رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الإسلام والإنسانية.. دائرة الالتقاء

ما من فكرة متطرفة إلا ويقف قبالتها فكرة متطرفة أخرى مضادة لها، وبينهما تقبع الحقيقة التي تعرضت للتشويش. ومن ذلك تحرير العلاقة بين الإسلام والإنسانية، التي وجدت نفسها بين اتجاهين متطرفين، أحدهما يغفل عن حقيقة أن أمة الإسلام جزء من المنظومة الإنسانية، فمن ثم ينزع إلى الانفصال عن هذه المنظومة بدعوى الحفاظ على خصوصية المنهج، وأما الاتجاه الثاني فهو يهدر خصائص الإسلام ويقصي مبادئه، وينزع إلى الذوبان تحت مظلة التعايش الإنساني. العلاقة بين الإسلام والإنسانية كانت واضحة المعالم لدى المسلمين الأوائل منذ أن نزل قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. هذه الآية حددت دائرة يلتقي فيها الإسلام بالإنسانية، وهي دائرة الاجتماعي البشري المستند إلى أصل يتساوى فيها الناس جميعا وهو الطينة البشرية الواحدة، حيث إن الغاية من جعْل الناس شعوبًا وقبائل هي التعارف والتعامل القائم على احترام هذه الخِلقة الإنسانية المكرمة، وهي أهداف تؤول إلى القبول بحقوق الآخرين والتفاعل معهم وإفادتهم والاستفادة منهم. رسالة الإسلام لم تنزل إلى البشرية لتعيش في كوكب خاص بها ولا لينغلق أتباعها على أنفسهم، بل لتحدث التفاعل المثمر بين الناس، وتعمل على رعاية الإنسانية ليس في إطار معتنقيها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى العناية بالكائن البشري بشكل عام. وتحرير الإنسانية من ربقة الاضطهاد والظلم هو من صلب رسالة الإسلام التي عبر عنها الصحابي ربعي بن عامر بقوله: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة). وقد فهم المسلمون دائرة الالتقاء بين الإسلام والإنسانية من خلال قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، فهو رحمة مهداة لكل أهل الأرض، سواء أولئك الذين استناروا بهديه والتزموا منهاجه وفازوا بالدنيا والآخرة، أو أولئك الذي نأوا عنه فأصابتهم هذه الرحمة العامة من جهة منع الإهلاك العام كما في الأمم السابقة، ومن جهة الانتفاع بتشريعات العدل والرحمة والإحسان مع غير المسلمين. ومن هذا المنطلق، كانت الحضارة الإسلامية ثمرة للتفاعل الحر الاختياري بين الحضارات المتعددة والمتمايزة، يجمع بينها القاسم الإنساني المشترك. لكن الالتقاء بين الإسلام والإنسانية في هذه الدائرة لم يمنع الإسلام من الحفاظ على خصوصيته كمنهج شامل متفرد صالح للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن أمته هي خير أمة أخرجت للناس، وتلك هي دائرة التفاضل التي يمتاز فيها إنسان عن آخر بمعيار التقوى، ويوضح الإمام ابن كثير الفرق بين الدائرتين بقوله: "جميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم". إن خدمة الإسلام ونشر منهاجه الصافي الذي كان عليه الرعيل الأول، هي في جوهرها خدمة للإنسانية، والعمل من أجل رفعته لا ينفصل عن واقع الإنسانية، فهو بناء إنساني متكامل، شرط أن يقدم النموذج الصحيح منه، ذلك لأن المنهج ليس مسؤولا عن اعوجاج معتنقيه ولا يُنسب إليه تفريط المفرطين ولا غلو الغلاة. ربما ينتقد البعض هذه الكلمات بدعوى أنها تنظير وتأصيل لا يتعلق بالواقع العملي، لكن أصحاب هذه النظرة قد غاب عنهم أننا نخوض في هذا العصر معركة فهم ووعي، والتفكير هو الطريق إلى العمل، فقبل أن نسأل: ماذا نعمل؟ ينبغي أن نسأل: كيف نفكر؟ ولذا قال الطاهر بن عاشور: "إن إصلاح التفكير من أهم ما قصدته الشريعة الإسلامية في إقامة نظام الاجتماع، وبهذا نفهم وجه اهتمام القرآن باستدعاء العقول للنظر والعلم والاعتبار".

132

| 21 سبتمبر 2026

هل وقع هذا الجيل ضحية لفكرة الجبر الاجتماعي؟

وقع الإنسان على مر العصور في شباك فكرة الجبر، والتي تنفي عن الإنسان امتلاك القدرة على الاختيار، ومن رحم هذه التصورات خرجت إحدى الفرق الضالة في التاريخ الإسلامي وهي فرقة الجبرية، والتي ترى أن الله أجبر العباد على أفعالهم من خير أو شر دون أن يكون لهم إرادة في ذلك، وساوت بين الإنسان والجماد من حيث نسبة الفعل إليه على سبيل المجاز لا الحقيقة. وهذا محض خلل في التفكير، فإنك إن طلبت من أحدهم كوبًا من الماء فإن لديه القدرة على الاختيار بين أن يلبي طلبك أو يرفضه، والعبد الذي يدخل عليه وقت الصلاة المفروضة بوسعه أن ينهض للوضوء ثم الصلاة، وبوسعه أن يظل مكانه لا يغادره. والعجيب أن من يقول بأنه مجبر على أفعاله، قد يستغرق في التفكير زمنًا ويعصف ذهنه عصفًا من أجل المفاضلة بين وظيفتين أو مجالين من مجالات الدراسة أو بين عدة صفقات في العمل، أو بين عروسين، فهو بذلك يناقض نفسه، فلو كان مجبرًا كما يزعم لترك نفسه لأي منها أو اختار إحداها بعشوائية، وتراه إذا أحسن الاختيار يفتخر بنفسه وقدرته على الاختيار والتمييز، فكيف يتفق ذلك مع كونه مجبرًا على أفعاله؟! فكرة الجبر لا تقتصر على العقائد الدينية، بل لها أشباه ونظائر في كثير من مجالات الحياة بشكل أو بآخر، تتفق جميعها في كون الإنسان يبرر بها نقائصه وعيوبه وأخطاءه ليزيح عن كاهله عبء الشعور بالذنب والتقصير، ويهرب من مواجهة حقيقية للأزمات والمشكلات. الجيل الحالي يتعرض لخطاب نفسي من الخطورة بمكان، ينبثق عن هذه الفكرة، فالخطاب النفسي السائد خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، يركز في تناول قضايا ومشكلات الشباب على تحميل الأبوين المسؤولية المطلقة عن كل التصرفات الخاطئة والانحرافات السلوكية للأبناء. هذه الفكرة مضطربة، فلئن كان للتربية والتنشئة دور بارز فيما نشأ عليه الأبناء، إلا أنها ليست سجنًا أبديًا لهم يمنعهم من تجاوز هذه الصبغة التربوية التي صبغتهم بها البيئة، فهم يملكون القدرة على الاختيار وتبديل المسار، والدليل على ذلك أن البعض يتمردون على قوالبهم الاجتماعية ومذاهبهم الدينية، وينأون عن مألوف المجتمع الذي يعيشون فيه. من رباه والداه مثلًا على الاعتمادية والاتكالية لا يعني أن يظل أبد الدهر متلبسًا بتلك الصفات مستسلمًا لها، بل بإمكانه أن يتغير، والواقع يشهد أن بعض الناس الذين تربوا على ذلك نهضوا من سباتهم، وقاموا بتنمية الدافع الذاتي، وكسروا حدة الاعتمادية، وأصبحوا يعتمدون على أنفسهم، فالتربية رغم أثرها القوي لكن آثارها ليست سجنًا يستحيل تجاوز أسواره. المشكلة في هذا الخطاب النفسي المعاصر غير المتوازن، أنه خطاب مخدّر للشباب، يريحهم بشكل مؤقت من عناء التفكير في أخطائهم واضطراب سلوكياتهم، ويكون استحضار مضمونه بمثابة حيلة نفسية للشاب أو الفتاة، يبررون بها الأخطاء والنقائص، ويهونها في أعينهم، وتصبح كأنها ممارسات لا دخل لهم بها، بل تحدث بفعل عوامل بيئية خارجة عن إرادتهم. ومن ناحية أخرى، فإن إغراقهم في هذه الأفكار، يضيع عليهم فرصة مواجهة النفس بالعيوب والأخطاء، ويريحهم من الامتثال لأي من متطلبات التغيير. أضف إلى ذلك، أن طرح هذه الفكرة المضطربة يحدث الشقاق والجفاء مع الآباء والأمهات ويوسع الهوة فيما يعرف بصراع الأجيال، إذ يجد الشاب في نفسه من أبويه، ويحملهما المسؤولية كاملة عن قصوره وأخطائه. قطعًا لا أتهم كل من يتبنون هذه الفكرة في خطاباتهم أنهم يقفون عند حد التفسير، فهناك من يقدم هذا التفسير للبناء عليه، والإرشاد والتوجيه إلى كيفية التعامل مع رواسب الماضي، وعدم إخضاع الواقع والمستقبل لآثارها بخطوات علاجية منتظمة مثمرة. لكن المشكلة في طرح فكرة الجبر الاجتماعي نفسها التي يضج بها عالم التواصل الاجتماعي، والذي صار فضاء مستباحًا لكل من يحسن ومن لا يحسن. الإنسان مهما تلقى تربية خاطئة، فإن بوسعه أن يتغير، وألا يركن للآثار التربوية السيئة، فالله تعالى الذي أمرنا بالتغيير هو نفسه القائل في كتابه الكريم (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، فالتغيير مأمور به، إذًا هو مقدور عليه، ولو كان التغيير محالًا لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن نحسّن أخلاقنا.

501

| 13 سبتمبر 2026

«آسف».. تلك التي تُطفئ النار

(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث نبوي شريف يقرر حقيقة ما جُبل عليه الإنسان واقتضته طبيعته البشرية، وهي استعداده لارتكاب الخطأ والوقوع فيه. تقع العلاقات الاجتماعية في مرمى ارتكاب الخطأ، ومهما حاول الإنسان أن يكون مثاليًا مع الآخرين فلن يسلم في الوقوع بالخطأ بحقهم، سواء بفعل أو كلمة أو حتى نظرة. وقد تنشأ المشكلة بسبب خطأ بسيط ثم تتفاقم وتعظم وربما أدت إلى كوارث نفسية أو مادية أو اجتماعية. وهنا يأتي الاعتذار ليطفئ النار قبل أن تعظم ويتطاير شررها، ومهما كان الإنسان في لجة الغضب تجاه من أخطأ بحقه، فإنه يضعف غالبا أمام تلك الكلمة: "آسف". عندما تُنطق هذه الكلمة طواعية باختيار صاحبها، فإنها تطيب الخاطر وتهون في نفس الطرف الآخر حجم الخطأ الصادر بحقه، وفي كثير من الأحيان يعظم قدر المعتذر في أعين من تلقى الاعتذار، لأن كلمة آسف تكشف عن حُسن السريرة وطهارة النفس ودماثة الخلق. والحديث هنا ليست عن اعتذار المُكرَه الذي يتفادى الخسارة أو العقوبة بكلمة آسف، ولا عن اعتذار المرء الذي يريد بهذه الكلمة تجنب العتاب من قِبل الغير، إنما عن ذلك الذي يدرك خطأه ويحق الحق بالاعتذار، فهذا هو الاعتذار الحق المثمر، الذي يستفيد منه المعتذر قبل غيره. ولئن كان التنظير والوعظ سهلًا، إلا أن واقع الناس يُنبئ بأن الاعتذار ليس بالأمر الهين، ولا يستطيعه كل أحد، لأن الإنسان بطبيعته لا يحب أن يقف في موضع المخطئ، كما أن أمراض النفس وآفاتها مثل الكبر والعُجْب والتعالي تمثل حواجز تحول بين الإنسان وبين قول كلمة آسف. لذلك لا نبالغ إن قلنا بأن الاعتذار يستند إلى منظومة أخلاقية وقيمية راقية، فأولها الشجاعة في التعبير عن الخطأ، لأنه يستلزم مواجهة النفس بعيوبها قبل أن يكون سلوكًا تجاه الغير. يستند الاعتذار ثانيًا إلى تواضع يقي صاحبه من الوقوع في التبرير للتغطية على الخطأ، هذا التواضع الذي يدرك به الإنسان قيمة وحقوق الآخرين الذين يجب أن يحترمهم تماما كما يحب أن يحترمه الناس، وأنه لا ينبغي أن يرى لنفسه الأفضلية على الناس إلا فيما هو حقيقي دون لبس أو اغترار. كما يستند الاعتذار إلى الثقة بالنفس، لأن الذي ينطق هذه الكلمة أمام الآخرين تعبيرًا عن الخطأ وجبرًا له، يدرك أن وقوفه أمام الناس موقف المقر المعترف بخطئه لن ينسف فضائله وشمائله ولا يعيبه في شيء. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتذار يستند إلى قيمة العدل والإنصاف، فالمخطئ إذ اتصف بالعدل وضع نفسه موضع الطرف الآخر، واستحضر ما يمكن أن يشعر به من استياء أو شعور بالإهانة، فمن ثم يهون على نفسه النطق بكلمة آسف. الاعتذار تطهير للنفس وصيانة لها من تضخم الذات والوقوع في براثن الكبر واحتقار الناس، وهي أمراض قاتلة تعرض الإنسان لخسارة علاقاته الاجتماعية، وتقعد به عن تقييم وتقويم نفسه لأنها تعميه عن نقائصه وعيوبه، ومن ثم قد يصبح شخصًا منبوذًا في محيطه ومجتمعه. كما يعد الاعتذار أقصر الطرق لإنهاء الخلافات والمشكلات القائمة بين الناس، وربما تحتدم المشكلة بين الزوجين مثلا وتتفاقم بما يعرض الحياة الزوجية للانهيار، مع أنه كان يكفي أن يقدم المخطئ اعتذاره وينهي الأمر. الذي يقع الخطأ بحقه ربما ينام وصدره مشتعل لشعوره بالإهانة، ثم يتحول هذا الاشتعال إلى تكوين صورة عامة سيئة عن ذلك الشخص مع استحضار كل سلوكيات سابقة وإعادة تفسيرها من جديد بما يشيطن هذا الشخص ويقدح في نواياه ويهدم فضائله، ثم يتحول هذا الشعور وهذه التصورات إلى رغبة في رد الصاع صاعين والنيل من هذا الشخص الذي ارتكب الخطأ، وكل ذلك كان يمكن تفاديه، فقط بكلمة: آسف. هذه الكلمة ينبغي أن تتحول إلى ثقافة، تترجم في المنزل بين الرجل وزوجته، ويجب أن يتشبع بها الأبناء، حتى الأب الذي يخطئ بحق ابنه، ينبغي عليه أن يسمعه هذه الكلمة، إحقاقًا للحق أولًا، وثانيًا تربية وتنشئة للطفل على بذل الاعتذار مهما كانت مكانة الشخص. وأختم ها هنا بمقولة جليلة لأبي حاتم الرازي حول ثمرات الاعتذار التي يجنيها المعتذر ذاته، إذ يقول: "الاعتذار يذهب الهموم، ويجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصد.. فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفي العُجب عن النفس في الحال، لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة.

768

| 06 سبتمبر 2026

الطائرات الورقية وعبثيات نتنياهو التي لا تنتهي

السجن الكبير المفتوح، هكذا كان يطلق على قطاع غزة المحاصر، إلا أن هذا السجن قد حولته الحرب الغاشمة إلى ركام وأطلال، وفقد خلالها السكان مقومات الحياة. أطفال غزة الذين نُزعت عنهم طفولتهم، وحرموا من التعليم، وأظلمت معالم مستقبلهم، لم يجدوا متنفسًا ولا مجالا يشعرهم أنهم لا يزالون بعدُ أطفالا، سوى البحر والسماء. فأما البحر، فإنهم يهرعون إليه مع عائلاتهم هربًا من القيظ الذي يطاردهم ويلهب أجسادهم مع صعوبة الحصول على المياه وانعدام الكهرباء والمروحات، إلا أن الاحتلال جعل فكرة اللجوء إلى البحر عملًا انتحاريًا في ظل العدوان الغاشم الذي يستهدف المواطنين على الساحل. لم يكن لأطفال غزة سوى الإبقاء على هذا التقليد الموروث المسمى بالطائرات الورقية، قطع صغيرة من الجريد، وبعض الأوراق الملونة، وخيط طويل، شيء بسيط يطير بأمنياتهم إلى السماء، ويشعرهم بفسحة الكون، ويطمس لدقائق أو ساعات قليلة مشاهد القتل والدمار التي اختزنتها ذاكرتهم البائسة. لكن هؤلاء الأطفال يقال لهم اليوم: مزقوا طائراتكم الورقية، ولتكن مثل جميع أحلامكم المؤجلة. لا يستوعب الطفل أن لعبته البدائية هذه قد صارت محجوبة عنه، لأنها تمثل تهديدًا عسكريًا للاحتلال الذي يمتلك الصواريخ والطائرات وأسلحة الدمار. وسيكون عليه أن يقتنع بأنه لا الأرض ولا البحر ولا السماء صارت له. الطائرات الورقية التي يلهو بها أطفال غزة، جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، يطلقان التهديدات بتكثيف العمليات العسكرية وإجلاء السكان من المناطق التي تنطلق منها هذه الطائرات. تأتي هذه الثورة الإسرائيلية على الطائرات الورقية ضمن سياق ساخر أقل ما يقال فيه إنه كوميديا سوداء، فالاحتلال الذي لم يتوقف يومًا عن العدوان على غزة حتى من بعد اتفاقية وقف الحرب التي ضرب ببنودها عرض الحائط، يمارس هذه الاعتداءات على مرأى العالم، وتتناقل وسائل الإعلام العالمية أخبار القتلى والجرحى وآثار الدمار، وعلى الرغم من ذلك يملأ الدنيا صراخًا من أجل طائرات ورقية يزعم أنها تمثل نشاطًا عسكريًا للمقاومة في غزة. والأشد مدعاة للسخرية، أن الجيش الإسرائيلي نفسه أقر بعد فحص بعض الطائرات الورقية أنها لا تحمل أي مواد حارقة ونحوه مما قد يمثل خطرًا على المستوطنين الإسرائيليين ومزارعهم، وعلى الرغم من ذلك استمرت الحكومة الإسرائيلية في صراخها والادعاء بأنها تتعرض لتهديدات أمنية بسبب هذه الطائرات. الأمر لا يحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح، فنتنياهو يبحث عن أي مبرر لاستمرار الحرب والتحرر من تقييد خارطة الطريق. يريد تحويل هذا الهاجس الأمني المضطرب إلى واقع يعيد تعريف خرق الهدنة. نتنياهو الذي يستمد قوته من ذلك اليمين المتطرف، يسعى للقضاء على كل مسار دبلوماسي سلمي لحل القضية الفلسطينية، فالحل لا يعني لدى نتنياهو ومتطرفيه سوى شيء واحد، وهو أنه لا وجود لدولة فلسطينية، فقط هي إسرائيل. وكلما اقترب موعد الانتخابات، كلما كثف نتنياهو جهوده لافتعال الحروب، هي الضامن الوحيد لاستمراره في منصبه، وهو الذي يطرح نفسه دائما على أنه الأقدر على التعامل مع التهديدات التي تحيق بالشعب الإسرائيلي. أشد ما يثير السخرية والسخط معًا في قضية الطائرات الورقية، أن مجلس السلام، الجهة الدولية المعنية بإرساء السلام في غزة، تتبنى الرواية الإسرائيلية حول هذه المزاعم العبثية، وتتناول الطائرات الورقية بالفعل على أنها أحد الأنشطة العسكرية للمقاومة، وتصرح من خلال أحد مسؤوليها بأن جميع الأنشطة المسلحة في غزة بما في ذلك إطلاق الطائرات الورقية، يجب أن تتوقف. ألهذه الدرجة أصبح لعبث نتنياهو غطاء دولي؟ كيف يجري نقل الرواية الأمنية الإسرائيلية العبثية إلى خطاب مؤسسة دولية، يفترض أنها تعمل من أجل إنهاء الحرب؟ إن هذا السلوك لتلك المؤسسة الدولية، يخلق انطباعًا مبررًا بأن لها وظيفة جزئية في إدارة مخاوف نتنياهو بدلًا من إدارة الطريق إلى السلام، ويشكك في قدرتها على تفعيل خطة السلام بشكل عادل. وإزاء الإجراءات المنطقية التي اتخذتها اللجان الشعبية في منع الأطفال من إطلاق الطائرات الورقية حرصًا على سلامتهم، لا نجد إلا رثاء هذه الطفولة البريئة المنتَهكة.

465

| 29 أغسطس 2026

الأزمات فرصة لإعادة اكتشاف الحقيقة

يقول مصطفى السباعي رحمه الله: "وفي المآزق ينكشف لؤم الطباع، وفي الفتن تنكشف أصالة الآراء". فهكذا الأزمات والمحن، تكشف الصديق، ويتبين فيها الصادق من الكاذب، فلئن كانت السراء يسير في ركبها الجميع دون تمييز، ويحسن الكلُّ معسول الكلام، فإن الأزمة تكشف من كان يتصنع الحرص على المصلحة العامة ممن كان هذا حاله على الحقيقة. جزى الله الشدائد كل خير.....وإن كانت تغصصني بريقي وما شكري لها إلا لأني...... عرفت بها عدوي من صديقي الأزمات ليست مجرد أوقات تضع أثقالها ثم تمضي، وإنما لحظات كاشفة تختبر فيها المعادن وتسقط الأقنعة عن الوجوه، وتضع الناس أمام حقيقتهم، فما أوسع دائرة الأصدقاء في الرخاء، عندما تعلو الأصوات المتحمسة، ويظهر الجميع حرصهم، ويتنافسون في إلقاء حسن القول، ولكن حين تضيق المساحات وتشتد المحن، انفضت الجموع إلا من الصادقين. ولعل عبارة ابن خلدون: "الناس في السكينة سواء، فإذا جاءت المحن تباينوا"، تلخص إحدى أعمق حقائق الاجتماع البشري، إذ إن الرخاء لا يفرض على الناس كثيرًا من الاختيارات الصعبة، بينما المحن تكشف عن فعل الإنسان إذا غدا الصدق ذا كلفة، والوفاء أعظم كلفة. حينها لا يعود الكلام وحده كافيًا، وتتراجع قيمة الشعارات أمام قيمة الموقف. الأزمة تضع ما بداخل الإنسان في دائرة الضوء، فيظهر صدقه من تصنعه، والذي يجعل المصلحة العامة ستارًا يخفي وراءه مصالحه الشخصية يجد نفسه عاجزًا عن الاستمرار في أداء الدور نفسه. ومن أخطر ما تكشفه الأزمات أولئك الذين يرفعون شعارات الحرص على المصلحة العامة وهم في الحقيقة لا تجاوز أعينهم النظر إلى مصالحهم الخاصة، فهم يتحدثون عن المسؤولية بينما يبحثون عن النجاة الفردية، ويرفعون الراية العامة بينما يفاوضون سرًا على مصالحهم الشخصية، تجدهم قلقين دائمًا على مواقعهم ومكاسبهم لا على ما يقتضيه الصالح العام. ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله المجتمعات هو أن تكافئ أصحاب الأقنعة بعد انكشافها، فالأزمة لا تنتهي بانتهاء الحدث؛ بل تبدأ بعدها مهمة أخرى: حفظ الذاكرة، من أجل التعلم والاعتبار لا الانتقام وتصفية الحسابات، فمن ثبت في الأزمة يُعرف له ذلك ويُكافأ عليه، ومن ولّى الأزمة ظهره تتم مراجعة موقفه وتجربته بموضوعية، بيد أن من استغل الأزمة لتحقيق مصالحه الخاصة ينبغي ألا يعاد طرحه كنموذج أو تصديره في مواقع المسؤولية. إن العدالة في تقييم المواقف بالأزمات ضرورة لبناء الثقة، فمتى رأى الناس أن الصادق في الأزمة والمُتاجر بها سواء، فإنهم بذلك يتأصل لديهم مفهوم بالغ الخطورة: لا تكن مخلصا أكثر مما ينبغي. وعندما يصبح هذا الانطباع سائدًا تتآكل المجتمعات من الداخل، لأنه في هذه الحال سوف يتوقف الناس عن البذل والتضحية من أجل الصالح العام، ويصبح كل فرد مشغولا بتأمين موقعه الخاص. لهذا، فإن الأزمات والمحن رغم قسوتها تحمل في داخلها فرصة نادرة لإعادة اكتشاف الحقيقة، فإنها تقول لنا من نثق به، ومن نستمع إليه، ومن يستحق أن يتحمل المسؤولية، ومن كان بارعًا فقط في صناعة الصورة. وفي كل أزمة، ثمة وجوه جديدة تلمع؛ أناس لم يكونوا في الصفوف الأولى، لكنهم يتقدمون حين يحتاجهم الناس. وثمة وجوه أخرى تتراجع، رغم أنها اعتادت تصدر المشهد في أوقات الهدوء. ليست قيمة الإنسان في مقدار ما قاله عندما كان الكلام بلا ثمن، وإنما في مقدار ما فعله عندما أصبح للفعل ثمن. وليس الصادق من يكثر الحديث عن الوفاء، بل من يبقى وفيًا عندما يصبح التخلي أكثر راحة. وليس المخلص للمصلحة العامة من يعلن حبه لها، بل من يقبل أن يخسر شيئًا من أجلها. هكذا تأتي الأزمة والمحنة كمرآة لا تجامل أحدًا. قد تؤلم، وقد تصدم، وقد تكشف ما كنا نفضل ألا نراه، لكنها في الوقت نفسه تمنحنا معرفة لا توفرها سنوات طويلة من الرخاء، إنها تضع الناس في أماكنهم الحقيقية، وتسقط المساحيق، وتمنح الصدق فرصة كي يظهر. ولذلك، يكون السؤال الأهم حين تنتهي الأزمة: ماذا عرفنا؟ ومن عرفنا؟ ومن ثبت حين تزلزل كل شيء؟ وليس السؤال: من خسرنا؟

567

| 22 أغسطس 2026

مخاوف صهيونية

تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنها القوة المتماسكة التي لا تُقهر، والتي تمتلك أدوات السيطرة في الشرق الأوسط، والأقدر على خوض الصراعات ومد النفوذ والتأثير دون منازع. هذه النظرة المغالية للكيان الإسرائيلي تتجاوز حقيقة هامة، قد تناولها العالم الموسوعي الراحل عبد الوهاب المسيري، وهي أن دولة الاحتلال قائمة على أمرين اثنين: الغياب العربي والدعم الأمريكي، فقوتها ليست ذاتية، وإنما تستمد بقاءها من الدعم الأمريكي المفتوح، ومن غياب وحدة الكلمة العربية. الداخل الإسرائيلي هش، خلافًا لما يتصوره الكثيرون، والإسرائيليون يعيشون تحت ضغط هواجس الزوال والانهيار، لأسباب سياسية واجتماعية وبنيوية وأخرى نبوءاتية. تستند التوقعات بزوال دولة الاحتلال على كونها دولة وظيفية، أنشأها الاستعمار لتحول دون قيام وحدة عربية وإسلامية في الشرق الأوسط، وتقوم بعزل عرب آسيا عن عرب إفريقيا، ورعاية المصالح الغربية في المنطقة، وبناء على ذلك تتعرض هذه الدولة لخطر التآكل بصمود واستمرار المقاومة من قبل أصحاب الحق والأرض. مصير الزوال واقتراب النهاية لدولة الاحتلال، حديث شائع في الأوساط الدينية والسياسية الصهيونية داخل وخارج فلسطين المحتلة، حتى أن هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وهو يهودي من أصل ألماني، تنسب إليه تصريحات تتحدث عن الزوال القريب لدولة إسرائيل. في كتابها الموسوم بـ "وجه المرآة"، عددت الكاتبة ياعيل موشي ديان، ابنة وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي ديان، العوامل المنذرة بتفكك المجتمع الإسرائيلي، فتقول: "ما بين التصدع القومي والتصدع الديني والطائفي والطبقي، تتشكل عوامل انهيار دولة إسرائيل في المستقبل، أو على أقل تقدير دخولها في دوامات الصراع الداخلي". ويعزز هذه المخاوف لدى الإسرائيليين، التناحر بين الطوائف الدينية من جهة، والنخب الثقافية والكيانات السياسية من جهة أخرى، وتفاقم العنصرية، وهيمنة اليمين المتطرف الذي لا يؤمن سوى بالبندقية، ويرفض التسويات السلمية. وأشد ما يتهدد بقاء دولة الاحتلال، هو الهجرة العكسية المتنامية بسبب المخاوف من المقاومة الفلسطينية، والسياسات العدائية للحكومة المتطرفة والتي تجعل من دولة الاحتلال مطوقة بعداء الشعوب المجاورة. تتفاقم مخاوف الهجرة العكسية نظرًا لأن الجيل الحالي من الإسرائيليين - والذي تشكل بعيدًا عن جيل التأسيس وثقافته الصهيونية الراسخة – جيل لا يعبأ بالقيم التي أرساها المؤسسون، بل ينصب اهتمامه على الاستهلاك والرفاهية، والتي ترهن وجوده بمدى قدرة حكومة الاحتلال على احتواء تطلعاته المعيشية. الهواجس الضاغطة على الإسرائيليين بالزوال الوشيك لدولتهم، تتعلق كذلك بسبب نبوءاتي، ضمن ما يسمى بلعنة العقد الثامن التي يؤمن بها كثير من الإسرائيليين، وهو مصطلح يشير إلى زوال دولة إسرائيل في عقدها الثامن، استنادًا إلى أن الممالك اليهودية القديمة زالت أو بدأت في التفكك في عقدها الثامن. رئيس الوزراء السابق إيهود باراك صرح قبل سنوات في مقال له على صحيفة يديعوت أحرونوت بمخاوفه من زوال دولة إسرائيل في غضون سنوات وهو ما يوافق بلوغها العقد الثامن. أما رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، فقد اعرب في تصريح له قبل تسع سنوات عن مخاوفه من عدم وصول دولته إلى المئوية بسبب هذه العقدة، وأطلق وعده بأنه سيعمل جاهدا ليتخطى بدولة إسرائيل هذه العقدة. لدى الإسرائيليين شعور بالخطر المستمر، كنتيجة لعملية السطو التاريخي التي قاموا بها في الأراضي الفلسطينية، والصورة الذهنية التي تكونت لدى شعوب العالم بأنهم يمثلون شعبًا لقيطًا تم جمعه من أصقاع الأرض ليسلب أرض فلسطين. نتيجة لوجودهم في البيئة العربية اللافظة لمشروعهم، تستبد بهم الهواجس الأمنية، فحالهم كما قال الله تعالى في كتابه الكريم (يحسبون كل صيحة عليهم). هذا الاضطراب المستمر والقلق الدائم يقتل الشعور بالاستقرار ويحد من ثبات الهوية، ويبدد مع الوقت مشاعر الانتماء، وهو بلا شك مسمار يدق في نعش دولة الاحتلال. الحديث الراهن عن دولة الاحتلال ليس عن احتمال الانهيار، وإنما يدور عن وقت الانهيار.

813

| 15 أغسطس 2026

لغتنا الجميلة.. هوية ينبغي الحفاظ عليها

في رواية "رحلة إلى مركز الأرض" للروائي الفرنسي جول فيرن، وصل أبطالها إلى مركز الأرض، وتركوا أثرًا قبل المغادرة يوثق هذه الرحلة العجيبة، كان هذا الأثر نقشًا باللغة العربية، فُسئل المؤلف الذي عاش في القرن التاسع عشر عن سبب اختياره للغة العربية دون سائر اللغات، فأجاب: لأنها لغة المستقبل. ربما يكشف هذا المقطع جانبًا من أزمتنا مع اللغة العربية، وهو أننا لا نعرف قدرها، وتم اختطافنا ببريق الحضارة الغربية فأصبحنا نهتم بلغاتها على حساب لغتنا التي صرنا ننظر إليها باعتبارها ركامًا ثقافيًا. لقد صنفت المصنفات في خصائص وسمات اللغة العربية التي تمتاز بها عن غيرها من اللغات، فمن ذلك اتساع معجمها اللفظي، فتجد ألفاظا عدة تعبر عن المعنى الواحد، وبذلك تتيح لمن يتكلم بها شجاعة وثباتا، فإذا تعسر في كلمة أتى بما يرادفها، فلا يهاب فقدانها بالنسيان أو بالعجز عن نطق بعض الحروف. فهي أغنى لغات العالم وفق تعبير المستشرق الألماني جورج فريتاغ، ففي حين لا تحتوي الفرنسية إلا على خمسة وعشرين ألف كلمة، تجد أن عدد الألفاظ المستعملة من اللغة العربية أكثر من خمسة ملايين وتسعة وتسعين ألف لفظ، من جملة ما يقارب ستة ملايين وسبعمائة ألف لفظ. ومن خصائصها كما جاء في كتاب "القياس في اللغة العربية" لـ محمد الخضر حسين "أنها أقرب لغات الدنيا إلى قواعد المنطق، بحيث أن عباراتها سلسلة طبيعية، يهون على الناطق صافي الفكر أن يعبر فيها عما يريده من دون تصنع وتكلف باتباع ما يدله عليه القانون الطبيعي". وهي أكثر اللغات عذوبة وجمالا وحسن تركيب، فما من كلام يعدل كلام العرب في عذوبته وحسن بيانه واختصاره وطريقة التأليف بين حروف الكلمة الواحدة، لذلك لدينا تراث ضخم من التراث العربي الرائع من شعر ونثر يفوق كل وصف. الحديث عن سمات وخصائص اللغة العربية أكثر بكثير من أن يحيط به هذا المقام، لكن لابد من الإشارة إلى أن اللغة العربية منذ أن ارتبطت بالقرآن بعد نزول الإسلام، لم تعد لغة أمة العرب وحدهم، بل صارت لغة فكر وعقيدة وثقافة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. هذا الارتباط قد أكسبها صفة الخلود، لأنها ترتبط بأصل خالد وهو القرآن الكريم، الذي نزل باللسان العربي، حيث حافظ القرآن عليها من الاندثار. اللغة العربية هي المعبرة عن هويتنا وحضارتنا، ولذا تعرضت لمؤامرات متواصلة ارتبطت بالاستعمار والاستشراق والتبشير والصهيونية، وعلى سبيل المثال، كانت هناك دعوات إبان الاحتلال البريطاني لمصر إلى معارضة العربية الفصحى لغة القرآن، وتشجيع المصريين على اللهجة العامية واعتبارها حجر الزاوية في البناء الثقافي والتعليمي في مصر، وتم الربط المتعسف بين التخلف وبين اللغة العربية بلا برهان، مع أنها نفس اللغة التي كانت لسان الحضارة الإسلامية التي أذهلت العالم. كانت هناك دعوات أخرى لاستبدال الحرف العربي باللاتيني، فهي إن وجدت رفضًا في بعض الدول إلا أنها نجحت في أخرى، تركيا على سبيل المثال، كما كانت هناك محاولات لتعميم لغة وسطى تجمع بين الفصحى والعامية، إضافة إلى العمل على التحلل من أصول وقواعد اللغة العربية. نحن نزداد ابتعادًا عن لغتنا خاصة الجيل الحالي، ومن ثم فإن هويتنا محفوفة بالمخاطر، فمن الواجب دعم التحدث باللغة العربية، ويمكن أن يكون ذلك من خلال عقد لقاءات دورية للمتخصصين يتم فيها التحدث والنقاش بالعربية الفصحى، وتصحيح الأخطاء اللغوية عن طريق القائمين على اللقاء، على غرار ما يقوم به معلمو اللغات الأجنبية في مؤسساتنا التعليمية من الشرح والمناقشة باللغة المراد تدريسها، فمع مرور يكتسب الطلاب سلامة النطق بها. كما يمكن عقد دورات تدريبية خاصة بالآباء والأمهات في اللغة العربية، بهدف دعمهم في التحدث مع أبنائهم وذويهم في المنازل باللغة الفصحى، لجعلها أمرًا أساسيًا في حياتهم. في الوقت نفسه، يمكن للمراكز المعنية بالهوية واللغة العربية، أن تنشئ رابطة لمعلمي اللغة العربية، تتمكن خلال التواصل معهم من دمجهم في هذا المسار، والتزام المعلم بالتحدث مع طلابه بالفصحى خلال الحصص المقررة مع التصحيح للأخطاء. الأدوات والوسائل التي ندعم بها اللغة العربية كثيرة، فقط تحتاج إلى قناعة وإرادة وهمم عالية تقوم بترجمة ما يسطره القلم إلى واقع عملي يسهم في إنقاذ اللغة.

513

| 08 أغسطس 2026

حين يفقد العلم بوصلته الأخلاقية

لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية تمكنت من صنع واحدة من أعظم الثورات العلمية في التاريخ البشري، وفتحت آفاقًا غير مسبوقة أمام المعرفة، ودفعت الإنسان إلى اكتشافات كان يظنها من ضروب الخيال. لكن في الوقت نفسه تصطدم هذه الثورة العلمية بسؤال ملح يفرض نفسه في خضم هذا السباق المحموم عن ذلك الإنسان، ألا يزال هو الغاية التي يدور حولها العلم، أم أنه أصبح مجرد أداة على طريق الإنجازات؟ على الرغم من الإنجازات العلمية الهائلة للغرب، إلا أنه قد انتهى به الأمر إلى تهميش الإنسان نفسه بعد أن صار للعلم منطقه الخاص، يتراكم ويتمدد بلا سقف أخلاقي ولا بوصلة قيمية تحدد غايته واتجاهاته. المشكلة في الفلسفة التي تحكم العلم ومرجعيته التي تسيّره لا العلم نفسه، وذلك حين يحدث الفصام النكد بين العلم والأخلاق، فيفقد العلم سمة التمييز بين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله، فيكون الإنجاز هدفًا قائمًا بذاته ولو كان على حساب الإنسان، والذي لم يوجد العلم بالأساس إلا لخدمته. سبر الغرب أغوار الذرة وكشف كثيرًا من أسرارها، فبدلا من حصرها في خدمة الجنس البشري، أطلق سباقًا نوويًا جعل العالم على حافة الدمار وتحت تهديد دائم بالفناء، وخلّفت تجاربه نفايات إشعاعية تعاني منها الأجيال اللاحقة، فتحولت المعرفة من وسيلة لحماية الإنسان إلى مصدر تهديد وجودي له. والثورة الصناعية في الغرب كذلك منحت البشر أدوات إنتاج هائلة، ورفعت مستويات المعيشة في كثير من المجتمعات البشرية، لكن الثمن كان باهظًا، إذ طغت شهوة الإنجاز على مصلحة الإنسان وأسهمت الإنبعاثات الناتجة عن الاستخدام المكثف للفحم والنفط والغاز في تسارع التغيرات المناخية، حتى صار الاحتباس الحراري أحد أبرز التهديدات التي تواجه الإنسانية، بينما لا تزال الدول التي تقود هذا النموذج الصناعي تتعامل مع تلك المشكلة بمنطق المصالح والتوازنات السياسية أكثر من تعاملها معها باعتبارها تهديدًا وجوديًا يمس مستقبل الجنس البشري. تخطى هذا العبث حدود البيئة والمناخ إلى الهندسة الوراثية والتعديلات الجينية، فأصبح الإنسان حقلا للتجارب دون إدراك كاف بالعواقب، فقدمت الأرباح الاقتصادية على سلامة الإنسان، والذي فرض عليه قبول المنتجات المعدلة وراثيا على الرغم من أخطارها المحدقة بصحة البشر. ولهذا لم يكن مستغربًا أن يصف عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران جانبًا من الحداثة بأنها دخلت طورًا جديدًا من الهمجية؛ همجية لا تحمل ملامح التخلف، بل ترتدي ثوب المختبرات والتكنولوجيا والعقلانية، فتغدو أكثر خطرًا لأنها تمتلك أدوات العلم دون أن تلتزم دائمًا بحكمته. إن الخطأ الحقيقي يكمن في تحويل التجربة الغربية إلى نموذج مكتمل لا يقبل المراجعة، وفي استيرادها بكل تناقضاتها، كما لو أن التقدم لا يتحقق إلا عبر الطريق ذاته، بما فيه من نجاحات وإخفاقات. فالحضارات لا تُقاس بما تمتلكه من مختبرات فحسب، وإنما بما تحققه من توازن بين المعرفة والضمير، وبين القوة والمسؤولية، وبين العقل والقيمة. ولعل أخطر ما تسلل إلى وعينا خلال العقود الأخيرة هو التسليم بأن العلم لا يزدهر إلا إذا تحرر من المرجعيات الأخلاقية، وكأن القيم تمثل عبئًا على النهضة لا ضمانة لاستمرارها. غير أن التجربة الإنسانية نفسها تكشف العكس؛ فكلما ازداد العلم قوة، ازدادت حاجة الإنسان إلى منظومة أخلاقية تضبط استخدامه، وتحول دون تحوّله إلى أداة تهدد وجوده. إن المستقبل لن يكون لمن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا وحدها، بل لمن ينجح في إعادة الاعتبار إلى الإنسان داخل مشروعه الحضاري، فالعلم الذي لا يحرسه الضمير قد يحقق إنجازات مبهرة، لكنه قد يقود في الوقت ذاته إلى كوارث لا تقل حجمًا عن إنجازاته. أما الحضارة التي تجعل الإنسان غايتها الأولى، فإنها وحدها القادرة على أن تصنع تقدمًا يليق بالإنسان، ويحفظ له كرامته، ويجعل من المعرفة طريقًا للعمران لا للهدم، وللحياة لا للفناء. كلماتي ليست نقدًا لمخرجات الحضارة الغربية بقدر ما هي صيحة تحذير لكل مفتون بالنسق الغربي دون رويّة، من الفصل بين العلم والأخلاق، واعتبار الفصام بينهما طريق الازدهار والبناء.

741

| 01 أغسطس 2026

احترموا صغاركم

ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا كثيرًا ما تنصرف أذهاننا لدى الحديث عن الاحترام أنه يُمنح من الصغير إلى الكبير. إظهار الاحترام للآخرين سمة عامة للعقلاء وذوي الفضائل، فالحاجة إلى التقدير والاحترام تقع ضمن المستويات الخمسة للاحتياجات النفسية التي تشكل دوافع السلوك البشري، فما من إنسان مهما كان عمره أو جنسه أو موقعه إلا ويحتاج لأن يحظى باحترام الآخرين وتقديرهم. كثيرًا ما يتم التعامل مع الطفل بعيدًا عن هذه الدائرة، وقد يتم إهدار شخصيته بدعوى التربية والتوجيه والتعويل على ضعف إدراكه في مرحلة الطفولة. إن الطفل أرض شديدة الخصوبة، كل ما يغرس فيه ينمو فيه بسرعة ورسوخ، وذاكرته البكر لا تسقط المواقف التي يتعرض لها في الصغر، وربما بلغ الإنسان من الكبر عتيًا ولا تزال آثار التربية الخاطئة التي تعرض لها في الصغر محفورة في وجدانه، تضغط عليه بأثر رجعي. إظهار الاحترام للطفل ضرورة تربوية، فهي تغرس في وجدانه أن الاحترام صورة نمطية عامة لما ينبغي أن يكون عليه الناس في تعاملاتهم، ومن ثم تصبح هذه القيمة لازمة له في شتى مراحل عمره. كما أن احترام الطفل يمنحه الثقة بالنفس التي تفجر فيه سمات الإقدام والإيجابية والإبداع، خلافًا للطفل الذي تُهدر كرامته وحقوقه تحت مظلة التربية، والذي يتقوقع في مشاعر سلبية لا حصر لها جراء هذا النمط التربوي العقيم. الطفل يحتاج إلى كلمة شكر عندما يلبي لك طلبًا، يحتاج إلى أن تحترم خصوصياته وممتلكاته الخاصة لا أن تعبث بها لأنك اشتريتها له بمالك، يحتاج إلى استيعاب عقليته الغضة لا أن تسكته بإشارة غاضبة قائلا: أنت ما زلت صغيرا غدا تفهم. يحتاج الطفل إلى أن يتكلم ويُسمع له لا أن يُسخر من لغوه، يحتاج إلى أن يجد نفسه بين الكبار لا أن يُطرد من حضرتهم لأنه صغير. يحدث في بعض مساجدنا أن يحرص الطفل على الوقوف في الصفوف الأولى للمصلين وسط الكبار، ربما تقليدًا لغيره من المواظبين على الصف الأول أو لإدراكه فضيلة الصلاة في الصفوف الأولى، لكنه يُصدم بمن يشير إليه للوقوف في آخر صفوف المسجد، فيتقهقر خجلًا، مع أن الصبي الذي يميز إذا سبق إلى الصف الأول لم يجز إخراجه كما قال الفقهاء ومنهم ابن حجر الهيثمي رحمه الله إذ يقول: "الصبيان متى سبقوا البالغين إلى الصف الأول لم يجز لهم إخراجهم"، وذلك لأن من سبق إلى شيء فهو أحق به. بعيدًا عن التكييف الفقهي، فإن هذا الصنيع يشعر الطفل بعدم الاحترام والتقدير، وأن ذنبه في الحياة أنه لا يزال طفلًا. قدوتنا وإمامنا والمربي الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب لنا من خلال سيرته العملية نموذجًا تربويًا فريدًا في احترام وتقدير الصغار. في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: «يا غلام أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟» فقال: ما كنت لأوثر بفضل منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه. ها هنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرين يعبران عن حرصه الجم على احترام الصغير في العملية التربوية والتنشئة الصحيحة. ففي البداية، استأذن الصبي في أن يعطي الكبار قبله، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوزه وأعطى الكبار قبله بما جرت عليه عادة الناس وبلا استئذان، فلا أخالُ أن الأمر سيكون لافتًا لذي بال، لكنه كان في هذا المقام يغرس في نفس الطفل غرسًا وعينه على مستقبل هذا الطفل وآفاقه الممتدة، فاحترم ما يراه الطفل حقًا له، واستأذن منه على جلال قدره ومقامه لأن يسقي الأشياخ قبله. ثم استمع بصدر رحب إلى اعتراض الصبي ومسوغات رفضه بلا ضجر، ثم في النهاية استجاب لتشبث الصبي بحقه واحترم رأيه وأعطاه القدح. بمثل هذه التربية النموذجية الفريدة صنع النبي صلى الله عليه وسلم رجالًا أفذاذًا، وشخصيات ينحني لها التاريخ إجلالًا، ولم يكن غريبًا أن يقود أسامة بن زيد وهو في السابعة عشرة، جيشًا فيه كبار الصحابة، وكل ذلك ناشئ عن التربية الصحيحة.

804

| 25 يوليو 2026

مرَّ... وهذا الأثر

وكن رجلًا إن أتوا بعده... يقولون: مرّ وهذا الأثر.. هذا البيت الذي جادت به قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي، لم يكن مجرد حكمة شعرية عابرة، وإنما هو تجسيد بليغ لمعنى الوجود الإنساني، فحياة المرء لا تُحسب في سياق الزمن بما عاشه من سنوات، وإنما بما تركه من أثر في الناس، وبما أضافه في حياة البشر، فمن لم يزد في الحياة كان زائدًا عليها. تفنى الأعمار وتبقى الآثار، يرحل الرجال وأعمالهم في صناعة الإنسان والحياة باقية، وتخلد سيرتهم بما صنعوه في الناس كالأمثال السائرة، وتلك من أبرز خصائص الإنسان، أنه قادر على أن يمتد بعد موته وإن توقف نبضه، ولذا ظل المصلحون أحياء رغم تعاقب الدهور، إذ تركوا إرثًا من علم أو قيم أو إصلاحات ينتفع بها الأنام. ويشهد لسان التاريخ بأن كل نهضة يقف وراءها أناس لم يسألوا عما سيأخذونه من الحياة، وإنما كان همّهم: ماذا سنضيف إليها. إن أروع ما في فكرة الأثر، أنها تمنح الحياة معنى يتجاوز حدود الأفراد وحدود الزمان والمكان، فالإنسان الذي يسعى في حياته لأن يترك أثرًا، يعلم أنه قد يغرس ويجني غيره الثمار وربما يكون الحصاد في زمن غير زمنه وأرض غير أرضه، وقد لا يدرك في حياته مدى تأثيره، لكنه يؤمن بأن الغرس في حد ذاته رسالة. هناك أثر مُختلق أو ربما واهٍ، يتم تفخيمه وتعظيمه وتلميعه بأساليب الدعاية، إلا أنه سرعان ما يُنسى وينقطع ذكر صاحبه كأنه لم يكن، أما الأثر الحقيقي الذي يتركه المرء وينتفع به الناس على الحقيقة، فهو الذي يبقى ويخلد صاحبه. ربما يتحدث الناس عن أثر المرء حال حياته، إلا أن بعض أصحاب الأثر، قد يكون موتهم انطلاقة قوية لظهور هذا الأثر، فيزداد بالموت ألقا وتوهجا وذيوعًا، تتناقله الألسن والأقلام غضا طريًا كأنه حديث عهد بحياة الناس. هكذا رأيت أثر الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته، ذلك أنني على الرغم من متابعتي السابقة لإنجازاته، إلا أن وفاته قد جمعت في ذهني شمل الصور المتفرقة للإنجازات وأضافت إلي ما لم أكن أحيط بها علمًا. ثمانية عشر عاما قضاها الشيخ حمد رحمه الله في صناعة النهضة القطرية، وبناء دولة المؤسسات، وترسيخ اقتصاد قوي يستثمر قوة الغاز الطبيعي التي حباها الله تلك الأرض، وتحقيق قفزة واسعة في مجال التعليم والبحث العلمي، وتحقيق طفرة إعلامية تتمثل في شبكة الجزيرة القائمة على أحدث النظم الإعلامية التي وضعتها في مصاف الشبكات المرموقة في العالم، وأرسى دعائم سياسات خارجية تقوم على الانفتاح الموزون وتعزيز دور الوساطة القطرية في فض النزاعات والصراعات. كما ارتبط اسم الأمير الوالد بالقضية الفلسطينية وخاصة قطاع غزة، والذي زاره كأول زعيم عربي تطأ قدماه غزة عام 2012 كاسرًا للحصار الصهيوني المفروض على القطاع، وله من جهود الإعمار والإغاثة ما لا ينكره إلا جاحد مغرض، فلم يكن غريبا أن تقام له مجالس العزاء في قطاع غزة، ونتيجة لآثاره الطيبة في دول العالم الإسلامي أطلق اسمه على شوارع بعض العواصم الإسلامية، وأقيمت عليه صلاة الغائب في عدة دول. أنا هنا لست بصدد تعداد إنجازاته وآثاره التي تركها رحمه الله، فالمقام أضيق من استيعابها، لكن حجم التفاعل في العالم العربي والإسلامي مع رحيله فاق التوقعات، وظهرت آثاره بعد رحيله بقوة، ما يدفعني لأن أسوق حياة الأمير الوالد وصنيعه كنموذج لهذه القيمة العظيمة، قيمة أن يترك الإنسان في حياته أثرًا يُخلد به بين الأنام ذِكره، ويكون قدوة لغيره، وينفعه يوم القيامة عند ربه، فأثر الإنسان من خير أو شر يُحصى عليه (ونكتب ما قدموا وآثارهم).

525

| 18 يوليو 2026

بل الشكر على الواجب

تطلق المرأة أسمى عبارات الشكر والثناء لمن يبذل إليها هدية أو أعطية من أقاربها أو أصدقائها، لكنها ربما لا تُسمع زوجها الذي ينفق عليها لسنوات طوال كلمة شكر، والعلّة: هذا واجب عليه. يرى الرجل أنه مدين بالشكر لغيره بسبب وجبة تُقدم له خارج بيته ويكرر عبارات الثناء على مُعدّها، بينما يعيش طيلة حياته الزوجية تطعمه زوجته مرّات باليوم الواحد ولا تسمع منه كلمة شكر واحدة، والعلة: هذا واجب عليها. لقد ضاعت بيننا قيمة الواجب فلا نكاد نراه، لأننا ألفناه واعتدنا عليه، فلم يعد يندرج في حسّنا تحت كلمة "المعروف"، وأصبح صاحب البذل العارض أو الطارئ هو من يفوز بتقديرنا وثنائنا. دائما ما نكرر عبارة "لا شكر على واجب"، وهي إن كانت تقال ردًا على من شكرنا لصنيعنا معه، إلا أنها تحمل في طياتها قناعة بأن فعل الواجب لا يستوجب الشكر والثناء. هذا المسلك الرديء كثيرًا ما يزهّد الناس في القيام بواجباتهم، لأن الإنسان بطبعه يحب أن يرى أثر أفعاله الحسنة على الآخرين، وقد حكي أن امرأة كانت تطبخ لأسرتها على مدى سنوات طوال دون أن تسمع من أحدهم كلمة شكر واحدة، فذات يوم وضعت لهم في الطعام تِبنًا أو شيئا من ذلك، فهاجوا وصرخوا، فكان ردها: حسنًا، قد أدركت أنكم تميزون بين الطعام والتبن، فوصلت إليهم الرسالة. المشكلة في عدم إدراكنا أن الواجب يحتاج فعله إلى جهد وإلى شعور بالمسؤولية وإلى استعداد نفسي أيضًا، فليس لأنه واجب يكون يسيرًا على فاعله، خاصة وأن الواجب كثيرًا ما يأخذ صفة الاستمرارية والديمومة، خلافًا للمعروف التطوعي الذي يحصل ربما بسبب مناسبة معينة أو موقف معين، ومن ثم كانت عبارات التحفيز والتشجيع والشكر والثناء آكد في حق من يقوم بالواجب. من يرى فيمن يقوم بالواجب نحوه دون أن يحصل منه على كلمة شكر شيئًا عاديًا، حريُّ به أن يسأل نفسه: من ذا الذي يقوم بواجباته في هذا العصر؟ فهذا الواجب الذي لا يلتفت إليه ويضن على صاحبه بكلمة شكر أو ثناء، كثير من الناس يقصرون به أو ربما لا يقومون به من الأساس. القيام بالواجب منْقبة وفضيلة تستلزم إظهارنا الشعور بالامتنان لباذله وتقدير صنيعه، لا أن نتجاهله أو نقوم بتسطيحه. النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، ويقول: (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه). لكن الذهن دائما ينصرف إلى مكافأة من يسدي إلينا معروفًا على سبيل التطوع، دون الوقوف على حقيقة أن من يقوم تجاهنا بواجباته قد بذل إلينا معروفًا يستحق أن نكافئه عليه ولو بكلمات الشكر والثناء والدعاء له. القيام بالواجب ليس شيئًا هينًا، وتجاهله وتسطيحه وتهوينه خلل في التفكير، فلا يعني كونه واجبًا ألا يستحق المقابلة بالمثوبة، ولله المثل الأعلى يثيب على فعل الواجب أكثر من التطوع، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فليس لأن الفرائض والواجبات تأخذ صفة الإلزام يكون التطوع أكثر استحقاقًا منها في المثوبة. إننا بحاجة إلى نظرة جديدة منصفة تجاه من يقومون بالواجب، حتى لا يغدو فعله وعدمه سواء، وحتى لا يشعر باذله بأنه لا يُرى فقط لأن ما يفعله واجب، بل يحتاج إلى أن نوفي له حقه بالشكر والثناء والمكافأة، لئلا يصير القيام بالواجب قيدًا وربْقة يفعله صاحبه على مضض وكُره.

465

| 11 يوليو 2026

غارت أُمكم

غيرة المرأة أمر فطري في الرجال والنساء، ولكن نظرا لطبيعة المرأة وغلبة العاطفة على إدراكها للأمور، فقد تخرج بها الغيرة عن حد المعقول وإدراك العواقب، ومن ثم تحدث المشكلات. لذا يمكن القول إن استيعاب الرجل لغيرة المرأة هو أحد أهم مقومات نجاح العلاقة الزوجية واستمرار الدفء العاطفي وتحقق أجواء الثقة والاطمئنان. أول ما ينبغي أن يعلمه الرجل على طريق استيعاب غيرة المرأة، هو إدراكه أن هذه الغيرة غالبا ما تكون دليل محبة، وحساسيتها التي قد تكون مفرطة تجاه أي موقف يحدث للزوج يتعلق بامرأة أخرى، كثيرًا ما تكون انعكاسًا لخوفها من تحوّل مكانتها في قلب شريك حياتها، لذا عليه أن يعلم أن غيرة المرأة ليست في حد ذاتها مشكلة، فهي غالبا ما تكون رسالة تحمل في طياتها الحاجة إلى مزيد من الاهتمام والاحتواء. أشد الأخطاء التي يقع فيها الرجل إزاء غيرة المرأة، السخرية منها والتقليل من شأنها، والتعامل معها بسطحية وتسفيه المرأة واتهامها بضعف العقل أو الشخصية، وهذا الأسلوب يدفع المرأة للشعور بعدم التقدير، ويجعلها أكثر إصرارًا على إثبات صحة مخاوفها. المرأة في هذا الموطن تحتاج إلى الإنصات العاطفي والاستماع الجيد، ومنحها الفرصة للتعبير عن مشاعرها ومخاوفها بوضوح، فهذا من شأنه أن يخفف حدة توترها وانزعاجها، وإشعارها بأنها محل احترام وتقدير، ومن ثم تؤهل للاستماع إلى شريك حياتها وردوده دون أن تلح عليها ظنونها ومخاوفها. وإن مما يبعث الطمأنينة في قلب المرأة وإزالة مشاعر الغيرة الضاغطة عليها، تجنب الرجل للغموض، بل يلزم أن يكون واضحا في تصرفاته وتعاملاته، ويشاركها تفاصيل حياته، وهذا من شأنه أن يغرس فيها الثقة التي تعينها على السيطرة على غيرتها مهما كانت شديدة. الرجل يستوعب غيرة المرأة بتجنب التصرفات التي قد تثير غيرتها، مثل إدراجها في مقارنة مع نساء أخريات ولو في الطهي، أو المبالغة في مدح امرأة أخرى أمامها، خاصة إذا تراكمت مثل هذه المواقف، حينئذ تزداد غيرتها اشتعالًا يصل في كثير من الأحيان إلى الشك. ومن المسائل المهمة في هذا الباب، ضرورة إشعار الرجل زوجته بأنها محل موضع وتقدير وإعجاب، وإمطارها بكلمات الثناء خاصة أمام الآخرين، فهذا بلا شك يعزز من ثقتها بنفسها، ويقلل من دوافع غيرتها، وذلك عندما تشعر بمكانتها لدى زوجها وتقديره لها، فلا تنشغل حينها بالمخاوف والهواجس. ومن جميل ما قرأته بشأن غيرة المرأة واستيعابها من قبل الرجل، ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه (يعني عائشة)، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت). فعلى الرغم من الغيرة الشديدة التي ظهرت عليها أم المؤمنين عائشة، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يعنفها، وإنما تفهمها لعلمه أنها تصرفت بمقتضى فطرتها، بل وبرر لها صنيعها أمام الناس فقال: غارت أمكم. يفسر الإمام ابن حجر العسقلاني هذه المقولة الأخيرة في الحديث بقوله: "وقوله "غارت أمكم" اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحمل صنيعها على ما يذم بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها". فهنا استوعب النبي صلى الله عليه وسلم غيرتها، وبث في روعها الطمأنينة بهذه المعالجة الهادئة وسعة الصدر، إلا أنه أمر بما تصان به الحقوق ويُمنع به الظلم. المرأة بدورها مطالبة بإدراك حقيقة أن الثقة هي أساس الحب والمودة، فإذا كانت تطالب زوجها بتفهم غيرتها، فعليها كذلك ألا تبالغ في هذه الغيرة فتخرجها عن طبيعتها أو حقيقتها إلى الشك، فطالما أنه ليس لديها يقين بما يقدح في كونه محلا للثقة، فعليها أن تمنحه إياها دون أن تجعل الشك هو التفسير الأول لكل تصرفاته، فالحياة الزوجية تقوم على التوازن بين الحب والثقة، بين الاهتمام والحرية، وبين الاحتواء والاحترام المتبادل.

1302

| 04 يوليو 2026

ضاعوا عيالنا
ضاعوا عيالنا

(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس...

43554

| 14 سبتمبر 2026

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8817

| 20 سبتمبر 2026

المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة
المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة

في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...

7179

| 15 سبتمبر 2026

حين ندفع المعلم إلى الانسحاب
حين ندفع المعلم إلى الانسحاب

بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر...

3273

| 16 سبتمبر 2026

استئذان لا وداع
استئذان لا وداع

■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن...

3099

| 14 سبتمبر 2026

كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف
كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...

2622

| 18 سبتمبر 2026

لم نعد نمر بالأحساء
لم نعد نمر بالأحساء

لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق...

2265

| 16 سبتمبر 2026

سطوة الهاتف المحمول
سطوة الهاتف المحمول

نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...

1407

| 17 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1149

| 20 سبتمبر 2026

العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر
العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر

عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية،...

1074

| 15 سبتمبر 2026

الحلقة الغائبة في برامج إعداد المدربين
الحلقة الغائبة في برامج إعداد المدربين

هذا هو المقال الأول من سلسلة «قراءة في...

711

| 14 سبتمبر 2026

شكراً قطر الخيرية.. أيتام الصومال على منصة التتويج
شكراً قطر الخيرية.. أيتام الصومال على منصة التتويج

بدعوة كريمة من السيد يوسف بن أحمد الكواري،...

630

| 16 سبتمبر 2026

أخبار محلية