحرقاً وسحلاً وتعذيباً واغتصاباً وتهجيراً حتى استخدمت أمس الطائرات الحربية محلقة فوق مدينة حمص مخترقة جدار الصوت حتى يعم الترويع جميع الآمنين في بيوتهم ويتحطم زجاج النوافذ والأبواب وتحدث الهزات الرهيبة في القلوب والنفوس لردع الشعب، خاصة الشباب عن المظاهرات والاستمرار بالانتفاضة، وبعد كل ما يحدث من الديكتاتورية المغرقة باسم الديمقراطية وحماية الوطن أصبح الناس في الشارع السوري بل وفي غيره منقسمين إلى قسمين أحدهما يريد التدخل الخارجي سواء كان سياسياً أو عسكرياً والبعض يكتفي بالأول دون الآخر لإيقاف الطاغية عند حده، إذ إن قانون التدافع في الأرض والسنن الكونية ربما تقتضي ذلك والثاني: لا يوافق على هذا التدخل أياً كان إذ إن الضرر المترتب على ذلك سيكون أكثر بكثير من النفع المتوقع وإن الحل يجب أن يبقى في البيت السوري دون التدخل في سياسته من أحد وهكذا يتساءل هذان الفريقان فأي منهما أحق بالصواب يا ترى؟
ونحن منذ البداية نقول: إنه لم يكن أمر الاستعانة بالأجنبي مطروحاً البتة عند السوريين بل كانوا يطلبون العدل والمساواة والحرية والكرامة والدولة المدنية وعدم الاستئثار بالحكم من قبل آل الأسد وحدهم مقابل الشعب الذي يختزن في روحه وقلبه وعقله آلاف الكبار المتمكنين الأحرار القادرين على حكم سوريا على أساس المواطنة والإخلاص العتيد لخدمة الوطن الغالي ولكن – وكما يعرف الجميع – لم يتعامل النظام مع مطالب المحتجين إلا بالقمع المنقطع النظير الذي امتد إلى قصف البيوت والأحياء والمناطق جميعاً وعمل على إذلال المواطنين بالانتهاكات الصارخة لمقدسات النساء والشيوخ والأطفال والشباب المنتفضين وقابل كل هذه المعارضات اللسانية بنيران الرصاص والمدافع والبوارج بل والطائرات، وهكذا فإن سقف مطالب الشعب لم يرتفع إلا بعد هذه التعاملات الأمنية الوحشية التي استخدم الجيش الذي أعد لحرب العدو وحماية الحدود فيها إمعاناً في الترهيب الذي طال محرمات كثيرة، ولذلك وبما أن النظام لم يستجب فعلياً لإصلاحات حقيقية تجعل الناس سواسية وليسوا أغناماً مع الذئاب وليسوا عبيداً عند الأسياد فإن الأحرار لم ولن يقبلوا بهذه الجراحات التجميلية عند النظام فاستمروا ومازالوا وما نظن أن النظام سوف يفلح مهما قمع واستغل الوقت الذي يعطي له تارة من تركيا وأخرى من روسيا والجامعة العربية البائسة لينهي إرادة الشعب ويكسر عظمه وعصبه في هذه المعركة، هذا وإن كان عدد لا بأس به من المنتفضين قد نادوا عبر اللافتات المكتوبة بالتدخل لحماية المدنيين، إذ تفاقم الأمر على شكل لم يعد يطاق أبداً بعد المذابح والمجازر الرعيبة والقصف الذي دك مدينة حماه فحصد أكثر من ألف قتيل والذي طال مخيم الرمل الجنوبي في اللاذقية فأذاق الفلسطينيين والسوريين الويلات من القتل والاعتقال والانتهاكات ولذلك أهاب هؤلاء بالمجتمع الدولي أن يتدخل، خاصة لحماية المدنيين انطلاقاً من أن هذا التدخل أمر تقره جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية حتى لا تصبح الحياة غابة يأكل فيها القوي الضعيف وقد وردت نصوص لسنا بمقام استيفائها فقهياً الآن ولكن لا بأس بعرض شيء منها حتى لا يظن أن هذا الفريق الذي طلب الحماية يتصرف من تلقاء نفسه ويستقوي بالأجنبي ولذا نقول: إذا كان الأصل عدم الاستعانة بغير المسلم فإن الاستثناء من هذه القاعدة واردة أيضا لضرورة تحقيق المصلحة الحقيقية المعتبرة للحفاظ على الدين أو العقل أو العرض أو المال أو النفس، وكل هذا وارد اليوم في هذه المعادلة غير المتكافئة بأزمتها بين الشعب والحكومة، ومن هنا كنا نرى في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قبل حماية عمه أبي طالب غير المسلم في مواجهة المشركين كما قبل إجارة أو جوار المطعم بن عدي وهو كافر لما رجع من الطائف إلى مكة وكذلك قبل بعض الصحابة رضوان الله عليهم جوار من أجارهم من المشركين ليدفعوا عنهم الأذى كما نقل د. عبدالكريم زيدان في كتابه المستفاد من قصص القرآن 2/144 فإذا كانت ثمة حاجة ماسة للمسلمين في ذلك وتم الوثوق من جهة العدو فلا مانع من ذلك وقد اختنق السوريون اليوم بحاكم ظالم لا شبهة في ظلمه وهنا يقول الفقهاء: يجب على الناس معاونة المظلومين. وقد نقل الشوكاني أن الاستعانة بغير المسلمين كانت ممنوعة ثم رخص فيها أي للضرورة، على أن أبا محمد بن حزم أجاز الاستعانة بالكافر حتى في الغزو ليس من جهة الأحاديث أي والنصوص ولكن من جهة الاضطرار مستدلاً بآية رخصة المضطر قال ابن حزم: إن أشفى أهل العدل على الهلكة واضطروا ولم تكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجأوا إلى أهل الحرب وأن يمتنعوا بأهل الذمة ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلماً ولا ذمياً في دم أو مال أو حرمة مما لا يحل وإلا فعلى المسلم أن يصبر ولو تلفت نفسه أو ماله أو يقاتل حتى يموت شهيداً كريماً، ولعلنا الآن لم نصل إلى هذا الحد وإن كنا قاربناه، وإذا كانت الفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً وحالاً وظرفاً كما يقول ابن القيم رحمه الله فالملاحظ أن مثل هذا الطلب في الفتوى لم يكن بداية الاحتجاجات ولكن الناس اليوم دخلوا في الضرورة وما ندري بل هو المتوقع أن تزيد هذه الضرورة نتيجة الاستمرار في القمع الوحشي، وقد كان أبو حنيفة رحمه الله يرى الرأي صباحاً أحياناً ويرجع عنه مساء فيسأل في ذلك فيقول: لعله انقدحت في ذهني أي بحسب الواقع والموضوع والظرف فمن رحمة الشريعة والحمد لله أن تحتمل هذه الوجوه وقد قال الشاعر:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركباً
فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وهكذا فما يفتى به في الظروف الطارئة والحروب يختلف عن الأحوال العادية في الرخاء والسلم، وعلى ذلك تنسحب الفتوى ببعض تدخل ممهد ومحذر في الجانب العسكري كالطلب من المجتمع الدولي أن يفرض حظراً جوياً في سوريا لحماية الشعب من الرعب إذ إن الجيش، خاصة الفرقة الرابعة بإمرة ماهر الأسد يشتد قمعها وهي الآمرة الناهية وبالاتفاق مع بشار ولأجل الحفاظ على السلطة يمكنهم أن يبيدوا نصف الشعب السوري ولا يأبهون إذ لا رحمة لديهم حيث إن هذه الرحمة تكون فقط الهدية الدائمة للصهاينة محتلي الجولان دون الشعب ولهذا قد يتساءل القارئ الواعي إذا كانت الاستعانة بغير المسلمين لم تكن بمعنى الاحتلال الذي لم يقل به أحد من المسلمين ولم يأت منها ضرر أكبر من ضرر الحاكم الظالم المستبد أفلا يسوغ للمضطهدين المعذبين الذين أوذوا في أموالهم وأنفسهم وأعراض نسائهم أن يستعينوا مع تحقيق مصالح معتبرة، خاصة أن أبا حنيفة رحمه الله ذهب أيضا إلى جواز الاستعانة ضمن ضوابط المصلحة وحاجة المسلمين وكذلك الإمام أحمد وقد ورد عن الزهري وهو مرسل أن النبي استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم، انظر حول الموضوع بصحيح مسلم بشرح النووي 32 كتاب الجهاد والسير ومسند أحمد حديث رقم 2767 ونيل الأوطار 8/45 وكتاب السير لمحمد بن الحسن الشيباني وكتاب الأخلاق الإسلامية لمحمد زكريا النداف ص 573 والعمدة في إعداد العدة لعبد القادر بن عبدالعزيز ص66 وغير ذلك من المصادر.
أما بالنسبة للفريق الآخر من الشعب السوري الذي لا يوافق على أي تدخل فهذا رأي جيد لو استمع النظام إلى اخوانه الحكام العرب والمسلمين أو استجاب للمجتمع الدولي بإيقاف العنف الوحشي ولم يكن هو السبب الرئيسي في مجئ هذا التدخل وإلا فما أسوأ الحاكم الذي يلجئ شعبه لطلب التدخل الخارجي، وفي الختام نذكر أننا إذا استمر الوضع هكذا فلابد من تدخل عربي إسلامي حتى لو كان عسكرياً، فإذا لم يحدث واضطر الشعب فقد نرى أن التدخل السياسي والمعنوي الخارجي أولى فإن لم يجد فتدخل عسكري محدود.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026