رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن الأدب الروائي قد أصبح له الحضور الأبرز في اهتمامات القراء العرب خاصة قطاعات الشباب، وغدت الرواية هي الملاذ الذي يلجأ إليه القارئ العربي للهروب من صخب الواقع، وأضحت الرواية هي المصنف الأكثر تداولًا وشهرة في معظم الأوساط، وباتت طباعة ونشر الروايات هي الركيزة الأساسية في عمل كثير من دور النشر العربية. دفع هذا الزخم كثيرًا من الشباب لخوض تجربة التأليف في الأعمال الروائية، وهذا في حد ذاته لا غضاضة فيه، إلا أن هذا التوجه كثيرًا ما يصطدم بانعدام أو ضعف الموهبة والذائقة الأدبية، وسطحية الفكرة، ووهن العلاقة بين المؤلف واللغة العربية وفنونها وقواعدها، واستغلت دور النشر التجارية هذه الرغبة المحمومة لدى الشباب في الالتحاق المتعسف بركب الروائيين، في تبني نشر أعمالهم الروائية مهما كانت رداءة المستوى. معظم هذه الدور التجارية تتربح من الكاتب ذاته من خلال تحميله كلفة الطباعة، وتقاسمه أرباح المبيعات، ولا تكترث بسمعتها فيما يخص معايير الجودة في النشر، فكانت النتيجة الطبيعية لذلك ظهور أعداد مهولة لعناوين روايات في المعارض الدولية للكتاب، ربما أخذت عناوين جذابة، حتى وإن كان المؤلف لا علاقة له بالأدب واللغة، والسبب هو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي الذي يمكنه إعداد رواية في دقائق، ويكون الاختلاف في المستوى النهائي للرواية معتمدًا على مدى التنسيق والمراجعة والتعديل والحذف والإضافة التي يجريها صاحب المُصنّف. علاقة الرواية بالذكاء الاصطناعي الذي يتطور بصورة مخيفة، أصبحت مصدر قلق ومخاوف من قبل الروائيين أصحاب الأقلام، الذين يشعرون أن الآلة صارت تنافسهم في ميدانهم، ومن ثم تدفقت الأسئلة: هل سيدفن الذكاء الاصطناعي مواهبهم وينفرد بالساحة؟ هل سقط كاتب الرواية الذي يبنيها من أولها إلى آخرها على مدى أشهر أو ربما سنة وسنتين؟ الإجابة بشكل مباشر وواضح: سوف يسقط كاتب التعبئة وليس الروائي، وسوف تُدفن الرواية السطحية التقليدية وليست تلك التي تعبّقت بالإبداع وكسرت حاجز المألوف والمعتاد. لن يرحم الذكاء الاصطناعي الذي يتطور باستمرار روايات الحب النمطية التي تعيد تكرار المكرر مثل التي تقوم على جمع الشتيتين بعدما ظنا كل الظن أن لا تلاقيا، ولن ترحم كاتب الخيال العلمي الذي لا يخرج عن فلك المخلوقات الفضائية والصراع مع كوكب الأرض، ولن ترحم كاتب الماورائيات حين يكتب عن الجن والأشباح والأعمال السحرية بنفس الصورة السائدة مع تغيير الأشخاص والسياق. الذكاء الاصطناعي لن يرحم أشباه هذه الأنماط، لأنه في جوهره آلة تجميع عملاقة، فلو كان لديه مليون رواية حول موضوع فيمكنه أن يمنحك بسهولة الرواية رقم مليون وواحد، بنفس القالب والإيقاع والنهاية، في زمن قياسي. الذكاء الاصطناعي سيقضي على الروائيين الذين يقتاتون على إعادة تدوير الأفكار، الذين تفزعهم الصفحات البيضاء فيركضون إلى القوالب الجاهزة، والذين يعيشون على استنساخ المضامين والأفكار سواء من الأعمال الروائية أو الدرامية، والذين لا يبذلون الجهد في استيلاد الفكرة الجديدة ورسم معالم السياق على غير مثال. أما المبدعون الموقنون بأن إنسانيتهم ومشاعرهم التي لا يملكها غريمهم الذكاء الاصطناعي هي المعين والمداد، فأولئك هم الذين سيجدون لهم مكانًا وموطئ قدم في هذا العالم. الذكاء الاصطناعي ربما يبرع في محاكاة الكتاب في وصف الجرح الإنساني، لكنه لم يعش هذا الجرح، سينقله بوصفه عملية استنساخ جوفاء، أما الكاتب البشري فوحده من يستطيع أن ينزف على الورق، ويجسد لنا الوجع حتى ينال من أرواحنا. الآلة تملك رصيد المعلومة والقدرة على المحاكاة، لكنها لا تملك المشاعر الحية النابضة، وعندما تكتب لك عن دموع الفقد عند القبور، لن تتأثر بها تأثُّرك بما سطّره الكاتب الذي عاش المشهد بوجدانه حتى رأى نفسه ذلك الباكي وأمام ذاك القبر، فجسّد لك المشهد بكل حيويته وسيولته وحرارته. الذكاء الاصطناعي سوف يلتهم العالة على الأدب الروائي، لا الروائيين المبدعين الذين يواجهون تطور الآلة بتطوير أدواتهم وآلاتهم ومعارفهم ومهاراتهم، ويدخلون مع الذكاء الاصطناعي في سباق محموم لإثبات حقيقة أن الإنسان هو من صنع الآلة. ومهما غرقت الأسواق بروايات الذكاء الاصطناعي، فحتما سوف يصل القراء إلى حالة من التخمة من تلك الروايات الميتة وجدانيًا، ويبحثون بلهفة عن رواية تحمل نفَس إنسان.
351
| 13 يونيو 2026
في كل بيت تقريبًا، مشهد متكرر لحوار صامت بين جيلين: جيل أدمن الشاشات وأصبح تعاطيه معها يتم بتلقائية وعفوية كأنما تم برمجته على ذلك، وجيل آخر يجتر الذكريات القديمة والعلاقات السالفة بين أفراد الأسرة، فيتباكى في صمت على الزمن الجميل. العلاقات بين الآباء والأبناء كانت تتطور عبر الأزمنة تطورًا طبيعيًا، بلا صخب يلفت، فقد كان لها ما يغذي نجاحها بمقتضى الفطرة والتعاليم الدينية والأعراف المتوارثة، فيحدث التلاحم والتمازج والاندماج بين الأجيال المختلفة في الأسرة الواحدة بشكل طبيعي سلس لا يحتاج إلى إعادة تقرير وتفصيل. مع عصر الثورة التكنولوجية والاتصالية والرقمية، اختلف الأمر تمامًا، فهناك جيل نشأ في كنف عالم رقمي مفتوح قد سحرته الشاشات وجعلته يعيش عزلة نفسية عن محيط أسرته وهو لا يدري، فلا تكاد ترى طفلًا أو شابًا يمكث ساعة واحدة دون أن تمتد يده إلى هاتفه بلا حاجة حقيقية ودون قرار مسبق، فهو أول ما يفعله حين استيقاظه، وآخر ما يفعله قبل نومه، وبين ذلك ساعات طوال من الاقتران بين الإنسان والآلة، حتى أثناء تناول الطعام أو قضاء الحاجة. في المقابل ينظر الآباء في أسى إلى ذلك المشهد اليومي وهذا الانفصال وهم يجترون ذكرياتهم عن العلاقات الصحية بين أفراد الأسرة والعلاقات التي كانت تبنى وجها لوجه، ويصبون جام سخطهم على تلك التكنولوجيا التي خلقت تلك الفجوة، التي تتسع مع كل تطبيق أو منصة رقمية جديدة تخطف اهتمام الأبناء. وفي حين ينظر الآباء إلى انشغال الأبناء بالشاشات بمزيج من الدهشة والقلق والحزن على فقدان الدفء في العلاقات الاجتماعية، يرى الأبناء أن آباءهم يبالغون في تلك النظرة، بل ويبادلونهم الدهشة بدهشة: لماذا هذه الثورة وهذه النقمة على الشاشات؟ لماذا يتخذون هذه المواقف المتشددة حيال لغة العصر؟ من هنا كانت نشأة المشكلة، كل جيل ينظر للقضية من خلال تجربته الخاصة التي يعتقدها الأصوب، جيل الذكريات يخشى على ضياع القيم الأسرية الأصيلة وروابطها المتينة، وجيل الشاشة الذين يرون الكبار يبالغون في التمسك بالماضي ويرفضون التكيف مع الحاضر، فتضيع فرص الحوار والتفاهم. تزداد الفجوة اتساعا عندما يكتفي الكبار بالنقد والتوبيخ وعقد المقارنات العلنية بين "أيامنا" و"أيامكم"، بينما يصم الأبناء آذانهم عن الاستماع لنصائح الكبار والاستخفاف بمضمونها ودواعيها انطلاقا من شعورهم بالامتلاء المعرفي الذي يتوهمونه مع الاقتران بالفضاء الرقمي الذي حول العالم إلى قرية صغيرة، وجعل الحصول على المعلومة بضغطة زر لا من خلال تقليب صفحات الكتب. بطبيعة الحال نتجه في مثل هذا الموطن إلى مخاطبة الآباء الذين يمتلكون الخبرة والحكمة والنظرة الأوسع للحياة. على جيل الذكريات إدراك أن هذه هي طبيعة هذا الجيل الذي افترسه عالم الرقمنة، وأنه من الصعب جدا إن لم يكن مستحيلا أن يقوموا بخلع الأبناء عن هذا العالم، وأن هذا بالفعل أصبح أمرًا واقعًا يجب التعامل معه بحكمة. الخطأ الذي يقع فيه الكبار، هو الاكتفاء بالنظرة البائسة إلى تلك الفجوة والتباكي على الزمن الجميل، أو الدخول في صراعات مع الأبناء، بدلًا من الصراع مع الشاشات. ينبغي على الكبار أن يدخلوا في علاقة تنافسية مع تلك الشاشات، من خلال الاحتواء والتقارب وخلق الأجواء الأسرية الدافئة المشوقة التي تجمع أفرادها، وتقنع الأبناء بشكل عملي أن الحياة أوسع من سجن الشاشة. بل لا نبالغ إن قلنا إنه يجدر بالكبير أن يشارك ولده أحيانًا اهتمامه بالشاشات، وإقناعه أن المشكلة ليست في التكنولوجيا، وإنما مع كيفية وأنماط التعاطي معها، ومن هنا يكون التركيز على التعامل الجدي المثمر مع ذلك الفضاء لتحقيق التوازن بين الترفيه والاستفادة العلمية والمعرفية والمهارية. التركيز لا ينبغي أن يكون على استئصال الشاشات من حياة الأبناء، إنما إقناعهم بضرورة التقنين لتفادي الآثار النفسية والصحية السيئة التي تنجم عن هذا الإدمان، وعلى الاختيار الأمثل للمضامين التي يتعرضون لها وتحقيق الاستفادة القصوى من خلال الشاشة. ولا يستثقل الكبير هذه المهام، فهو من اشترى الشاشة لولده في البداية، وهو من تركه لها بلا ضبط أو توجيه بحجة أنه صغير، ها هو الصغير قد كبر، وكبر معه التعلق، فلا مناص من القول: سددوا وقاربوا.
786
| 07 يونيو 2026
مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت المجتمعات مكشوفة، وما كان يحدث في السابق دون ضوضاء ودون إثارة الانتباه، أضحى اليوم مصحوبًا بتفاعلات جماعية، يتم تداوله وإبداء الرأي فيه من قبل الجميع، ويتحول في بعض الأحيان إلى قضايا رأي عام. حوادث الانتحار تدخل في هذا المجال، فعلى الرغم من أن الانتحار ليس سلوكًا عارضًا في تاريخ البشر، إلا أن عالم الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة بسبب تكنولوجيا الاتصال، قد منحت هذه الحوادث شكلًا مكثّفًا وصل إلى حد قريب من الاعتياد، وأصبحت أخبار الانتحار شيئًا أساسيًا على تلك المواقع. لكن المشكلة ليست في الإعلان عن حوادث الانتحار وتداول أخبارها، المشكلة الكبرى تتمثل في كيفية تعاطينا مع تلك الحوادث. قبل فترة وجيزة، وثّقت امرأة في إحدى الدول العربية خلال بث مباشر، وقائع انتحارها بإلقاء نفسها من طابق بأحد الأبنية الشاهقة، نتيجة خلافات أسرية. مثل هذا الحادث وأشباهه، ينقسم الناس إزاءه غالبا إلى فئتين: فئة يكون كل همها إثبات كفر المنتحر وخلوده في نار جهنم، سواء كان ذلك صادرًا عن قناعة منهم بهذا الحكم، أو كان مرده إلى حرص أصحاب هذا الفئة على ردع الأحياء حتى لا يقعوا في ذلك المحظور. وفئة أخرى، تبني موقفها على تغليب العاطفة، فتبالغ في التعاطف مع المنتحر والهجوم على البيئة والمجتمع والقوانين، بل يصل الأمر إلى قيامهم بالتبرير لهذه الفعلة وأنها كانت الحل الوحيد لإنهاء المأساة. والحق دائمًا وسطًا بين طرفين، فأما الفئة الأولى فإنها وقعت في الغلو، وحكمت بما لم تحكم به الشريعة وما أجمعت عليه الأمة، فالمنتحر في الشريعة مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر وهي قتل النفس، ويكفي في ذلك التخويف بما خوّف به الشرع، وأصحاب الفئة الثانية الذين يبالغون في التعاطف مع المنتحر والتبرير له وإضفاء الوجاهة على دوافع الانتحار، بدورهم يرتكبون خطأ جسيمًا بحق الأحياء، فهذا المسلك بمثابة تطبيع مع الانتحار وتهوين من شأن الإقدام عليه، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الناس لأن يكون الانتحار حلًا مطروحًا أمامهم للتخلص من الأزمات، خاصة الشباب الذين يعيشون أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية طاحنة في هذا العصر. لن يستفيد المنتحر الذي أفضى إلى ما قدم شيئًا من المبالغة في إظهار التعاطف معه والتبرير له وتقديمه على أنه ضحية للظروف أو أنه اضطر إلى ذلك بعد انقطاع السبل، وفي نفس الوقت المواقف التي يتخذها الناس حيال الحدث يعود أثرها على الأحياء، فلا ينبغي أن نغري شبابنا وبناتنا بهذا التعاطف الأعمى، فتصبح فكرة الانتحار قريبة من أذهانهم. كثير من الشباب يعانون الخواء الروحي والضعف النفسي، ومع تعرضهم للملاحقة والتكرار بحوادث الانتحار والتبرير للمنتحرين، تبدأ الفكرة تطرح نفسها أمامهم عند مواجهة أزمة أو مشكلة صعبة يطول زمنها أو يصعب حلها أو تكون صادمة مباغتة تفوق قدرتهم على التحمل، فيغدو اللجوء إلى الانتحار هو السبيل الأوحد بظنّهم. إن أفضل ما نواجه به ظاهرة الانتحار التي تتم غالبا بسبب الخلافات العائلية والإخلال بالحقوق والواجبات، هو التعامل كمجتمع تراحمي لا تعاقدي، مجتمع لا يكون كل همه تحديد الحقوق والواجبات والعمل وفق القوانين والأعراف مثل الآلات، بل يتعامل أفراده بعضهم مع بعض على مبدأ الرحمة والشفقة والتغافل والإيثار وغيرها من القيم التي غيبتها المادية وقسوة الأحوال المعيشية. إننا بحاجة كذلك إلى ملء الفراغ الروحي الذي نعانيه، ولا يكون ذلك إلا بتقوية الصلة برب العالمين، والتعلق بالدار الآخرة والمصير الأبدي الذي يهوّن على المرء أزماته مهما كانت شدتها وقسوتها، ولعلنا جميعًا قد مررنا بحالات من القرب من الله، غيّرت طريقة استقبالنا وتعاملنا مع الأزمات حتى وإن لم تنهيها، لكنها بالتأكيد تخفف من وقْعها وأثرها على النفس.
951
| 31 مايو 2026
منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية التي لا تحصر المنهج في جنس أو قومية أو أرض أو لغة، وإنما كان مفهوم "الجسد الواحد" الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الصورة المعبرة عن ذلك المنهج ووحدة وتكامل أتباعه. بيد أن هذا المفهوم خضع لاختبارات صعبة على مر التاريخ، بسبب الصراعات السياسية والعرقية والطائفية والتباين الثقافي، ما جعل مفهوم أمة الجسد الواحد بالنسبة لقطاعات واسعة من المسلمين مفهومًا نظريًا يصعب تجسيده على أرض الواقع. وعلى الرغم من هذه التحديات، صمدت الفكرة بسبب مضمون المنهج الذي حمل محطات زمانية ومكانية استثنائية تعيد تجديد مفهوم الجسد الواحد لمواجهة هذا التشظي، ومن أبرزها موسم الحج، وعلى وجه الخصوص يوم عرفة، بوصفه أحد أكثر أيام العام قدرة على صناعة الشعور الجمعي الذي يعبر الحدود واللغات والانتماءات الجزئية الضيقة. أركان الحج من الإحرام وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة، يتسع وقتها بحيث لا يقوم بها الحجاج جميعًا في ساعة واحدة أو في يوم واحد، إلا الركن الأعظم وهو الوقوف بعرفة، والذي ينفرد بكونه يجمع الحجيج جميعًا في وقت واحد، على الأقل في جزء من نهاره حتى غروب الشمس، يستحيل أن يتخلف أحد منهم. هنا يبرز يوم عرفة ليحول فكرة الوحدة وأمة الجسد الواحد إلى تجربة حية ملموسة، ويشعر الحاج أنه جزء من حدث عالمي دوري. في صعيد عرفة تتلاشى الفوارق الطبقية واختلاف اللون والعرق واللغة، ليجتمع الناس من شتى الأقطار على هيئة واحدة، تسقط كل النعوت والألقاب والمناصب، حيث يطويها الوصف الجامع لهذه الجموع، وهو انتماؤهم لهذه الأمة. هذا التجرد من الفوارق يمنح يوم عرفة قدرة خاصة على تعزيز الهوية الجامعة، إذ أن الهويات الفرعية - التي منها ما هو محمود وما هو مذموم- يحتاج أصحابها إلى لحظات تذكرهم بحقيقة الانتماء الأكبر الذي يوحدهم ولا يفرقهم. يتجاوز الشعور بالوحدة في يوم عرفة تلك الأسراب البيضاء المباركة التي تقف في صعيده، ليكتنف قلوب المسلمين في كل مكان على وجه الأرض، فالمشهد لا يقتصر على شعيرة دينية مرتبطة بالحج، وإنما يتحول إلى تجربة وجدانية عالمية يتشارك فيها الملايين، فالمسلمون ينتظرون هذه النفحة الربانية كل عام، للتعرض لها والفوز برحمة الله ومغفرته في يوم الرجاء، فيصومون هذا اليوم، وتلهج ألسنتهم بالذكر والدعاء، ليدخلوا بهذه الحالة الوجدانية في الاقتران بالواقفين على صعيد عرفة، فيحدث هذا التلاحم الشعوري في كل أقطار الأرض في وقت واحد. هذه المشاركة الوجدانية تصنع ما يشبه الذاكرة الروحية المشتركة، حيث تتكرر التجربة كل عام، فيترسخ أثرها في الوعي الجمعي للمسلمين، فيتحول اليوم إلى مناسبة يعيد الفرد فيها تعريف نفسه وتجدد شعوره بأنه جزء من جماعة عالمية تتشارك ذات الشعور والطقوس. وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أصبحت الفضاء المعبر عن اتجاهات الناس، فإنها تعكس في ذلك اليوم مفهوم هذا التلاحم العابر للحدود والانتماءات، فتتحول يوم عرفة إلى ساحة جامعة للملايين يتشاركون نقل الصورة المهيبة والأدعية والتذكير بالرحمة والمغفرة، وتتصدر الوسوم المتعلقة بيوم عرفة المنصات الرقمية، وتخفت نبرة الانقسامات والاستقطابات والمنازعات في ذلك اليوم بشكل لافت. يمتد تأثير هذا اليوم بما يحمله من وحدة الشعور، إلى الثقافة الشعبية للمجتمعات، إذ يرتبط ذلك اليوم بعادات اجتماعية خاصة، كالتجمعات العائلية، وموائد الإفطار، والبرامج والأنشطة الروحانية، حتى تجد لذلك اليوم حضورًا في نطاق الشعر والأدب والخطاب الثقافي بوصفه رمزًا للنقاء والتوبة والوحدة، ما يجعله في الذاكرة الجمعية جزءًا من الهوية الحضارية لا مجرد شعيرة دينية موسمية. وعلى الرغم من أن يوم عرفة مناسبة إسلامية خالصة، فإن رسالته تحمل أبعادًا إنسانية عامة، فهو يوم يقوم على قيم التواضع، والمساواة، والتسامح، والرحمة، والدعاء من أجل السلام والخير، ما يجعل هذا اليوم منصة رسائل للعالم الذي يعج بالانقسامات والصراعات، أن البشر ما زالوا قادرين على الاجتماع على معانٍ أخلاقية وقيمية سامية تنقذ الإنسان الذي كرمه الله من ويلات الدمار.
714
| 23 مايو 2026
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون على استنساخ تلك الثقافات لتصبح صبغة في مجتمعاتهم، دون مراعاة الفروق الجوهرية بين المجتمعات واختلاف التربة التي خرجت منها تلك الثقافات والمناخ الذي تشكلت فيه. تنبعث هذه الأزمة الفكرية من كون هذه الفئة تجهل خصائص ومقومات مجتمعاتها العربية والإسلامية من ناحية، ومن ناحية أخرى هي فئة مختطفة ببريق الحضارة الغربية شديدة التأثر بها، شديدة الحرص على تقليد الغرب الذي صارت له الغلبة والقوة، وهي حالة تحدث عنها عالم الاجتماع العربي ابن خلدون، عندما ذهب إلى أن المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها. وحديثي هنا حتمًا ليس على موافقة الغرب والسير على خطاه في مجال التقدم العلمي والاختراعات والتكنولوجيا، فهو أمر إيجابي بلا شك، فليت هؤلاء المثقفين كانت هذه قضيتهم، ولكن حديثي عن المنظومة القيمية التي يراد استيرادها من الغرب، تحت سطوة الوهم بأن بلاد الغرب بنت تقدمها العلمي على هذه القيم وانطلقت منها. ببغاوات الثقافة انشغلوا بدراسة الحضارة الغربية ومسارها الاجتماعي والتاريخي، وغرقوا في كتب سارتر وروسو ونيتشه، وبعضهم أو كثير منهم نال دراسات من جامعات السربون وهارفارد، وظنوا أن ذلك كفيل بتحديد البوصلة الهوياتية للمجتمع، لكنهم قد أغفلوا حقيقة هامة، أنه كان لزامًا عليهم التعمق في دراسة مجتمعاتهم ومكوناتها الثقافية والحضارية أيضًا. فكرة إقصاء الدين مثلًا لدى هذه الطبقة من المثقفين العرب، قد ارتبطت في حسهم بالتقدم من خلال تتبعهم لمسار الحضارة الغربية والحلقة التي انتهى عندها الحكم الثيوقراطي في أوروبا، وبداية عصر الازدهار والتقدم، فكانت فكرة الثورة على الدين ملهمة لهؤلاء المثقفين العرب في استيرادها إلى مجتمعاتهم من أجل الوصول إلى نفس النتيجة. ببغاوات الثقافة انتزعوا تلك الحالة من سياقها التاريخي والاجتماعي من أجل استنساخها وجعْلها صبغة لمجتمعاتهم العربية والإسلامية، فكانت النتيجة: مزيد من الانحطاط والتخلف والتبعية، فلم يؤد العمل نفسه إلى ذات النتيجة، والسبب بسيط، وهو ذلك التباين بين البيئتين، فكانوا أشبه بمن أعجبته البذور فآثر غرسها في تربة لا تصلح لها، ثم جلس ينتظر الثمار. لم يكن الدين مصدر التخلف في الأمة العربية والإسلامية، بل التاريخ له دلالته في أن أزهى عصور الأمة ارتبطت بقوة الدين، لأنه دين يعلي من شأن العلم والتطور والأخذ بأسباب القوة والحضارة، ولذلك أحدث العرب المسلمون نهضة علمية استفاد منها الغرب أيما استفادة، باعتراف المنصفين من الكتاب الغربيين أمثال جوستاف لوبون خاصة في كتابه حضارة العرب. هناك فرق واضح بين مسار طبقة المفكرين والمثقفين الغربيين الذين ساروا في الاتجاه الإقصائي للدين، ونظرائهم من أهل الفكر والثقافة لدى العرب، فمفكرو ومثقفو أوروبا ساروا في هذا الاتجاه على أساس ملامح وأحوال وتاريخ مجتمعاتهم والظروف التي مرت بها، فانطلقوا من دراسة مجتمعاتهم وحاجاتها الراهنة، أما طبقة المثقفين والمفكرين العرب الذين ساروا في نفس الاتجاه، فقد مضوا فيه بدافع التقليد، فاقتبسوا التجربة على الرغم من شذوذها وغرابتها عن سمات وخصائص المجتمعات العربية والإسلامية. إن هذا المنحى في التقليد الأعمى يقدح في وصف المثقف ويسلبه هذه السمة، فمن المفترض أن ذلك المثقف الذي تضلع بالمعرفة يكتسب ملكة نقدية تمكنه من غربلة مفردات ومخرجات الحضارات الأخرى مهما كانت براقة، فلا ينبغي أن يكون بوابة للاختراق الفكري والقيمي والأخلاقي. إن مسؤولية المثقف ليست في أن يكون ببغاءً ثقافيًا يستبدل ثقافة مجتمعه بثقافة مجتمع آخر، أو يستبدل هويته بهوية أخرى، إنما هو مسؤول عن دراسة مجتمعه والوقوف على العوامل الحقيقية لتخلفه أو انحطاطه، وإيجاد مسارات تصحيحية للمجتمع تنطلق من الهوية الثقافية لا تتنكر لها. مهمته تعزيز الهوية لا الثورة عليها أو العبث بها، والوقوف أمام الاجتياح الحضاري الذي يتعرض له مجتمعه، لا أن يكون جسرًا لعبور الغزو الفكري والقيمي.
672
| 16 مايو 2026
نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: "إني لأبغض الرجل فارغا لا في عمل دنيا ولا في عمل الآخرة"، ذلك لأن المرء يحتاج إلى ما يصلح دنياه ويصلح آخرته، لذلك كان حري بالإنسان ألا تخرج أعماله في عمره القصير عما فيه صلاح الدارين. وطبيعة البشر كالماء الراكد، يأسن، فيحتاج إلى ما يجري همته ويجدد نشاطه، لذلك كان الترويح عن النفس مطلبًا شرعيًا، به تستأنف الروح مسيرتها في طريق الجد. لكن في هذا العصر بإيقاعه السريع الصاخب، تجاوز الإنسان هذا الحد بكثير، فطغى الترفيه والترويح على الجد والعزم، ولا أدل على ذلك من المحتوى المرئي الذي يتعرض له المرء ليلًا ونهارًا، والذي يحتل الترفيه معظم مساحته إن لم يكن جميعها. وأخص بالذكر هنا عالم مواقع التواصل الاجتماعي، فطغيان الجانب الترفيهي بارز فيه بوضوح، مقاطع كوميدية ساخرة، مقاطع مثيرة، وأخرى قصص عن عالم الجن والشياطين، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي، أخبار المشاهير من أهل الفن والرياضة تتعلق بحياتهم العامة والخاصة، مقاطع تصور يوميات البيوت، والقائمة لا تنتهي. هذه الظاهرة لا ينبغي النظر إليها على أنها تغير عابر في أذواق الجماهير، بل هي تحول اجتماعي وثقافي جذري، تترتب عليه آثار ضارة بالوعي الجمعي، وعلى تشكيل الأجيال الناشئة وطريقة تفكيرهم وترتيب أولوياتهم في الحياة، والدخول في حالة يرثى لها من التسطيح الفكري. طغيان المحتوى الترفيهي خاصة على التواصل الاجتماعي، يأكل من وعي الجماهير، إذ إنه يأتي على حساب الثقافة والمعرفة وتغذية الفكر، فالأولوية أصبحت لاستهلاك المحتوى الترفيهي، فمن ثم لا يعبأ بالمحتويات المعرفية والثقافية سوى أهل التخصص وقلة من الجماهير. ومع حالة الاستيلاء والاستحواذ التي مارسها عالم الرقمنة على النفس البشرية، غدا أكثر الناس لا يفارقون هواتفهم حتى أثناء طعامهم ومجالسهم العائلية، وتمضي بهم الساعات وهم يشاهدون هذا المحتوى الترفيهي الجاذب الذي يسحر عقولهم. فالخطورة هنا لا تكمن في الترفيه، وإنما إلى تحوله إلى مركز للحياة الاجتماعية والثقافية، وبديل عن المعرفة والتفكير، وهذا بدوره يمثل خطرًا عامًا على المجتمع ككل، فالمجتمعات التي يكون أفرادها على هذه الشاكلة تكون أكثر عرضة للشائعات والتلاعب الفكري. البيئة الرقمية التي تدفع نحو الاستهلاك للمحتوى الترفيهي السريع، أفقدت كثيرًا من الناس قدرتهم على التركيز في المقالات والأخبار والتقارير والأبحاث المكتوبة، حيث اعتادوا الانتقال المتتابع بين الصور والمقاطع. وتبرز هنا مشكلة أخرى متعلقة بإدمان المحتوى الترفيهي، وهي تراجع الحس اللغوي والثقافي، بسبب اللغة المختصرة المشوهة المليئة بالمصطلحات العامية المستحدثة والرموز المتدفقة على ألسنة الناس، مقابل تراجع الاهتمام باللغة السليمة والأسلوب الرصين. وأشد مخاطر طغيان المحتوى الترفيهي، هو صناعة ذلك الهوس بالثراء السريع من خلال صناعة المحتوى، والتي لم تعد مجرد هواية يمارسها البعض للتسلية وتحقيق بعض المرح، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية تعيد تشكيل أحلام جيل كامل، وتغير مفهوم النجاح الذي كان يرتبط بالخبرة والعلم والإنجاز والمكانة الثقافية، فأصبح النجاح مرتبطا بعدد المشاهدات والإعلانات، وتقلصت أحلام هذا الجيل، بل تبدلت، من استهداف الشهادات العلمية والوظائف السامية، إلى تحقيق الشهرة بصناعة المحتوى الترفيهي، فهو يستطيع أن يصبح نجمًا ثريًا في أيام أو شهور، فما الذي يجعله يعلق أحلامه بما ينتظر بعد عشرات السنين من الكد والتعب. وفي سبيل ركوب (التريند) والشهرة وتحقيق الثراء السريع من خلال المحتوى الترفيهي، اختلت منظومة القيم، حيث أصبح البعض مستعدين للتخلي عن خصوصياتهم، فيقومون بتصوير تفاصيل يومياتهم من أجل زيادة التفاعل، فيستغل صانع المحتوى أسرته، ويقوم بعمل مشاهد تمثيلية داخل الأسرة بهدف الإثارة أو إضحاك الناس، وقد يتخلى شيخ مسن وقور عن وقاره ويرضى أن يظهر أمام الناس كالمهرج، والأدهى والأمر، أن بعض من ضاعت مروءتهم يرضون بتصوير زوجاتهم وهن في أبهى صورة، لخدمة المحتوى. التوعية بخطورة طغيان المحتوى الرقمي ضرورة قصوى، والنخب الثقافية والمنابر الإعلامية لها دور كبير في هذه التوعية، لكن الدور الأكبر يقع على عاتق الأسرة، في تعديل مسار الأجيال الصاعدة في الطبيعة الاستهلاكية للمحتوى، ففي النهاية الترفيه مطلوب، لكن المجتمع الذي يجعل الترفيه مركز وجوده هو مجتمع آيل للسقوط.
741
| 09 مايو 2026
من الخطأ البيّن اختزال فائدة التشجير والتخضير في الشكل الجمالي والتعبير عن التحضر والتمدّن، فوجود الأشجار والنباتات ضمن ما يعرف بالبيئة الحيوية، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجوانب الحياتية المباشرة للناس، والحفاظ على التوازن البيئي. "شينرين- يوكا" هو عنوان أحد التوجهات الصحية الشائعة في دولتي اليابان وكوريا الجنوبية، وهو يعني: السباحة في الغابة، دلالة على أهمية ودور القرب من الأشجار في تعزيز الصحة النفسية للإنسان. وفي إحدى الدراسات المنشورة في دورية "جاما نتوورك أوبن" أجراها باحثون في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، ظهر أن تحسين شكل المناطق المقفرة بزراعة الأشجار والحشائش يمكن أن يحد من الشعور العام بالاكتئاب، وتحسين الصحة النفسية للمجتمعات. ولا يمكن حصر الدراسات العلمية والبيئية التي تؤكد على أن التشجير والتخضير يحافظ على التوازن المناخي بمواجهة أخطار التصحر والاحتباس الحراري أو الاحترار العالمي، وهو الارتفاع التدريجي والمستمر في درجة الحرارة نتيجة زيادة ثاني أكسيد الكربون بسبب الأنشطة البشرية، فتأتي فائدة التشجير والتخضير لتلطيف الأجواء وتقليل غاز ثاني أكسيد الكربون وزيادة نسبة الأوكسجين. أضف إلى ذلك الثمرات الاقتصادية للتشجير والتخضير، من خلق فرص عمل في المشاريع المتعلقة بالتشجير، وتعزيز السياحة البيئية، وتعزيز الاقتصاد العقاري، وغيره. وبينما تتلاحق المؤتمرات البيئية والمناخية للتأكيد على أهمية التشجير والتخضير، ومناقشة أدوات ووسائل تنمية الوعي الحضاري للشعوب بأهميته، نجد ذلك المنهج الإسلامي يطل علينا منذ ما يقارب قرنًا ونصف قرن من الزمان، بتناول فريد لأهمية التشجير والتخضير، ليغدو الحفاظ عليه سلوكًا دائمًا منهجيًا في حياة الناس. لقد ربط التشريع بين هذه الضرورة البيئية ومهمة الاستخلاف في الأرض، والتي تقتضي الإعمار وإصلاح الأرض بمن عليها وإحكام مصالح الدنيا والدين معًا، وجعل التشجير والتخضير أمرًا تعبديًا مرتبطًا بالثواب والعقاب في الآخرة، ومن ثم أصبح الاهتمام به عبادة لله تتعلق بأوامر ونواهٍ. ومن يتأمل حديث (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة؛ فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها)، سيجد نفسه واقفًا لا محالة على العلة التعبدية لهذا الغرس، إذ أن غرس فسيلة النخل الذي ستقوم على إثره الساعة لن ينتفع به كائن حي، ولكن لأنه أمر تعبدي يتعلق بالأجر والمثوبة كان الأمر به، ولأنه من مهام الاستخلاف في الأرض كان الالتزام بهذه المهمة حتى آخر لحظات الحياة. ففي جانب الترغيب والحث على التشجير والتخضير يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته) فذكر ها هنا: غرس نخلًا، فجعله مما يدر على صاحبه الأجر حتى بعد انقضاء أجله. وفي باب الترهيب، جعل رب العالمين قطع الأشجار والنباتات لغير مصلحة للعباد من قبيل الإفساد في الأرض {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة: 205]. فلذا كان المستقر لدى القرون المفضلة الحفاظ على الأشجار والنخيل والزروع والثمار، وعدم التعرض لها إلا لما فيه مصالح العباد، ونجد في وصايا الغزو أمرًا مباشرًا من خليفة المسلمين أبي بكر الصديق لقائد جيشه: "ولا تخربوا عمرانا، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلا، ولا تغرقنه". قطعًا الإسلام ليس بحاجة إلى إبراز عظمة تشريعاته حتى أبين طرفًا منها في هذه السطور، لكن الغرض من هذه الكلمات، هو تعزيز أهمية التشجير والتخضير لدى الجماهير، فعندما يتخطى في حسّهم كونه شكلًا جماليًا حضاريًا إلى كونه أمرًا تعبديًا يقربهم من الله، فهو أدعى إلى أن يحتل مساحة واسعة من اهتماماتهم، ويغدو الاهتمام به من الجميع سواء من المسؤولين أو من العامة، أمرًا يجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة.
501
| 02 مايو 2026
من آفات هذا العصر الذي تفشت فيه الأمراض الاجتماعية، أن المعارك لم تعد تُخاض حول الأفكار بقدر ما تُخاض حول الأشخاص، فيبدأ الأمر بنقاش حول قضية في مجال ما، سياسي، أو فكري، أو ثقافي، ثم يحدث الانزلاق السريع إلى مهاجمة النوايا والنيل من السمعة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الشخصنة. الشخصنة ببساطة شديدة، هي القفز من نقد الفكرة إلى نقد صاحبها، فبدلا من مقارعة الحجة بالحجة، يعمد أحدهم إلى الطعن في نية الآخر أو أخلاقه أو خلفيته الثقافية أو ربما طريقة تعبيره وحديثه، فيتحول الحوار من ميدان بحث عن الحقيقة، إلى ساحة صراع. مكمن الخطورة في الشخصنة، أن صاحبها يجد في نفسه مبررًا لها، إذ يظن أن تقييم الفكرة يستلزم تقييم صاحبها، وهذا الخلط خطأ فادح، فالفكرة ينبغي أن تُقيم بمعزل عن صاحبها، وإلا فتح الباب أمام الفوضى المعرفية. تتضاعف هذه الإشكالية بسبب بعض العوامل الثقافية والاجتماعية، فالمجتمعات التي تقوى فيها فكرة التعصب بكل أشكاله قبلي ومذهبي ونحوه، فإن البيئة غالبا ما تقرأ الأفكار من خلال أصحابها، ويكون الانتماء أقوى من الحجة، والولاء فوق الحقيقة، فإذا كان المتحدث منهم يتم التسامح مع أخطائه وتبريرها، وإذا لم يكن منهم يتم رفض أفكاره جملة حتى قبل الاستماع إليه. تفاقمت هذه الظاهرة في عصر الرقمنة، فوسائل التواصل الاجتماعي بطبيعتها السريعة والمختزلة تشجع على ردود فعل عاطفية تطغى على التفكير المتأني، فيكفي أن يبدي شخص ما رأيًا مغايرًا للمألوف، حتى تنهال التعليقات التي تهاجم شخصه ولا تناقش فكرته، وغالبا ما يتم استخدام الألفاظ الجارحة، واستدعاء مواقف سابقة، ويتم حمل كلماته على أسوأ المحامل. يميل البعض إلى الشخصنة بسبب الخوف على القناعات السابقة، فيجد صاحب هذا المنحى في الأفكار المخالفة له تهديدا لقناعته، فيكون الأسهل لديه مهاجمة الشخص، فهذا لا يتطلب عمقًا تحليليًا، وإنما إطلاق حكم سريع. وقد يلجأ البعض إلى الشخصنة والهجوم على الآخر دون نقد فكرته، لأنها تمنحه شعورًا زائفًا بالتفوق على خصمه، فيرى أنه بالصراخ والضجيج قد أسكت الخصم وكشف ضعفه، لكنه في حقيقة الأمر لم يتفوق، وإنما هرب من مواجهة الأفكار. وقد يتجه إليها كإجراء دفاعي عن هويته الفكرية، فيلجأ إلى تقويض مصداقية الآخر بدلا من التعامل معه بالحجة خوفا من الاعتراف بأن هذا الطرف على حق أو لديه ما هو جدير بنقاشه. هذه الظاهرة خطيرة إلى حد بعيد، فهي تغلق باب المعرفة، وذلك عندما ينحي أحد الطرفين أو كلاهما استعداده للاستماع والمراجعة، فتتحول ساحة الحوار إلى بيئة طاردة للعقول الجادة وتخسر الساحة فرصة تبادل الأفكار وتطويرها. الشخصنة في الحوار تضعف الثقة في الخطاب العام، وذلك عندما تتحول باستمرار إلى صراعات شخصية، وتستبدل الحجج بالشعارات والتحليلات بالانفعالات، فحينئذ يفقد المتابعون إيمانهم بجدوى الحوار، ويستصحبون صدى هذا العبث في كل حوار يتابعونه ويتوقعونا نتيجته مسبقا. مخاطر الشخصنة ليست بمعزل عن الإطار العام، فهي تعيق التقدم الفكري والاجتماعي، حيث إن المجتمعات التي لا تستطيع إدارة خلافاتها بشكل عقلاني بعيدًا عن الشخصنة، تكون عاجزة عن اتخاذ قرارات رشيدة في واقعها، وتبقى في حالة جمود فكري. أول خطوة على طريق مواجهة هذه الآفة هي الوعي بها وبعدم جدواها، وإدراك أن مهاجمة الآخر لا تثبت خطأ أفكاره، كما أن الدفاع عن شخص لا يثبت صحة أفكاره. وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية والمحاضن التربوية والمنابر الإعلامية، في تعويد الناس التفكير النقدي، حتى يتم إعادة الاعتبار لقيمة الحجة وبناء النقاش على الأدلة والمنطق. كما أن هذه المؤسسات منوط بها تعزيز فكرة الفصل بين الشخص والفكرة، فقد تختلف مع الشخص مع الاعتراف بما صح لديه من نقاط ومسائل، وهذه علامة نضج فكري وليست ضعفا. وإننا بهذا الصدد نحتاج إلى أن يقدم المثقفون والنخب نموذجا للحوار البناء القائم على الحجة ومناقشة الفكرة، لترى الجماهير أن الحوار ليس ساحة معركة، وإنما عملية بحث مشتركة للوصول إلى الحقيقة، لكن الملاحظ أن البرامج والنقاشات التي تتم على الهواء بعيدة عن هذا المنحى، لذلك لن يقدم هذا النموذج سوى شخصيات تستشعر المسؤولية، ولن تعدم الأمة أمثالهم حتمًا.
804
| 19 أبريل 2026
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة. قديمًا كانوا يقولون: "أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة. الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا". المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه. وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته. ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت. وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان. وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي. مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال: لماذا التسويف؟ ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته. وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة. وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت. وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.
5091
| 11 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
4827
| 05 أبريل 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
4545
| 30 مارس 2026
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
5655
| 22 مارس 2026
مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار...
7179
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية،...
4359
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها،...
3738
| 10 يونيو 2026
يعتقد كثيرون أن القانون هو العدو الأول للأسرة،...
906
| 11 يونيو 2026
في كل مرة يُذكر فيها الشباب، تتكرر الأحكام...
837
| 10 يونيو 2026
كان يُعتقد لفترة طويلة أن انتشار الإنترنت وتوسع...
834
| 14 يونيو 2026
وجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى على أعتاب...
795
| 13 يونيو 2026
لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد قطاع اقتصادي ناشئ...
717
| 10 يونيو 2026
مع انطلاق كأس العالم 2026، لا يبدو المشهد...
603
| 14 يونيو 2026
نظام الطيبات الغذائي.. أسلوب غذائي لإنقاص الوزن أساسه...
570
| 13 يونيو 2026
هذه نقاط ثلاث تتعلق بمسألة الزواج، أو تحديداً...
561
| 10 يونيو 2026
فوزك أملنا والله يا منتخبنا.. أغنية من إبداعات...
561
| 11 يونيو 2026
مساحة إعلانية