رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل صمد الكِتاب أمام صخب التحول الرقمي؟

على مر العصور، احتفظ الكتاب بوقاره وقدسيته، فهو أنيس الروح، ومنهل المعرفة، وأداة البناء النفسي والعقلي، والمهرب الإيجابي من ضجيج الحياة. وفي خضم صخب الحياة وإيقاعها السريع ونشاز نغماته، وفي ظل التحول الرقمي وهيمنة الشاشات ورقمنة الثقافة، استطاعت الكتب الإلكترونية فرض نفسها على الذائقة لاعتبارات عدة، من بينها الاقتناء المجاني، وسهولة الوصول والبحث، وسعة الانتشار، وهو بلا أدنى شك يتناغم مع حال المجتمعات التي تعاني أزمات اقتصادية وانخفاض الدخل الفردي، بما يعد إنقاذًا للمعرفة والثقافة من بين أنياب الفقر. كما أن التحول الرقمي والكتاب الإلكتروني يتناغم مع الحال التي وصل إليها البشر من الاندماج مع مخرجات الطفرة التكنولوجية. في ظل هذا الصخب، واجه الكتاب تحديًا شرسًا يندرج تحت الصراعات الوجودية بين القديم والحديث، وما يمكن أن يؤول إليه الصراع من إقصاء وإحلال، أو مشاركة، أو تكامل، فيتجدد السؤال مع كل نظرة مقارِنة: هل ما يزال ذلك الكائن الورقي قادرًا على الحياة؟ أم أنه يعاني نعيًا مؤجلًا كتبه عليه التحول الرقمي. على الرغم من احتدام واستمرار الجدل حول هذه القضية، إلا أنه قد اتضح لكل مراقب، أن الكتاب لا يزال متموضعًا بقوة في حياة الشعوب، وأن رائحة الحبر وحفيف الورق حاضر في وجدان الجماهير، ولا أدل على ذلك من المعارض الدولية للكتاب التي يتهافت عليها مئات الآلاف بل والملايين من القراء والكُتاب من كل حدب وصوب حتى من خارج البلد الحاضن للمعرض. وفي تقرير سابق لـ «بي بي سي عربية نيوز»، أبرزت دراسة قامت بها كلية الأعمال والاقتصاد بجامعة ماكويري بأستراليا على عينة من ألف كاتب وناشر، أن نصيب الكتب المطبوعة يأتي في الصدارة بنسبة 45%، مقارنة بـ 35% للكتب الرقمية أو الإلكترونية. وإلى الآن، يهتم كثير من الناس بتكوين مكتبات في المنازل، ويقومون بإضافة الجديد إليها كلما سنحت الفرصة، وبعضهم يقتطع من دخله مبلغا ليتمكن من شراء الكتاب كل عام. لذلك فإن الحكم على انهزام الكتاب يفتقر إلى العدالة، فالكتاب مثل الفكرة، يقاس بقدرته على البقاء وسط الصخب. إن من عوامل بقاء الكتاب في ظل صخب الرقمنة، أنه ليس مجرد وعاء معلوماتي، بل هناك علاقة حميمية بين النفس البشرية وبين ذلك الكائن، وفق طقوس عاطفية مختلفة، فهذا يحلو له أن يرافق الكتاب عند الخضرة والماء، وهذا يروق له أن يجلس في شرفته وأمامه كوب الشاي بصحبة الكتاب، وهذا اعتاد أن يتمدد قبل النوم على فراشه يطالع الكتاب فيكون آخر عهده باليقظة. الكتاب يصنع لدى القارئ حالة من الشعور بامتداد الذائقة البشرية والسلوك الثقافي البشري عبر مر العصور، فهو يتلاقى مع غيره من البشر بكل حقبة زمنية في هذا الشأن، جميعهم كانوا يقلبون أوراقًا بين دفتين طلبا للمعرفة وراحة النفس، فلا يشعر أنه منعزل عن مسار التاريخ البشري. الكتاب المطبوع يكون ملاذًا نفسيًا للإنسان الذي شئنا أم أبينا قد تضرر من ثقافة السرعة التي تدير حياته، فيأتي مشهد تفاعله مع الكتاب ليبطئ من هذه السرعة المحمومة ويعيد للنفس اتزانها. نستطيع القول إن الكتاب قد صمد أمام الرقمنة لا لأنه أقوى من التقنية، بل لأنه أعمق منها، صمد لا لأنه ينافس الشاشة في السرعة بل ينافسها في القدرة على المعنى. على الرغم من أن الرقمنة شاركت الكتاب في صدارة المشهد، إلا أنها ليست عدوًا أو خصمًا له، فقد ساعدت الكاتب والناشر بقوة على تسويق المنتج، وفكت ذلك الحصار الخانق على الكُتاب غير المعروفين، فاستطاعوا الوصول إلى الجماهير من خلال بوابة الشاشات، والتي أعطت مساحة واسعة للتداول والدعاية. إن السؤال اليوم لم يعد حول مدى صمود الكتاب أمام صخب الرقمنة، بل عن التهديدات التي تواجهها القراءة أمام سيل المحتوى السريع المختزل الذي لا يطلب من العقل سوى الانتباه العابر، وانهزام المعرفة أمام ثقافة السرعة، في ظل غياب مشاريع ثقافية حقيقية جامعة تحمي الكتاب.

327

| 01 فبراير 2026

هل يهرب العالم من حاضر غزة بمناقشة مستقبلها؟

تتكدس الأخبار وعناوين المؤتمرات الدولية والتصريحات السياسية حول اليوم التالي لغزة، من سيدير القطاع وكيف، من سيمول الإعمار، من هي الدول التي تكون لها عضوية مجلس السلام، ولماذا تتردد بعض الدول في القبول. يأتي هذا الزخم في التناول النظري لمستقبل غزة، في وقت ترتسم لحاضرها صورة بشعة، فأهل القطاع يتجمدون من البرد القارص الذي يزداد عدد ضحاياه، بينما لم تفلح خيام المساعدات في التصدي لغزو المطر العنيف والبرد العاتي. أهل غزة ينبشون مكبات القمامة بحثًا عن الورق وقطع البلاستيك معرضين أنفسهم لخطر أمراضها، بحثًا عما يصلح لأن يكون وقودًا للتدفئة، هم قطعا يصرفون تفكيرهم عما يعنيه إشعال البلاستيك وأخطاره، لكنهم يدفعون بذلك خطر الموت بردًا. وفي ظل ارتفاع الأسعار وعدم وجود ما يكفي من السلع مع دخول المساعدات الإنسانية، لا يزال الجوع يمثل تهديدًا صريحًا لحياة السكان. إذا أضفنا إلى ذلك، الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي تخلف وراءها في كل مرة العديد من الضحايا، فإننا نجد أنفسنا - إزاء حديث العالم عن مستقبل غزة - أمام مفارقة فادحة تكشف خللًا أخلاقيًا عميقًا في مقاربة العالم للقضية. ما فائدة التنظير والمباحثات والأخذ والرد حول مستقبل غزة، بينما يحمل الحاضر وفيات يومية بسبب أسباب الموت التي لم تدع غزة رغم توقف الحرب، كأن الحديث عن المستقبل بات وسيلة للهروب من مواجهة الحاضر، وكأن التنظير السياسي غطاء رقيق لعجزٍ أو تواطؤٍ أو لا مبالاة تجاه معاناة إنسانية جارية على مرأى ومسمع الجميع. غزة اليوم ليست سؤالًا نظريًا ولا ملفًا إداريًا مؤجلًا، بل جرح مفتوح ينزف بلا توقف، فأكثر من مليوني إنسان محاصرون في رقعة جغرافية صغيرة، يُحرمون من أبسط مقومات الحياة: الغذاء، الماء، الدواء، الأمان. الشتاء يحلّ عليهم بخيام مهترئة، وأجساد منهكة، وأطفال يرتجفون من البرد والجوع، فيما السماء لا تكف عن إنزال الموت. ومع ذلك، يصرّ جزء كبير من الخطاب الدولي على القفز فوق هذا الواقع، والانشغال بسيناريوهات ما بعد الحرب، وكأنه اكتفى بإعلان وقف الحرب دون الاكتراث لما يحدث على الأرض من انتهاكات مروعة. إن السؤال عن من يحكم غزة في ظل استمرار القتل قصفًا وبردًا وجوعًا يبدو سؤالًا عبثيًا، بل فاضحًا في توقيته. فقبل أن تُناقش أشكال الحكم، يجب أن يُحمى المحكومون، وقبل الحديث عن الإدارة، يجب إنقاذ الأرواح، وأي حديث عن الإعمار بينما تُدمّر البيوت فوق ساكنيها، هو حديث أجوف، لا يرقى إلى مستوى المأساة. الإعمار لا يبدأ بالمخططات الهندسية ولا بتقارير المانحين، بل يبدأ بوقف القصف، وضمان تدفق المساعدات بما يلزم لحماية المواطنين من خطر البرد والجوع، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان الفلسطيني الذي يُعامل اليوم وكأنه رقم زائد عن الحاجة. الأخطر في هذا الخطاب المستقبلي أنه غالبًا ما يتجاهل أصل المأساة، بل ويُعيد إنتاجها، فما تعانيه غزة إنما هو بسبب احتلال طويل، وحصار خانق، وعدوان متكرر، ونظام دولي يكيل بمكيالين. القفز إلى مناقشة ترتيبات الحكم دون مراقبة تنفيذ الإسرائيليين لبنود الاتفاق، ودون محاسبة فعلية على الانتهاكات المستمرة، يعني عمليًا مكافأة المعتدي، وتحميل الضحية مسؤولية الخراب الذي فُرض عليها. العالم في انشغاله بالمستقبل، يتناسى أن الحاضر هو الامتحان الحقيقي، ما قيمة كل الخطط إذا كان الأطفال يموتون من الجوع؟ ما جدوى النقاشات القانونية والسياسية إذا كانت المستشفيات تُقصف، والطواقم الطبية تُستهدف، والصحفيون يُقتلون، دون رادع؟ إن الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات القلق، لم يعد مجرد فشل أخلاقي، بل أصبح شراكة غير مباشرة في الجريمة. تحويل غزة إلى ساحة تُجرَّب فيها الحلول، دون معالجة جذور الأزمة وعواملها، هو استمرار لنفس المنطق الذي أوصلها إلى هذا الجحيم. المطلوب ليس إدارة الأزمة فحسب، بل إنهاؤها، ليس تحسين شروط الحياة تحت القصف فحسب، بل وقف القصف، ليس البحث عن وكلاء حكم جدد فحسب، بل ضمان حقوق ثابتة لا تخضع للمساومة. الانشغال بمستقبل غزة دون إنقاذ حاضرها خيار أخلاقي خطير، خيار يقول للغزيين: موتكم مؤسف، لكنه ثمن جانبي لمعادلات أكبر، وهذا في جوهره نزع للإنسانية وهروب من مواجهة واقع غزة الأليم بالقفز إلى الحديث عن مستقبلها.

357

| 25 يناير 2026

ذكرى الإسراء والمعراج.. حين تكلم المكان

لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد حادثة مُعجزة تروى من أجل استثارة العجب، وإنما هي بيان إلهي يُتلى على الوجود، ودرس خالد في فلسفة المكان ومعنى الرسالة وسر اتصال الأرض بالسماء. انطلاقًا من الإيمان بالقدرة الإلهية المطلقة وحقيقة أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإنه لو شاء لرفع نبيه صلى الله عليه وسلم من مكانه بمكة إلى السماوات العلا دون أن يعبر المسافات والجغرافيا أو يمر بالمسجد الأقصى، لكنها الحكمة الإلهية التي تصنع للشيء معنى وهداية. إن هذه الأمة لا تُبنى بالمعجزات وحدها، بل بالمعاني التي تستقر في المكان وتُنقش بها الذاكرة، فتتحول إلى هوية لا تُمحى عبر الزمن. بدأت هذه الرحلة من ذلك الموضع الذي وقف فيه الإنسان متجردًا بتوحيده الخالص لله رب العالمين، عندما وُضع للناس ذلك البيت العتيق الذي لم يكن حجارة تُقدس، وإنما معانٍ إيمانية تشربها القلوب، إذ الوجهة لله بالتوحيد الخالص الذي هو امتداد للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فكأن هذا المكان ينطق دلالةً بأنه من لم يكن توحيد الله مبدأه فلا معراجَ له، ولا قبول به، إذ هو الحق الصراح الذي يفرض نفسه مهما تفرقت بالإنسان السُبل، ومهما طغت المادية في حياة البشر. يصل النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى المسجد الأقصى، ليس لقربه أو بعده، وإنما لثقل معناه وعمقه التاريخي واتصاله بسلسلة النبوات. ينطق هذا المكان دلالةً، بأنه اجتماع لتاريخ النبوة من أوله إلى آخره بساحة واحدة، كأن هذا المكان قد ابتعث في البشرية حقيقة راسخة غابت عن أكثر العقول، وهي الأصل الواحد للشرائع السماوية، أصل توحيد الله تعالى، فكلها في أصلها قد جاءت بالحق، ولا تُسأل عن إهمال أتباعها لها وعدم قيامهم بحقها وعدم حفاظهم عليها. وإنها لحقيقة نزل فيها قرآن يتلى إلى قيام الساعة، حقيقة العقيدة التي لا تصلح إلا بالإيمان بهؤلاء الأطهار جميعًا (لا نفرق بين أحد من رسله). وفي إمامة النبي محمد لإخوانه الأنبياء، إعلان لا يخطئه فهْم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن هذه الرسالة التي جاء بها خاتم الأنبياء قد جاءت لتصل لا لتقطع، جاءت لتتم لا لتلغي، جاءت لتصحح لا لتستأصِل. ينطق ذلك المكان دلالةً، بأن هذه الريادة لتلك البقعة، قد صارت في عهدةِ هذا النبي الخاتم ومن سار على دربه، ليس عن اختيار بشري، وإنما عن كلمة عليا لمن له الخلق والأمر. المكان في فلسفة الإسلام ليس مجرد بقعة جغرافية، وليس فراغًا يُملأ بالأحداث التي يذهب ذكرها أدراج الرياح، إنما ذاكرة يطالعها المؤمن جيلًا بعد جيل، ولو كان المكان بلا وزن في ميزان الإيمان لما ارتبطت الصلاة بقبلة. لم تكن الرحلة من المسجد الحرام إلى الأقصى تفصيلًا عارضًا، بل كانت جوهرًا ومعنى متغلغلًا، فمن أسقط الأقصى من حساباته فقد أساء قراءة سورة الإسراء وإن حفظها عن ظهر قلب. تأتي هذه الذكرى العطرة كل عام كناقوس ينعش الذاكرة الإيمانية، ويسعف قضية القدس في ضمير الأمة، تلك البقعة التي يراد لها أن تختزل في نشرة أخبار، أو تحبس في توصيف سياسي بارد، تأكيدًا على حقيقة أن الأقصى قد دخل وعينا من باب السماء لا من باب التاريخ. القدس ليست مجرد أرض، بل معنى مقيم، ليست مسألة حدود، بل قضية هوية، ومن توهم أن الدفاع عنها شأن ظرفي أو قومي، فقد جردها من قدسيتها. ربما لو عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى السماء مباشرة لبقيت القدس على هامش الوعي، ولما صارت عقيدة، لكن أبى الله إلا أن يكون المرور بهذه الأرض لتصبح مسؤولية لا تنفصل عن الهوية. كذا نطقت السماء دلالةً، بأن الالتجاء إليها ليس هروبًا وبعدًا عن الواقع، وإنما التماس للزاد من أجل العودة لإصلاح الأرض، لم يقض النبي بقية عمره في رحاب سدرة المنتهى، إنما عاد إلى الأرض بهم جديد وعزم جديد ويقين جديد، وتلك إشارة لبيان حقيقة هذا الدين، ليس دينا انسحابيًا يترك الأرض للفساد والمفسدين، وإنما هو دين إعمار للأرض بالحق وللحق.

420

| 18 يناير 2026

لومومبا.. التمثال الحي الذي سحر العالم

اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.

894

| 11 يناير 2026

عند الصباح يحمد القومُ السّرى

عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة إلى الخليفة أبي بكر طلبًا للمدد، أرسل إلى خالد بن الوليد في العراق وأمره أن يستنيب عليها ويرجع إلى الشام لقيادة الجيش، فخرج خالد بجيش صغير سلك به أراضي لم يسلكها أحد قبله، فاجتاز البراري والقفار وقطع الأودية وصعد الجبال، فكانت رحلة سريعة مُهلكة بالغة الوعورة والشدة، كل ذلك من أجل أن يقطع المسافة في أقصر وقت ممكن. وكما قال ابن كثير في البداية والنهاية: «وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السّرى. فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها رضي الله عنه». على الرغم من الهم والكدر والغم والنصب الذي اعتراهم في الرحلة الشاقة، إلا أن كل ذلك قد ذهب أثره ما إن وصلوا إلى هدفهم، إنها متعة الإنجاز التي تمسح عن الجباه أثر المعاناة، وتصبح المشقة حينئذ محل ثناء، يحمدون المسير ليلًا بعد أن وجدوا الراحة مع بزوغ الفجر. لم يكن العناء خصمًا لمن آمن بالوصول، إنما العدو الحقيقي هو التردد، اللحظة التي تساوم فيها النفس على ترك الطريق لأن الحصى يوجع القدمين. الصباح حين يبزغ نوره لن يسألك عن عدد السقطات في الطريق، ولا على طول المسافة التي قطعتها، الصباح ينصت فحسب إلى وقْع الخطوة الأخيرة. متعة الإنجاز ليست مجرد نشوة سريعة، إنما هي سكينة طويلة الأمد تتسلل إلى الروح بعد كثير صخب، تعرف معناها فقط عندما تهدأ المعركة في نفسك، عندما تضع رأسك على وسادة التعب وأنت تعلم أنك لم تخن يومًا نفسك، ولم تؤجل يومًا واجبك، ولم تساوم حلمك على فتات راحة. على طريق الإنجاز، تتكسر معانٍ كثيرة: تتكسر صورة الإنسان الكامل الذي لا يتعثر، تتكسر صورة النجاح الذي يولد من رحم الراحة والدعة، فكل إنجاز هو ابن صبر طويل، وربيب سهادٍ ومشقة وزفرات نصب وتعب في الخفاء. عند الوصول في الصباح، يحمد المجدون السّرى لأنه شاهد على صدق السعي، قد دفنوا في ترابه نداءات النفس النازعة إلى الكسل والراحة والدعة، وهتافات الفتور التي لا يبرأ منها كل إنسان، وحديثًا داخليا كان يقرع العقل بأن صاحبه أقل من أن يصل. إنجازك قد لا يغير وجه العالم، ولا واقع مجتمعك، لكنه على الأقل قد يغيرك أنت، يعزز احترامك لذاتك، ويشحذ وعيك للمستقبل بأن الطريق مهما طال فإن آخر خطوة فيه تحمل لذة تستحق العناء من أجلها، حينها تدرك أن التعب ليس عبئًا وإنما هو جسر. متعة الإنجاز يُدركها المجدّون عندما تجاوزوا في الطريق رغبتهم في التوقف والتراجع، واقتحموا للنهاية رغم ضجيج هذا التجاذب. دائما في البدايات يكون الحلم هشًا لا تجتمع عليه الهمّة بكامل عُدتها، فربما تراجع المرء بكلمة تخدش حلمه، أو مقارنة يعقدها مع غيره، أو بنظرة مرتابة للمآلات، لكن الطريق يبدأ بقرار يحمل روح التحدي، بصدق يدفع صاحبه للاستمرار وتناسي التعب، حتى وإن لم تكن هناك ضمانات للوصول. وفي كل مرة يسقط الإنسان فيها عبر الطريق، يكشف عن معدن إرادته، وفي كل مرة ينهض من العثرة ويتجاوز أثرها يعيد تعريف نفسه من جديد، مع كل خطوة يخطوها صوب نقطة النهاية يكتسب وصفًا جديدًا وسمة إيجابية جديدة. وبعد ليل طويل، وبعد يقين كاد أن ينطفئ، عندها فقط يفهم الإنسان معنى القول: «عند الصباح يحمد القوم السرى». يحمدون الأرض التي أتعبتهم، لا لأنها كانت سهلة، بل لأنها صنعت منهم أناسًا آخرين، يحمدون الطريق، لأنه علّمهم الثبات، والانتظار، وحسن الظن بالله. عند نقطة الوصول لا يجد الإنسان ذاته التي بدأ بها الرحلة، كل شيء فيه يتغير، يتسع الصدر، وترتفع قيمة الذات في نظر صاحبها، بما يعني أن الإنجاز لا يمنحك ما تسعى إليه فحسب، إنما يمنحك النسخة الأفضل منك، الأقوى منك، الأرقى منك، الأكثر وعيًا منك، والأشد تصالحا مع حقيقة أن الأشياء العظيمة تولد من رحم المعاناة.

681

| 04 يناير 2026

معجم الدوحة التاريخي للغة العربية... مشروع أمة

لم تكن اللغة يومًا مجرد أداة للتواصل، إنما هي الوعاء الحي للفكر، والمرآة الصادقة للمسار العلمي والثقافي والحضاري، والأمم ترتبط بلغاتها ارتباط الجذور بالتربة، فإذا ما ضعفت اللغة تخلخل الوعي، وإذا غاب تاريخها تاهت الهوية. وإيمانًا بأهمية اللغة العربية في حياة الأمة، انطلق مشروع «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية»، ذلك المشروع الذي يتجاوز حدود البحوث اللغوية إلى كونه عملًا واعيًا في إعادة ربط الأمة باللغة التي تمثل عمودها الفقري. معجم الدوحة التاريخي مشروع علمي حضاري غير مسبوق، يهدف إلى كتابة السيرة التاريخية لألفاظ اللغة ورصد تحولاتها الدلالية عبر العصور، ويتتبع الألفاظ منذ أقدم نصوصها الموثقة إلى عصرنا الحديث، يوثق استعمالاتها وسياقاتها الثقافية والحضارية، فهو لا يقف عند حدود تعريف الكلمة، بل يقدم سيرة حياتها منذ ولادتها، والتغيرات الطارئة عليها، من خلال منهج علمي صارم يعتمد على مدونات لغوية تشمل آلاف النصوص والحقول المعرفية، ويستند إلى التوثيق الزمني الدقيق، بما يجعله أرشيفًا حيًا للغة العربية. معجم الدوحة ليس مصنفًا كبيرًا أو عملًا موسوعيًا قد فُرغ منه، وليس موقفا عابرًا يُحتفى من خلاله باليوم العالمي للغة العربية، إنما هو محطة فكرية وثقافية فارقة في تاريخ الأمة يرد للغة اعتبارها، ويخرجها من سجن اللحظة، يعيد لها تاريخها الحي، ويعيد فهمها غير منزوعة عن سياقها الزمني والثقافي، ويوقظ كذلك العقل اللغوي للأمة ويعيد ترتيب صلتها بالكلمة والنص والتراث. معجم الدوحة ذو طبيعة جماعية في إنتاجه، إذ التقت عليه عقول وجهود نخبوية من عدة أقطار عربية تكاملت فيما بينها لتؤكد على حقيقة أن اللغة وطن جامع إذا ما تم التعامل معها بإخلاص وصدق وعزيمة، وجدان مشترك، يؤكد على إمكانية الاجتماع والالتفاف في مجالات أخرى وأخرى. وعلى الرغم من أن الغرب سبقنا إلى المعاجم، إلا أن العربية تميزت في العمل المعجمي بأنها لم تغير جلدها ولم تتنكر لتراثها ولم تفقد روحها ولم تفرط في ذاكرتها، بل أدخلت تراثها وثقافتها في قلب البحث اللغوي الحديث. المعجم ينظر إليه باعتباره منصة عابرة للتخصصات، وجسر معرفي يربط اللغة بالتاريخ والفكر والمجتمع، فالفيلسوف يستكشف من خلاله تطور المفاهيم المجردة، والمؤرخ يفهم من خلاله تحولات المفاهيم السياسية والاجتماعية، وعالم الاجتماع يقرأ من خلاله تبدل أنماط التفكير والتعبير. وينظر إلى مشروع المعجم على أنه عمل من أعمال السيادة المعرفية بحكم أنه يمثل أداة تحليل اللغة وتوصيف مفاهيمها، فهو بذلك يدعم حماية خطابها الثقافي والفكري من التبعية، واستثمار على المدى البعيد في استقلال اللغة العربية. المعجم ينهض بالقارئ العربي، إذ إن هذا القارئ لن يقف في التعاطي معه على حد التلقي للمعاني الجاهزة، بل يشارك في فهم وتشكل وتطور المعنى، ما يعزز القراءة النقدية الواعية، ويحل التفاعل محل التلقين العقيم. وبما أن كثيرًا من دلالات اللغة سادت زمنًا طويلا لارتباطها بمصادر وحقب بعينها وتعرضت للهيمنة التأويلية، فإن معجم الدوحة التاريخي يخضع المعنى للتوثيق والاستعمال الفعلي ويخرجه من هذه الهيمنة، فيتحول من رأي إلى مسار. معجم الدوحة يعطي البراهين على أن اللغة العربية لم تنقطع عن التلاقح الحضاري، حيث إنها تفاعلت مع العلوم والثقافات والحضارات الأخرى، ولكن دون أن تفقد هويتها، ليثبت للجميع أن العربية لم تكن عاجزة، وإنما العيب في غياب الوعي بتاريخها وآليات تطورها. المُعجم يعزز من حضور العربية، سواء على صعيد أبنائها باستعادة الثقة فيها بأنها مواكبة لتطورات العصر، ويردم الهوة التي تكونت بين هذا الجيل ولغته لاعتقاده أنها عصية على الفهم، فيشعره أن لغته المعاصرة امتداد طبيعي لتاريخ طويل لا قطيعة معه، وذلك من خلال تتبع المعجم لتطورات الألفاظ. وعالميًا بأن وضع اللغة العربية في مصاف اللغات الكبرى التي تمتلك معاجم تاريخية قوية كالإنجليزية والفرنسية، ويثبت قدرتها على الاستيعاب والتطور والتجدد. هذا المعجم يحتوي تنوع اللهجات وتباين السياقات الثقافية بين بلدان الأمة، فيكشف الجذور المشتركة للألفاظ ويبين كيف تم التعبير عنها في مختلف العصور والأقاليم، فيكون فضاء لغويا واحدًا يمثل هوية جامعة للأمة، ويعزز الانتماء الحضاري، بما يعني أن هذا المشروع ليس مشروعًا محليًا، وإنما هو مشروع أمة أخرجته قطر للنور.

273

| 28 ديسمبر 2025

التاريخ منطلقٌ وليس مهجعًا

«فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتّى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدّين والدّنيا». يؤصل ابن خلدون في تاريخه بهذه العبارة، قاعدة بالغة الأهمية في دراسة التاريخ، مفادها أن استدعاء صفحات الماضي والنظر في التاريخ، لا يكون بغرض التسلية بحكايات الغابرين، ولا للانحباس في حالة انبهار بصفحات مجد تليد، إنما هو أداة لتغيير الحاضر والتهيئة لتحديات المستقبل. لكن أمتنا قد دبّ فيها داء الهروب إلى التاريخ، نعم نحن نهرب من مواجهة واقعنا باستدعاء التاريخ وأمجاده والاكتفاء بذلك، فهي حيلة نفسية نواري بها عجزنا عن مسايرة الغرب الذي أخذ بأسباب القوة والتقدم بينما توقفنا نحن عند حدود الماضي، وأسعد بلادنا حظًا من قطعت بضع خطوات في مجالات محددة، دون أن تكون هناك نهضة شاملة تجعلها على قدم المساواة مع وحوش العالم. نحن نعاني فوضى التفاخر بالماضي، أصبح المجد السابق هو بضاعتنا في التعريف بأنفسنا، مع أن التفاخر بالتاريخ لن يدفع عجلة الاقتصاد، ولن يحل المشكلات والأزمات الاجتماعية، ولن يسهم في التطور التقني والتكنولوجي، ولن يجعل القوى العسكرية في مصاف القوى الكبرى. ما فائدة أن يتراشق أهل كل بلد من بلدان الأمة بسالف أمرها، هذا يتفاخر على هذا بأن له حضارة عمرها كذا ألف سنة، وهذا يتفاخر على ذاك بأن أجداده هم من اخترعوا كذا، وأصبحت كلمة «كنا، وكنا» ديباجة في خطاب الشعوب. أجدادكم فعلوا، فماذا فعلتم أنتم؟ كان هذا ماضيكم فأين حاضركم؟ ليست المشكلة في أن تعتزّ الأمم بتاريخها، فالتاريخ هو الذاكرة الجماعية والرصيد الرمزي الذي يمنح الشعوب هويتها ومعناها، لكن المعضلة الكبرى التي تعانيها أمتنا تكمن في أنّها حبست نفسها داخل الماضي، واكتفت بالنظر إلى تاريخها المجيد نظرة تمجيد وتقديس، دون أن تحوّل هذا التاريخ إلى مصدر للعبرة، أو إلى جسر يعينها على فهم واقعها ومواجهة تحديات عصرها والعبور بثقة نحو المستقبل. لقد علّمنا التاريخ ذاته أن الحضارة لا تُورّث، وأن المجد لا يُستعاد بالتغنّي به، بل بالعمل وفق السنن التي أقامته أول مرة: العلم، والعمل، والهوية، فأسلافنا لم يتقدموا لأنهم عاشوا على أمجاد من سبقهم، بل لأنهم واجهوا واقعهم بشجاعة، وأبدعوا حلولًا تناسب زمانهم، واستثمروا معارف الأمم الأخرى. إنّ أخطر ما تواجهه أمتنا اليوم هو تحويل الماضي إلى بديل عن الحاضر، وإلى مبرر للعجز بدل أن يكون دافعًا للنهوض. فالعالم من حولنا يتغيّر بسرعة هائلة، تُقاس فيها قوة الأمم بقدرتها على الابتكار، وعلى استيعاب التحولات العلمية والتكنولوجية، بينما لا تزال كثير من مجتمعاتنا أسيرة النظر المجرد إلى الماضي انبهارًا واكتفاءً. التذكير بالماضي والأجداد العظام يفلح فحسب مع من يعتبر بذلك الماضي ويتخذ منه نبراسًا ويقتبس منه ما يضيء به الطريق نحو المستقبل المزهر، وهذا هو منهج القرآن الكريم، فهو يذكر بتاريخ الأمم السابقة التي هلكت رغم إغراقها في النعم وأوجه التقدم بسبب حيدتها عن طريق الله، يذكر بذلك من أجل الاتعاظ والاعتبار بأن القوة لابد وأن تُساس بالمنهج الإلهي. يذكرنا القرآن الكريم بالتاريخ المشرق والأجداد العظام حتى نسير سيرهم ونحذو حذوهم لا لنقف عند قول الشاعر: أولئك آبائي فجئني بمثلهم، إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ. فالله تعالى يقول في سورة الإسراء: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}، وحولها يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: «تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم، {إنه كان عبدا شكورا}. فالقرآن هنا لم يذكر سلالة نوح بأبيهم ليتفاخروا به ويقفوا عند هذا التفاخر، بل من أجل التشبه به في خصاله وأفعاله وقيامه بشكر المُنعم على ما أنعم به من النعم. النظر إلى التاريخ لا يصلح أن يكون مهجعًا للاستغراق في النوم، وإنما هو منطلق لأن نستلهم من الماضي لإصلاح الحاضر والعبور المتزن الآمن إلى مستقبل مزهر.

816

| 21 ديسمبر 2025

موعد مع السعادة

السعادة، تلك اللمسة الغامضة التي يراها الكثيرون بعيدة المنال، ويظنون أن تحصيلها لا يكمن سوى في تحقيق طموحاتهم ومضامين خططهم، لكن السعادة ربما تأتيك على هيئة لا تنتظرها، قد تأتي فجأة وأنت في لحظة من الغفلة، فتكون قريبة منك أشد القرب، كما لو كانت تلتف حولك وتحيط بك من كل جانب. كثيرًا ما تختبئ السعادة في تلك التفاصيل التي لا تكترث بها، في تلك اللحظات التي تمر سريعة وكأنها حلم. ربما مر عليك تلك الليلة التي تلوت فيها القرآن، فتوقف قلبك عند آية بعينها، فانبعثت من أعماقك مشاعر جديدة، فسالت دموعك على وجنتيك، أو ربما كانت تلك الدمعة الثمينة قد سكبتها في إناء ركعة بجوف الليل، فسرت فيك طمأنينة وسكينة ورقة لم تعهدها، لا تعدل بها شيئًا من لذات الدنيا، ألم يكن ذلك موعدًا لك مع السعادة؟ وربما مر عليك يوم، كنت تقلب منزلك رأسًا على عقب بحثًا عن شيء مفقود، وبينما أنت في حال من اليأس، تتذكر موضعه، أو يظهر لك في موضع لم تتوقعه كأنه يهدئ من روعك قائلًا: «هأنذا»، فتبتسم وتبتسم وتتسع ابتسامتك، ألم تكن هذه اللحظة الرائعة موعدًا لك مع السعادة؟ وذلك الفقير الذي يعاني من ضيق اليد، ربما قضى ليلته مهمومًا يفكر كيف يدبر قوتًا أو شيئًا من أمور المعاش لأهله، وبينما يخرج مجترًا همومه، يكتشف في جيب سترته القديمة ورقات نقدية قد نسيها منذ العام الماضي، فيتحول ذلك الفقر إلى لحظة من الفرح، ألم يكن هذا الرجل على موعد مع السعادة؟ حدثني أحدهم وكان حديث عهدٍ بالزواج أن صديقًا طرق بابه يطلب منه بعض المال، وهو لا يملك في جيبه غير مبلغ زهيد بالكاد يكفيه، لكنه يأبى أن يرد سائله، ويؤثره على نفسه رغم الخصاصة، ثم في نفس اليوم تزوره خالة له جاءت من سفر على غير موعد، لتبارك له وتهنئه، فأعطته مبلغًا من المال، فإذا به يراه نفس المبلغ الذي بذله إلى صديقه بالتمام والكمال لم ينقص منه قرش، فتجلى أمامه ذلك الوعد الإلهي بالعوض، ألم يكن ذلك الرجل على موعد مع السعادة؟ وذاك الذي كان على وشك أن يسقط في يد أعدائه وقد أشهروا أسلحتهم في وجهه، وبينما كان الخنجر يوشك أن يغرس في صدره، إذا به يستفيق فجأة من حلم مزعج، ويكتشف أنه كان مجرد كابوس، فيحمد الله على نجاته باليقظة من ذلك الهلع، ألم يكن وقت نجاته من ذلك الكابوس على موعد مع السعادة؟ وماذا عن تلك اللحظة التي أخذت فيها بيد عجوز هرم، تمشي بصعوبة وتبدو ملامحها تحمل سنوات من التجاعيد، لتسير بها إلى الجهة الأخرى من الطريق؟ ثم ترى تلك الدعوات التي تتدفق منها، والتي تظل تشعرك بالدفء والسعادة، وكأن دعاءها درعٌ لك، ألم يكن ذلك موعدًا لك مع السعادة؟ وكم هي السعادة حقيقية عندما يتمكن من الإصلاح بين زوجين كانا على شفير الفراق، فيكون سببًا في حماية ذلك البيت من الخراب؟ أو عندما يغمره الضحك على فكاهة بريئة تكاد تطيح به على ظهره من شدة السعادة؟ ألا يجد السعادة في تلك اللحظة الصغيرة عندما يقابل طفلة مبتسمة في الشارع، تملأ قلبه بالفرح بلا سبب آخر سوى ابتسامتها الطفولية؟ أليست كل هذه المشاهد مواعيد للمرء مع السعادة؟ السعادة تكمن في كل زاوية، في لمحة صغيرة، في حديث عابر، في ابتسامة، في دعوة، في لحظة طمأنينة، في إنجاز بسيط. نحن الذين نغفل عنها لأننا نبحث عنها في مكان بعيد، ولو أننا فهمنا أن السعادة ليست في ما نمتلكه من أشياء، بل في قدرتنا على الرضا، لتغيرت حياتنا. ليتنا ندرك أن السعادة ليست حلمًا بعيدًا أو حلمًا محجوزًا لمن يسعى للوصول إلى شيء معين، بل هي لحظات متجددة متغيرة متناوبة في كل يوم. السعادة موجودة في القلوب الراضية، وفي الأرواح الطاهرة، وفي الأبصار التي تلتقط جمال الحياة حتى في أصغر تفاصيلها، وما علينا سوى أن نرصد واقعنا بعين القناعة والتفاؤل، نتخلى قليلًا عن النظارة السوداء، فندرك أن مواعيد السعادة لا تنتهي.

783

| 14 ديسمبر 2025

الإسلام منهج إصلاح لا استبدال

يُتهم الإسلام زورًا وبهتانًا بأنه جاء ليهدم الدنيا ويبنيها من جديد، أو أنه جاء ليسبح بالبشرية عكس اتجاه مسارها التاريخي، أو أنه جاء ليتنكر لميراث البشرية بشكل مطلق. إن من يتأمل في المنهج الإسلامي بموضوعية وحيادية، سيدرك بجلاء، أن هذا المنهج قد أُنزل للبشرية من أجل إصلاح ما فسد، وتعزيز ما صلح، مستثمرًا الأصل الذي خلق عليه الناس، وهو الفطرة البشرية السليمة، فهو يعيد الناس إلى أصل هذه الفطرة، لا أن يخلق منهم شخصيات أخرى من العدم. ذلك المنهج لا يعيد تشكيل المنظومة القيمية والأخلاقية للبشر، بل جاء ليعززها ويستبعد ما فسد منها بفعل تلوث الفطرة، ونستطيع أن نفهم ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فلم ينشئ الإسلام أخلاقًا من العدم، بل جاء لإتمام رصيد البشرية من فطرتها السليمة وفضائلها الأخلاقية التي لم تُلوث، وقد ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «جاء الإسلام وفي العرب بضع وستون خصلة كلها زادها الإسلام شدة، منها: قرى الضيف وحسن الجوار والوفاء بالعهد». ولم يأت الإسلام كذلك لينسف عادات المجتمعات بل ليهذبها ويصلحها، فلم يأت النبي صلى الله عليه وسلم بلباس جديد ليخالف القوم، ولم يشذ عنهم لمجرد أنهم مشركون، بل كان يلبس مما يلبسون، إلا أنه نهى عن بعض المسائل حيال اللباس صيانة للنفس البشرية، كالنهي عن إطالة الثياب تفاخرًا واستعلاءً. كما أنه أبقى على العادات الحسنة وأكد عليها واستحبها، إذ إنها أمور دعت إليها الفطرة السليمة، كتنظيف الأسنان بالسواك، والاستنجاء، وقص الأظافر ونحوه. ولم يأت الإسلام بمنظومة جديدة في العقود والمعاملات بين الناس، بل أجاز ما يتوافق مع مصالح البشر، فمثلا كانت هناك عقود البيع والشراء، وعقود الربا، فأحل البيع والشراء الذي تصلح به أمور معاش الناس ويحقق لهم المنافع المتبادلة دون إضرار، لكنه في الوقت نفسه استبعد عقود الربا لأنها تدمر اقتصادات الدول والأمم كما هو معروف. وفي عقود الزواج كانت هناك أربعة أنحاء، كما بينت السيدة عائشة، فالأول هو ما يجري عليه العمل اليوم، تُخطب المرأة من وليّها ويتزوجها على الصداق أو المهر، وثلاثة كلها مبنية على استساغة الفحشاء، وتؤدي إلى مفسدة ضياع الأنساب وعدم حفظها، فأبطل هذه الثلاثة، وأقر الأول الذي به تحفظ الأنساب ويتحقق مقصود العفاف واستمرار النسل البشري. الإسلام الذي نزل لإعادة الناس إلى فطرتهم الأولى، لم يستهدف القضاء على الحضارات الأخرى في فتح مصر، لم تكن الحرب بين المسلمين العرب والأقباط، لقد كانت المعارك مع المحتل الروماني الذي سام المصريين سوء العذاب، وبعد أن تحررت هذه البلاد من القهر الروماني، استأمن المسلمون الناس على أرضهم وأعراضهم وعقيدتهم، بل أتى القائد عمرو بن العاص بالقساوسة الذين هربوا في الجبال من بطش الرومان وأقامهم على كنائسهم. الإسلام ليس مسؤولا عمن حمله ولم يقم بحقه وأساء إليه، وهو ليس مسؤولا كذلك عن الأفهام الضالة المنحرفة التي كونت أفكارها عن الإسلام من خلال آراء المبغضين والموتورين والشانئين.

696

| 07 ديسمبر 2025

المجتمع بين التراحم والتعاقد

يحكي العالم الموسوعي عبد الوهاب المسيري في أحد حواراته، أنه في طفولته طرقت فتاة بابهم تحمل سلة بها أشياء ترغب في بيعها، فصرفها لعلمه أن مثل هذه الأشياء لا يحتاجونها، فزجرته والدته، فأخذت السلة من الفتاة بثمن أكثر بكثير من قيمتها المستحقة، فأخبرته أن هذه الفتاة ابنة أحد كبار التجار الذين ماتوا. لقد رسّخت هذه القصة في وجدان المسيري فكرة المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي، وصارت هذه المقولة مكونًا أساسيًا في فكره، ذلك أن فعل الأم كان في حقيقته صدقة تعبر عن التراحم، وأما كونها أخذت منها السلة رغم عدم احتياجها لها، فهو غطاء التعاقد الذي يحفظ كرامة هذه الفتاة، ويجنبها الشعور بالتسوّل. المجتمع التعاقدي يستند إلى القوانين المكتوبة التي تحقق المصلحة الفردية والجماعية، وتكون واضحة ومحددة، وهذا ما أخذه شكل المجتمعات الحديثة، فتتعامل وفقا لثنائية الحقوق والواجبات. بينما المجتمع التراحمي يستند إلى القيم الدينية والأخلاقية، فهي على الرغم من وجود قانون يحكمها وينظم العلاقات بين أفرادها، إلا أنه ليس المحرك الوحيد لسلوكيات الأفراد في التعامل مع الآخرين، إذ هناك القيم والأعراف والتقاليد والروابط العائلية والقبلية ونحو ذلك، وهي ليست قوانين مكتوبة بل تستنبطها المجتمعات كثقافة ووعي وميراث قيمي وترجمة لما ينبغي أن تكون عليه المشاعر الإنسانية. هذا التصنيف يمثل حالة التباين بين المادية والروحية، بين النص القانوني المجرد وروح النص القانوني، وإنك لترى مثلا في أوروبا تأثير الأوضاع التعاقدية - في الأسر غير المحافظة- على الفتاة التي تكبر وتصبح مسؤولة عن نفسها وتنفصل عن الأسرة وترتبط بها عبر الزيارات والمناسبات، فالأسرة لم تعد ملزمة بها. لكن في الأوضاع التراحمية في المجتمعات التقليدية في الوطن العربي والإسلامي، تجد الفتاة الرعاية والكفالة الكاملة قبل زواجها، بل حتى بعد زواجها تصبح الأسرة ملاذا تأوي إليه الابنة في أي وقت. في المجتمع التراحمي يُنصر المظلوم المستجير لا لشيء إلا بدافع المروءة والشهامة حتى وإن تحمل المجير ضررًا جراء إجارته، بينما في المجتمع التعاقدي يفعل المجير فقط إذا كانت الإجارة تحقق مصالحه وإلا فلا. في المجتمع التراحمي يستشعر الجار المسؤولية الاجتماعية تجاه جيرانه، فيتفقد أحوالهم، يعيدهم في المرض، ويشاركهم الأفراح والأتراح، ويطعمهم أحيانا مما يطعم، بينما في المجتمع التعاقدي المبني على نصوص القوانين المجردة، يتعامل الجار مع جاره على أساس تمسكه بحقوقه المتعلقة بكفالة عدم إزعاجه من قبل الجار بالأصوات العالية، أو عدم وقوف سيارة الجار أمام منزله أو في طريقه ونحو ذلك. ولا شك أن مجتمعاتنا تأثرت نسبيًا بطوفان العولمة ومخرجات الحداثة التي طغت فيها المادة على الروح، حيث طغت لغة المصالح والنفعية في المعاملات على قيم التسامح والإيثار والتضحية والبذل ونفع الآخرين بلا شرط أو مقابل، حتى أصبح في عرف السوق أن التاجر الناجح هو الذي يخلّي العاطفة والإنسانية في تعاملاته التجارية والمالية. وصرنا نرى من ينفق الملايين على حملاته الدعائية بينما يضن بالقرش على المحتاج، بل كثير منهم إذا أقدم على البذل والصدقات فعلها لتخدم فقط الدعاية التي يقوم بها لنفسه أو لمؤسسته. المجتمع الذي يوصف بالصحة هو ذلك المجتمع المازج بين التعاقد كدستور منظم، وبين التراحم الذي يتخطى حدود الحقوق والواجبات، ويترجم المنظومة الأخلاقية والقيمية والإنسانية، وهو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر)، فهو أبلغ وأوقع تعبير عن المجتمع التراحمي، الذي يرتقي فيه الإنسان ويتعامل بما يليق بهذه الخلقة التي كرمها الله عز وجل {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

732

| 30 نوفمبر 2025

عندما تتحكم العاطفة في الميزان

في مدينة نوتنغهام الإنجليزية، يقبع نصب تذكاري لرجل يرتدي ملابس تشبه ملابس العصور الوسطى، ويمسك بيده قوسًا وسهمًا، واقفًا في وضعية قتالية واضحة. هذا التمثال لشخصية شهيرة مثيرة للجدل من حيث حقيقة وجودها، ومن حيث صحة الروايات المتعلقة بها، وهي شخصية روبن هود. تعتبر هذه الشخصية علامة بارزة في الأدب الإنجليزي، وهي من حكايات التراث الشعبي التي تناقلتها الأجيال عبر قرون. روبن هود شخص عاش في القرون الوسطى وهو خارج عن القانون ويقوم بسرقة الأثرياء وتوزيعها على الفقراء، على الرغم من أن بعض الباحثين يشكك في حقيقة هذه الشخصية، وبعضهم كذلك يشكك في كونه فارسًا شهمًا نبيلًا ويقول إنه كان قاسيًا مستبدًا يستمتع بالدماء. لكن دعونا نسير وفق السياق الأشهر للقصة وهو كونه فارسًا نبيلًا يسلب أموال الأثرياء والإقطاعيين ويوزعها على الفقراء. من يشاهد الأفلام العديدة التي أُنتجت حول شخصية روبن هود، والشخصيات المماثلة في الدراما العربية، من حيث منحى السرقة من أجل الفقراء، غالبا ما يتعاطف مع هذه الشخصية، فهو ينظر إلى جانب واحد من القصة وهو تحقيق الفائدة للفقراء، لكنه يغفل عن الجانب الآخر وهو سرقة الأثرياء وسلبهم أموالهم، وكأنّ الغنى والثراء جريمة، وكأن السرقة سبيل مشروع لتحقيق العدالة الاجتماعية، مع أن هناك وسائل أخرى كان يمكن أن يفيد بها الفقراء لمواجهة شظف العيش، كجمع التبرعات مثلًا أو تعليمهم حرفة يتكسبون منها أو توفير بيئة أخرى لهم تستوعبهم، كمساعدتهم في الهجرة إلى أرض أخرى يجدون فيها رغد العيش. هذا الاتجاه النفسي للمتلقي الذي يتعاطف مع السارق الذي يسلب الغني ويعطي الفقير، يكون حاضرًا كذلك لدى البعض عند مشاهدة فيلم أو قراءة رواية أو حتى معاينة حدث واقعي، يتضمن علاقة عاطفية بين امرأة متزوجة ورجل يمنحها المشاعر التي حرمت منها مع زوجها الجامد المادي النائي عن الرومانسية، والذي لا يحسن الغزل والتدليل. كثيرًا ما يحدث التعاطف مع هذه الزوجة، ويلتمس المتلقي لها العذر بسبب إهمال الزوج، والذي يشعر المتلقي بالسخط نحوه، مع أنه في حقيقة الأمر قد ظُلِم، مع أنها بالأساس كان يمكن أن تفارقه بشكل رسمي إذا رأت استحالة العشرة معه. الأمر شبيه برياضة مصارعة الثيران أو «لا كوريدا تي توروس»، ذلك التقليد الذي اشتهرت به عدة دول، أبرزها إسبانيا على مدى قرون، حيث يتعاطف المشاهد مع البطل الشجاع الذي يستفز الثور ويثير غضبه، يوجّه الحربة إلى جسده مرات حتى يستنزف قوته إلى أن يسدد له رمية الموت، وسط هتاف الجماهير، مع أن حقيقة المشهد هو الخروج عن الإطار الإنساني وتعذيب الحيوان بهذه الطريقة البشعة، ومع ذلك يتعاطفون مع الإنسان القاسي الذي يشتهر ويسلي الناس بهذه الوحشية. هذا التعاطف السلبي يعد إخلالًا بميزان العدل، واستحسانًا للمساوئ بتسويل الهوى، والذي يمكن أن يحول أي عمل قبيح إلى حسن، ويؤصل مفهوم الغاية تبرر الوسيلة، والقفز على حتمية مشروعية الوسائل ومشروعية الغايات معًا. فانطلاقًا من هذا المنحى السلبي يمكن أن يُستساغ قتل الظالم – حتى وإن كان ظلمه لا يستوجب القتل- بحجة أنه دفاع عن المظلومين، فتتحول الحياة إلى غابة، وهذا ما لا يقوله عاقل. وبهذا المنطق المعيب أيضًا، سنجد من يتعاطف مع الوجود الصهيوني في فلسطين، ويسلب عنه صفة الاحتلال، انطلاقًا من التعاطف مع تشرد وتشرذم هذه الطائفة في دول العالم وأن من حقهم أن يكون لهم وطن يجمعهم. أصحاب هذا الاتجاه النفسي مدفوعون بغلبة العاطفة وطغيانها على المنطق والعقل لديهم، أو ربما تلامس القصة أو الحدث شيئًا من أحوالهم وأزماتهم، فيتحولون بشكل تلقائي إلى استحسان الخطأ، لا لشيء إلا لأنه يسد ثغرة نفسية لديهم. العاطفة المحضة لا تصلح محركًا أو موجهًا لاتخاذ المواقف إلا إذا وافقت العقل، فالعقل قد أنعم الله تعالى به على الإنسان ليدرك الحقائق، وجعل الشرع المنزل موجها ومرشدا لذلك العقل ومنظمًا لعمله نظرًا لاختلاف العقول في قدراتها واستيعابها ونسبة إدراكها وطريقة عملها.

1206

| 23 نوفمبر 2025

ارتباك النجاة.. حرب ما بعد الحرب في غزة

بعد توقف الحرب الغاشمة الشاملة التي شنها الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة، شرع العالم يلتقط أنفاسه المتهدجة، بعد عامين من نزف الإنسانية على مذبحة العصر، وبدأت الأنظار تتجه لرايات السلام التي يؤمل لها أن ترفرف فوق غزة. ولئن توقفت الحرب الشاملة وعاد الاحتلال إلى ما كان عليه قبل الحرب من عمليات عدائية محدودة من حين لآخر، إلا أن توقف أصوات القصف لا يعني أن الحرب توقفت، بل بدأت حرب أخرى صامتة لا ترصدها الكاميرات، ولا تتناولها وسائل الإعلام، على الرغم من أنها أشد ضراوة. إنها حرب ما بعد الحرب، تلك التي يخوضها الإنسان في غزة داخل نفسه التي اهتزت، وفي أعماقه التي تهشمت، حرب استعادة الروح وإعادة ترتيب النفس والبحث عن ملامح الذات التي بدلتها ضغوط الحرب وترقب الموت في كل لحظة وفقد الأحبة وانعدام سبل الحياة. أهل غزة إبان الحرب، عاشوا سكرة الرغبة في النجاة، كل مشاعرهم وحواسهم التفت حول أمنية أن تنتهي الحرب ليبدأوا الحياة، ولكن ما إن توقفت الحرب حتى أفاقوا على حياة أخرى وواقع مختلف، لم يعد المرء منهم يتذكر نفسه السابقة، ولم يعد يعرف إلى أي وجهة يسير، الوجوه قد أنكرت الوجوه، والقلوب قد أنكرت القلوب، وربما يكون أدق توصيف لما عليه الحال في غزة هو «ارتباك النجاة». إنها حرب لا تُرى، فكما خلّفت الحرب أطلالا من الطوب والحجر، خلّفت كذلك أطلالًا من البشر، بقايا من البشر، أطفال قد نُزعت منهم طفولتهم، وشباب قد شابوا قبل الأوان، ونساء ثكالى أنهكتهن المفاضلة بين الخيارات المستحيلة، وقلوب تعلمت أن تتوقع الأسوأ دائمًا. اختلطت مشاعر النجاة لدى أهل غزة بما يعرف في علم النفس بـ «ذنب الناجين»، فما من بيت إلا وقد ذاق مرارة رحيل الأحبة، قد ذرفوا الدموع حينها وتشققت قلوبهم على من فقدوا، لكن ما إن انتهت الحرب حتى بدأت مظاهر هذه الفوضى النفسية، وكأنهم أذنبوا بالنجاة من الموت بينما لم يفلت منه أحبتهم، هذا الشعور الجاثم يضرب جذور الوعي للناجي، ويحول النجاة التي فرح بها فور توقف الحرب إلى عبء ثقيل. الخوف في غزة أصبح حالة مستقرة مستمرة، فالرجل الذي اعتاد الخوف على أسرته وفشل في حمايتهم من القصف والدمار، أصبح أسيرًا للخوف من فقدان القدرة على حمايتهم مجددًا، والمرأة التي كانت تستيقظ على صوت القصف غدت تستيقظ على أسوأ الكوابيس، والطفل الذي كان يصرخ كلما سمع دوي الانفجارات، غدا يخاف من هدوء الليل. أحد جوانب معاناة حرب ما بعد الحرب، أن سكان غزة صاروا بمواجهة أسئلة لم تكن تداهمهم بهذه القوة إبان الحرب، فكيف يعيشون بعد كل هذا الموت، وكيف سيعيشون في حياة فقدت معاييرها، وكيف سيعود كل شيء إلى سابق عهده؟ هناك جيلٌ تشكل وعيه وامتلأت ذاكرته البيضاء بمشاهد الموت والدمار طيلة عامين، هي أول ما وعى وأول ما اكتنزته الذاكرة والوجدان، كيف سيعيش هذا الجيل؟ وكيف سيكون مستقبله؟ التفكير في هذه المسألة حقًا يدمي القلب نعم أهل غزة أهل صلابة قد ألفوا المحن، لكنهم في النهاية بشر، ولا يمكن أن يخوضوا هذه المعركة وحدهم، لذلك ينبغي أن يكون هناك موقف عربي إسلامي داعم يتجاوز المواقف الرمزية. وكما أن هناك تفكيرًا في خطط لإعادة الإعمار، يتعين أن تكون هناك أيضا خطط لاستعادة إنسان غزة. ينبغي تأسيس برنامج عربي إسلامي موحد لدعم الصحة النفسية لأهل القطاع، بإرسال فرق من الأطباء النفسيين وأخصائيي الإرشاد النفسي، وإنشاء مراكز علاج متخصصة للصدمات النفسية، وتأمين منح تدريبية لأخصائيين من أهل غزة في مراكز عربية متقدمة ليعودوا بخبراتهم إلى مجتمعهم للإفادة في هذا الجانب، كما يمكن تأسيس صندوق مستقل للإنفاق على برامج الدعم والتأهيل النفسي لسكان القطاع. تبعات الحرب بشعة وآثارها النفسية الصامتة لا تقل عن نتائجها المرئية، تحتاج إلى وقفة عربية وإسلامية جادة وقوية، ووعي يتخطى المنظور بالعين المجردة وينفذ إلى تلك المعاناة الصامتة ويسلط الضوء عليها ويتعاطى معها.

738

| 16 نوفمبر 2025

3147

| 28 يناير 2026

alsharq
«السنع».. ذكاؤنا العاطفي الذي لا يُدرّس في هارفارد

تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل...

2172

| 28 يناير 2026

alsharq
الشيخ جوعان.. قامة وقيمة و«قيم أولمبية»

-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد»...

1167

| 29 يناير 2026

alsharq
التغيير المقبل في إيران

لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول...

615

| 01 فبراير 2026

alsharq
العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 2-2

..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds:...

603

| 30 يناير 2026

alsharq
عنق الناقة وعنق الكلمة

لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...

537

| 27 يناير 2026

alsharq
من الدوحة إلى آسيا.. رؤية قطرية تعيد رسم مستقبل الرياضة القارية

في محطة تاريخية جديدة للرياضة العربية، جاء فوز...

501

| 29 يناير 2026

alsharq
في خاطري شيء ودي أقوله

- تعودنا في هذا الوطن المعطاء عندما تهطل...

498

| 02 فبراير 2026

alsharq
الشخصيات الصعبة في العمل

في بيئات العمل المتنوعة، نصادف شخصيات مختلفة في...

468

| 01 فبراير 2026

alsharq
العمل حين يصبح إنسانيًا

بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة،...

447

| 28 يناير 2026

alsharq
مبادرة لدعم التعليم الجامعي لذوي الدخل المحدود

وجد عشرات الطلاب الجامعيين أنفسهم في مأزق بعد...

423

| 02 فبراير 2026

alsharq
حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...

420

| 03 فبراير 2026

أخبار محلية