رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها من الخوف، إلا بعد أن كبرتُ واكتشفتُ أن بعض الظلال كانت تمشي معنا ثم تغيب فجأة، تاركةً في أرواحنا ضوءها الطويل.
كان عمّي أول من أخذ بيدي إلى القرآن، لا بوصفه كتابًا نحفظه لننجو من اختبار، بل بوصفه حياةً نحتمي بها حين تضيق الحياة. كان يجلس إلى جواري بصبرٍ لا يشبه إلا الآباء، يصحّح مخارج الحروف كما لو أنه يعيد ترتيب قلبي، ويبتسم كلما أخطأتُ، كأن الخطأ نفسه فرصةٌ جديدة كي يربّت على روحي لا على لساني فقط. لم يكن يعلّمني كيف أقرأ الآيات، بل كيف أسكن إليها، وكيف أجعل من التلاوة مأوى حين تتشظّى الأيام.
في مرات نادرة كان يحلو له أن يوصلنا إلى المدرسة، وفي الطريق، كانت السيارة تتحوّل إلى فصلٍ صغيرٍ من الطمأنينة؛ يسألنا عن سورةٍ قصيرة، أو عن دعاءٍ نحفظه قبل النوم، أو عن معنى آيةٍ سمعناها البارحة، ثم يضحك حين نتلعثم، ويعيد السؤال بطريقةٍ تجعل المعرفة لعبةً لا واجبًا. لم يكن الطريق طويلًا، لكنه كان يكفي ليزرع فينا شيئًا لا يذبل، شيئًا ظلّ يكبر معنا من دون أن نشعر، حتى صرنا نحمل أسئلته معنا كلما مشينا وحدنا في طرقٍ أكبر من طفولتنا.
علّمني الصلاة وأنا في السادسة من عمري كما لو أنه يسلّمني مفتاحًا سريًا للحياة؛ وقف إلى جواري، بعد أن صحّح وقوفي، همس بالتكبير، ثم تركني أكتشف وحدي أن الطمأنينة التي تغمرني وأنا أرفع يديّ ليست سوى أثر يده التي دلّتني إلى الطريق. كبرتُ، وكبرت معي تلك الطقوس الصغيرة، وصرتُ كلما وقفتُ للصلاة أشعر أن بيني وبينه مسافةً من دعاء لا تنقطع.
كان أيضًا ملاذي حين أشعر بأن العالم أوسع من قدرتي على الاحتمال. أذكر جيدًا ذلك اليوم عندما كنت في الصف الأول المتوسط، حين وقفتُ مرتبكة أمام إبرة التطريز، عاجزةً عن التعامل معها كما يجب، فانهالت عليّ معلمة التدبير المنزلي بعقابٍ لم أفهم قسوته بقدر ما شعرتُ بإهانته، صفعتني على وجهي وهو عقاب لم أعتده أبداً. عدتُ يومها منكفئة الروح، أحمل في صدري خوفًا مفاجئاً من المدرسة التي أحبها. في صباح اليوم التالي، جاء عمّي معي، لم يكتفِ بأن يسمع حكايتي ويصدقها، بل حملها معه إلى المدرسة كما لو أنها قضيته الشخصية الكبرى؛ وقف بغضب أمام الإدارة والمعلمة، وتحدّث بصوتٍ عالٍ لم أعهده، وعنف المعلمة حتى أجبرها أن تعتذر لي أمام الفصل كله. يومها فقط فهمتُ أن الأمان قد يأتي في هيئة رجلٍ يعرف كيف يردّ عنك الأذى، لا بالصراخ، بل بالعدل؛ وأن الكرامة يمكن أن تُستعاد حين يجد المرء من يؤمن بأنه لا يستحق أن يُهان.
لم أكن أعرف أن تلك اللحظات العابرة، التي بدت يومًا جزءًا عاديًا من صباحاتنا، كانت تبني في داخلي يقينًا سيبقى بعد أن يغيب. لم أكن أعرف أن صوته وهو يتهجّى معي آية، سيبقى يتردّد في ذاكرتي كلما قرأتُ وحدي، وأن ابتسامته وهو يسمعني أتمّ سورةً للمرة الأولى، سترافقني كلما حاولتُ أن أبدأ من جديد.
اليوم، لا أرثي رجلًا رحل، بل أرثي زمنًا كان فيه الإيمان يأتي بصوتٍ أعرفه، وطمأنينة تمشي إلى جواري في هيئة عمّ. أرثي تلك اليد التي كانت تأخذ طفولتي إلى الله برفق، وتعيدها إليّ أكثر اتساعًا ونقاء.
رحل عمّي، لكن القرآن الذي علّمني إياه ما زال يفتح لي أبوابه كلما أغلقت الدنيا نوافذها، والصلاة التي أرشدني إليها ما زالت تمدّ لي جسور النجاة كلما تعثّرتُ في الطريق. رحل، لكن الطريق إلى المدرسة ما زال طويلًا في داخلي، وما زالت أسئلته الصغيرة تتردّد في ذاكرتي، كأنها تريد أن تطمئن أنني لم أنسَ الدرس.
سلامٌ عليه في الغياب كما كان سلامًا في الحضور، ورحمةٌ تليق بقلبٍ أمضى عمره يزرع النور في طرقات الآخرين، ثم مضى هادئًا كما يمضي الدعاء بعد أن يقال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة كويتية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
3567
| 23 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
891
| 18 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن وشهر الصيام، فقد نزل القرآن الكريم في رمضان. قال تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان] [البقرة: 185] ارتباط نزول هذا الكتاب الكريم في هذا الشهر المبارك يجعل المسلم يشعر بقدسية هذه الأيام، فيبالغ في اهتمامه وتعهد القرآن في رمضان بشكل مميز، ويكون حاله أفضل مما هو عليه في سائر أوقاته. فيُقبل على كتاب ربه يقرأه بشغف ولهفة، يتدبر الآيات ليتعلم الأحكام، ويأخذ العِبر، ويسعد بالمبشرات من ربه، فيسعى لنيل الدرجات، بل ويطمع فيما هو أعظم من ذلك: الفوز بشفاعة القرآن والصيام معًا، وذلك هو الفوز العظيم. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ.» (صححه الألباني). فالقرآن الكريم نزل ليكون زادًا للقلوب ومنهجًا تربويًا متكاملًا يهذب عقولنا ويربي أنفسنا على الطاعة، فتستقيم به أخلاقنا وطباعنا. في القرآن مدرسة للأحكام، والأوامر، والنواهي، والقصص، والعبر، والحِكم الإلهية التي يتربى بها المسلم على الإيمان بالله واليقين في كل ما قدر وقضى علينا من الأمور. يعلمنا القرآن الخشية والانضباط، ومراقبة الله في السر والعلن، وكلما اقترب المسلم من القرآن ازداد وعيًا وحكمة، وتوطدت علاقته بربه وبمن حوله. كما أن القرآن هداية حقيقية للمسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فهو يوجه السلوك، ويقوّم الاعوجاج، ويضع للإنسان ميزانًا أخلاقيًا واضحًا في كل شؤون حياته. ومن جميل ما قيل عن القرآن: هو الزادُ إنْ ضلَّتْ خطانا في المدى وبه القلوبُ عن الضلالِ تُصانُ وأعظم ما نحتاج إليه اليوم هو التمسك بالقرآن، لنلمس أثره في التربية والسلوك داخل بيوتنا وخارجها، حتى نشعر بأن القرآن هو زاد لقلوبنا ونبراس لعقولنا وأساس بناء المسلم الصالح والمجتمع الفاضل.
669
| 20 فبراير 2026