رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الذي كان العالم يترقب رد حركة حماس على مقترح ترامب، كان نتنياهو يزهو ويتفاخر بأنه قلب الطاولة على المقاومة.
ذلك لأن بنود المقترح جاءت مجحفة ومنحازة للطرف الإسرائيلي وتحقق طموحات نتنياهو، فقد اطمأن رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أنه قد نصب الفخ للمقاومة، فقبولها سوف يعد انتصارًا له ويحقق أهدافه، ورفضها يعني أيضًا تحقيق أهدافه ولكن عن طريق استئناف الحرب.
رأى نتنياهو أنه حشر حماس في الزاوية، ففي حال رفضها ستظهر على أنها لا تعبأ بشعب غزة وتغلّب شأنها الخاص، كما أنها حال رفضها سوف تكون ضربة للوساطة العربية، وقطعًا سوف يكتسب الاحتلال الإسرائيلي شرعية جديدة من أمريكا في استمرار العدوان على غزة، ولكن بصورة أكثر ضراوة، وهو ما أكده ترامب نفسه عندما أنذر الحركة وحدد لها سقفا زمنيًا للرد.
كذلك سوف تفقد المقاومة نسبة كبيرة من تعاطف شعوب العالم، وتكون في النهاية هي المسؤولة عن استمرار المجازر، هذه هي صورة الفخ الذي نصبه نتنياهو للمقاومة.
وبين توقّعات القبول التام أو الرفض الصريح، جاء بيان الحركة مخيبًا لآمال العدو، ومتجاوزًا لسقف طموحات الصديق، حيث اتسم بذكاء سياسي يوازن بين مواجهة ضغط الواقع وتحقيق المكاسب.
الخطة التي كانت عبارة عن إنذار للاستسلام أكثر من كونها مفاوضات، قد حولها رد المقاومة إلى إعلان مبادئ ومسار تفاوضي مبني على عدم تقديم تنازلات بالمجان، ويبدأ من الأمر الأهم الذي يشغل بال العالم بأسره بما في ذلك الجماهير الإسرائيلية وأهالي الأسرى والمعارضة في الداخل، وهو وقف الحرب وتسليم الرهائن دفعة واحدة وبشكل فوري، وهو ما أبدت حماس استعدادها للدخول فيه مباشرة.
البيان أعطى ترامب اللقطة التي يحبها بتثمين جهوده، وهو الذي يسعى إلى جائزة نوبل للسلام، وعلى الفور تلا ترامب نص البيان كما هو، وشكر جهود الوسطاء العرب، وطالب الاحتلال الإسرائيلي بوقف القتال، وهو مكسب كبير أثار ارتباك الاحتلال وأوقعه في التخبط، فللمرة الأولى يتخلى ترامب عن مبدأ التفاوض تحت النار.
الرد لم يتضمن موافقة مطلقة، ولا رفضًا مطلقًا، لكن الذكاء التفاوضي تمثل في تجزئة بنود الخطة، فأبدت موافقتها على تسليم الأسرى وتسليم السلطة إلى هيئة فلسطينية مستقلة، وهما بالأساس قد وافقت عليهما الحركة من قبل، وفي الوقت نفسه أحالت المقاومة التفاوض حول مستقبل القطاع وحقوق الفلسطينيين إلى ما بعد وقف الحرب، وربطت التفاوض بموقف وطني جامع تكون حماس من ضمنه، واستنادًا إلى القوانين والقرارات الدولية.
وهذا بدوره يضع أيدينا على رغبة المقاومة في وضع وقف الحرب وتحسين المعاش لسكان القطاع كأولوية قصوى، وتكتسب بذلك تأييدا قويا في الداخل الفلسطيني لعدم الانفراد بالقرار في مصير الشعب الفلسطيني والعمل في سياق مشروع وطني، كما أن الإشارة إلى ربط التفاوض بالقوانين والقرارات الدولية لفتة ذكية تحمل رسالة إلى المجتمع الدولي بأنها تتحرك ضمن منظومة الشرعية الدولية.
من البنود المهمة التي أحالها بيان المقاومة إلى التفاوض بعد وقف الحرب وتسليم الأسرى قضية تسليم السلاح الذي يعتبره نتنياهو شرطًا يظهر انتصاره، لكن في سياق التفاصيل التي تحدث عنها قادة حماس بعد البيان، أعربت الحركة أنها سوف تسلم السلاح للدولة الفلسطينية القادمة، فلم تمنح نتنياهو فرصة الزهو بالانتصار إزاء هذه القضية.
نستطيع القول إن الفخ الذي نصبه نتنياهو للمقاومة، قد جعلت منه المقاومة شرَكًا لنتنياهو، حيث رمت بالكرة في ملعبه، ليس هو فحسب، وإنما لدى ترامب أيضًا، وأي محاولة من نتنياهو للتمرد على ما تم التوصل إليه سوف يصطدم بالمعارضة والشارع وقيادات الجيش في الداخل الإسرائيلي، لأن الهم الأول لهؤلاء هو تخليص الرهائن دفعة واحدة، وأي انقلاب من نتنياهو على الاتفاق لن يكون مبررًا.
كما أنه يصطدم بترامب نفسه، والذي أعلن نجاح خطته، ودعا الإسرائيليين إلى وقف القتال للشروع في تنفيذ بنود الاتفاق، وأي إخلال من قبل نتنياهو سوف يوقع رئيس أقوى دولة في العالم في حرج بالغ.
أعلم جيدًا أن نتنياهو يجيد الالتفاف حول الاتفاقيات، وأعلم كذلك أن سقف الانحياز الأمريكي للاحتلال شاهق، لكن لا بديل عن القول بأن رد المقاومة جمع عدة لمسات ذكية قلبت الطاولة على رأس نتنياهو.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1740
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1437
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
852
| 13 يناير 2026