رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة إلى الخليفة أبي بكر طلبًا للمدد، أرسل إلى خالد بن الوليد في العراق وأمره أن يستنيب عليها ويرجع إلى الشام لقيادة الجيش، فخرج خالد بجيش صغير سلك به أراضي لم يسلكها أحد قبله، فاجتاز البراري والقفار وقطع الأودية وصعد الجبال، فكانت رحلة سريعة مُهلكة بالغة الوعورة والشدة، كل ذلك من أجل أن يقطع المسافة في أقصر وقت ممكن.
وكما قال ابن كثير في البداية والنهاية: «وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السّرى. فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها رضي الله عنه».
على الرغم من الهم والكدر والغم والنصب الذي اعتراهم في الرحلة الشاقة، إلا أن كل ذلك قد ذهب أثره ما إن وصلوا إلى هدفهم، إنها متعة الإنجاز التي تمسح عن الجباه أثر المعاناة، وتصبح المشقة حينئذ محل ثناء، يحمدون المسير ليلًا بعد أن وجدوا الراحة مع بزوغ الفجر.
لم يكن العناء خصمًا لمن آمن بالوصول، إنما العدو الحقيقي هو التردد، اللحظة التي تساوم فيها النفس على ترك الطريق لأن الحصى يوجع القدمين.
الصباح حين يبزغ نوره لن يسألك عن عدد السقطات في الطريق، ولا على طول المسافة التي قطعتها، الصباح ينصت فحسب إلى وقْع الخطوة الأخيرة.
متعة الإنجاز ليست مجرد نشوة سريعة، إنما هي سكينة طويلة الأمد تتسلل إلى الروح بعد كثير صخب، تعرف معناها فقط عندما تهدأ المعركة في نفسك، عندما تضع رأسك على وسادة التعب وأنت تعلم أنك لم تخن يومًا نفسك، ولم تؤجل يومًا واجبك، ولم تساوم حلمك على فتات راحة.
على طريق الإنجاز، تتكسر معانٍ كثيرة: تتكسر صورة الإنسان الكامل الذي لا يتعثر، تتكسر صورة النجاح الذي يولد من رحم الراحة والدعة، فكل إنجاز هو ابن صبر طويل، وربيب سهادٍ ومشقة وزفرات نصب وتعب في الخفاء.
عند الوصول في الصباح، يحمد المجدون السّرى لأنه شاهد على صدق السعي، قد دفنوا في ترابه نداءات النفس النازعة إلى الكسل والراحة والدعة، وهتافات الفتور التي لا يبرأ منها كل إنسان، وحديثًا داخليا كان يقرع العقل بأن صاحبه أقل من أن يصل.
إنجازك قد لا يغير وجه العالم، ولا واقع مجتمعك، لكنه على الأقل قد يغيرك أنت، يعزز احترامك لذاتك، ويشحذ وعيك للمستقبل بأن الطريق مهما طال فإن آخر خطوة فيه تحمل لذة تستحق العناء من أجلها، حينها تدرك أن التعب ليس عبئًا وإنما هو جسر.
متعة الإنجاز يُدركها المجدّون عندما تجاوزوا في الطريق رغبتهم في التوقف والتراجع، واقتحموا للنهاية رغم ضجيج هذا التجاذب.
دائما في البدايات يكون الحلم هشًا لا تجتمع عليه الهمّة بكامل عُدتها، فربما تراجع المرء بكلمة تخدش حلمه، أو مقارنة يعقدها مع غيره، أو بنظرة مرتابة للمآلات، لكن الطريق يبدأ بقرار يحمل روح التحدي، بصدق يدفع صاحبه للاستمرار وتناسي التعب، حتى وإن لم تكن هناك ضمانات للوصول.
وفي كل مرة يسقط الإنسان فيها عبر الطريق، يكشف عن معدن إرادته، وفي كل مرة ينهض من العثرة ويتجاوز أثرها يعيد تعريف نفسه من جديد، مع كل خطوة يخطوها صوب نقطة النهاية يكتسب وصفًا جديدًا وسمة إيجابية جديدة.
وبعد ليل طويل، وبعد يقين كاد أن ينطفئ، عندها فقط يفهم الإنسان معنى القول: «عند الصباح يحمد القوم السرى». يحمدون الأرض التي أتعبتهم، لا لأنها كانت سهلة، بل لأنها صنعت منهم أناسًا آخرين، يحمدون الطريق، لأنه علّمهم الثبات، والانتظار، وحسن الظن بالله.
عند نقطة الوصول لا يجد الإنسان ذاته التي بدأ بها الرحلة، كل شيء فيه يتغير، يتسع الصدر، وترتفع قيمة الذات في نظر صاحبها، بما يعني أن الإنجاز لا يمنحك ما تسعى إليه فحسب، إنما يمنحك النسخة الأفضل منك، الأقوى منك، الأرقى منك، الأكثر وعيًا منك، والأشد تصالحا مع حقيقة أن الأشياء العظيمة تولد من رحم المعاناة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1689
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1248
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
984
| 07 يناير 2026