رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين يفقد العلم بوصلته الأخلاقية

لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية تمكنت من صنع واحدة من أعظم الثورات العلمية في التاريخ البشري، وفتحت آفاقًا غير مسبوقة أمام المعرفة، ودفعت الإنسان إلى اكتشافات كان يظنها من ضروب الخيال. لكن في الوقت نفسه تصطدم هذه الثورة العلمية بسؤال ملح يفرض نفسه في خضم هذا السباق المحموم عن ذلك الإنسان، ألا يزال هو الغاية التي يدور حولها العلم، أم أنه أصبح مجرد أداة على طريق الإنجازات؟ على الرغم من الإنجازات العلمية الهائلة للغرب، إلا أنه قد انتهى به الأمر إلى تهميش الإنسان نفسه بعد أن صار للعلم منطقه الخاص، يتراكم ويتمدد بلا سقف أخلاقي ولا بوصلة قيمية تحدد غايته واتجاهاته. المشكلة في الفلسفة التي تحكم العلم ومرجعيته التي تسيّره لا العلم نفسه، وذلك حين يحدث الفصام النكد بين العلم والأخلاق، فيفقد العلم سمة التمييز بين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله، فيكون الإنجاز هدفًا قائمًا بذاته ولو كان على حساب الإنسان، والذي لم يوجد العلم بالأساس إلا لخدمته. سبر الغرب أغوار الذرة وكشف كثيرًا من أسرارها، فبدلا من حصرها في خدمة الجنس البشري، أطلق سباقًا نوويًا جعل العالم على حافة الدمار وتحت تهديد دائم بالفناء، وخلّفت تجاربه نفايات إشعاعية تعاني منها الأجيال اللاحقة، فتحولت المعرفة من وسيلة لحماية الإنسان إلى مصدر تهديد وجودي له. والثورة الصناعية في الغرب كذلك منحت البشر أدوات إنتاج هائلة، ورفعت مستويات المعيشة في كثير من المجتمعات البشرية، لكن الثمن كان باهظًا، إذ طغت شهوة الإنجاز على مصلحة الإنسان وأسهمت الإنبعاثات الناتجة عن الاستخدام المكثف للفحم والنفط والغاز في تسارع التغيرات المناخية، حتى صار الاحتباس الحراري أحد أبرز التهديدات التي تواجه الإنسانية، بينما لا تزال الدول التي تقود هذا النموذج الصناعي تتعامل مع تلك المشكلة بمنطق المصالح والتوازنات السياسية أكثر من تعاملها معها باعتبارها تهديدًا وجوديًا يمس مستقبل الجنس البشري. تخطى هذا العبث حدود البيئة والمناخ إلى الهندسة الوراثية والتعديلات الجينية، فأصبح الإنسان حقلا للتجارب دون إدراك كاف بالعواقب، فقدمت الأرباح الاقتصادية على سلامة الإنسان، والذي فرض عليه قبول المنتجات المعدلة وراثيا على الرغم من أخطارها المحدقة بصحة البشر. ولهذا لم يكن مستغربًا أن يصف عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران جانبًا من الحداثة بأنها دخلت طورًا جديدًا من الهمجية؛ همجية لا تحمل ملامح التخلف، بل ترتدي ثوب المختبرات والتكنولوجيا والعقلانية، فتغدو أكثر خطرًا لأنها تمتلك أدوات العلم دون أن تلتزم دائمًا بحكمته. إن الخطأ الحقيقي يكمن في تحويل التجربة الغربية إلى نموذج مكتمل لا يقبل المراجعة، وفي استيرادها بكل تناقضاتها، كما لو أن التقدم لا يتحقق إلا عبر الطريق ذاته، بما فيه من نجاحات وإخفاقات. فالحضارات لا تُقاس بما تمتلكه من مختبرات فحسب، وإنما بما تحققه من توازن بين المعرفة والضمير، وبين القوة والمسؤولية، وبين العقل والقيمة. ولعل أخطر ما تسلل إلى وعينا خلال العقود الأخيرة هو التسليم بأن العلم لا يزدهر إلا إذا تحرر من المرجعيات الأخلاقية، وكأن القيم تمثل عبئًا على النهضة لا ضمانة لاستمرارها. غير أن التجربة الإنسانية نفسها تكشف العكس؛ فكلما ازداد العلم قوة، ازدادت حاجة الإنسان إلى منظومة أخلاقية تضبط استخدامه، وتحول دون تحوّله إلى أداة تهدد وجوده. إن المستقبل لن يكون لمن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا وحدها، بل لمن ينجح في إعادة الاعتبار إلى الإنسان داخل مشروعه الحضاري، فالعلم الذي لا يحرسه الضمير قد يحقق إنجازات مبهرة، لكنه قد يقود في الوقت ذاته إلى كوارث لا تقل حجمًا عن إنجازاته. أما الحضارة التي تجعل الإنسان غايتها الأولى، فإنها وحدها القادرة على أن تصنع تقدمًا يليق بالإنسان، ويحفظ له كرامته، ويجعل من المعرفة طريقًا للعمران لا للهدم، وللحياة لا للفناء. كلماتي ليست نقدًا لمخرجات الحضارة الغربية بقدر ما هي صيحة تحذير لكل مفتون بالنسق الغربي دون رويّة، من الفصل بين العلم والأخلاق، واعتبار الفصام بينهما طريق الازدهار والبناء.

573

| 01 أغسطس 2026

احترموا صغاركم

ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا كثيرًا ما تنصرف أذهاننا لدى الحديث عن الاحترام أنه يُمنح من الصغير إلى الكبير. إظهار الاحترام للآخرين سمة عامة للعقلاء وذوي الفضائل، فالحاجة إلى التقدير والاحترام تقع ضمن المستويات الخمسة للاحتياجات النفسية التي تشكل دوافع السلوك البشري، فما من إنسان مهما كان عمره أو جنسه أو موقعه إلا ويحتاج لأن يحظى باحترام الآخرين وتقديرهم. كثيرًا ما يتم التعامل مع الطفل بعيدًا عن هذه الدائرة، وقد يتم إهدار شخصيته بدعوى التربية والتوجيه والتعويل على ضعف إدراكه في مرحلة الطفولة. إن الطفل أرض شديدة الخصوبة، كل ما يغرس فيه ينمو فيه بسرعة ورسوخ، وذاكرته البكر لا تسقط المواقف التي يتعرض لها في الصغر، وربما بلغ الإنسان من الكبر عتيًا ولا تزال آثار التربية الخاطئة التي تعرض لها في الصغر محفورة في وجدانه، تضغط عليه بأثر رجعي. إظهار الاحترام للطفل ضرورة تربوية، فهي تغرس في وجدانه أن الاحترام صورة نمطية عامة لما ينبغي أن يكون عليه الناس في تعاملاتهم، ومن ثم تصبح هذه القيمة لازمة له في شتى مراحل عمره. كما أن احترام الطفل يمنحه الثقة بالنفس التي تفجر فيه سمات الإقدام والإيجابية والإبداع، خلافًا للطفل الذي تُهدر كرامته وحقوقه تحت مظلة التربية، والذي يتقوقع في مشاعر سلبية لا حصر لها جراء هذا النمط التربوي العقيم. الطفل يحتاج إلى كلمة شكر عندما يلبي لك طلبًا، يحتاج إلى أن تحترم خصوصياته وممتلكاته الخاصة لا أن تعبث بها لأنك اشتريتها له بمالك، يحتاج إلى استيعاب عقليته الغضة لا أن تسكته بإشارة غاضبة قائلا: أنت ما زلت صغيرا غدا تفهم. يحتاج الطفل إلى أن يتكلم ويُسمع له لا أن يُسخر من لغوه، يحتاج إلى أن يجد نفسه بين الكبار لا أن يُطرد من حضرتهم لأنه صغير. يحدث في بعض مساجدنا أن يحرص الطفل على الوقوف في الصفوف الأولى للمصلين وسط الكبار، ربما تقليدًا لغيره من المواظبين على الصف الأول أو لإدراكه فضيلة الصلاة في الصفوف الأولى، لكنه يُصدم بمن يشير إليه للوقوف في آخر صفوف المسجد، فيتقهقر خجلًا، مع أن الصبي الذي يميز إذا سبق إلى الصف الأول لم يجز إخراجه كما قال الفقهاء ومنهم ابن حجر الهيثمي رحمه الله إذ يقول: "الصبيان متى سبقوا البالغين إلى الصف الأول لم يجز لهم إخراجهم"، وذلك لأن من سبق إلى شيء فهو أحق به. بعيدًا عن التكييف الفقهي، فإن هذا الصنيع يشعر الطفل بعدم الاحترام والتقدير، وأن ذنبه في الحياة أنه لا يزال طفلًا. قدوتنا وإمامنا والمربي الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب لنا من خلال سيرته العملية نموذجًا تربويًا فريدًا في احترام وتقدير الصغار. في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: «يا غلام أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟» فقال: ما كنت لأوثر بفضل منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه. ها هنا فعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرين يعبران عن حرصه الجم على احترام الصغير في العملية التربوية والتنشئة الصحيحة. ففي البداية، استأذن الصبي في أن يعطي الكبار قبله، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوزه وأعطى الكبار قبله بما جرت عليه عادة الناس وبلا استئذان، فلا أخالُ أن الأمر سيكون لافتًا لذي بال، لكنه كان في هذا المقام يغرس في نفس الطفل غرسًا وعينه على مستقبل هذا الطفل وآفاقه الممتدة، فاحترم ما يراه الطفل حقًا له، واستأذن منه على جلال قدره ومقامه لأن يسقي الأشياخ قبله. ثم استمع بصدر رحب إلى اعتراض الصبي ومسوغات رفضه بلا ضجر، ثم في النهاية استجاب لتشبث الصبي بحقه واحترم رأيه وأعطاه القدح. بمثل هذه التربية النموذجية الفريدة صنع النبي صلى الله عليه وسلم رجالًا أفذاذًا، وشخصيات ينحني لها التاريخ إجلالًا، ولم يكن غريبًا أن يقود أسامة بن زيد وهو في السابعة عشرة، جيشًا فيه كبار الصحابة، وكل ذلك ناشئ عن التربية الصحيحة.

690

| 25 يوليو 2026

مرَّ... وهذا الأثر

وكن رجلًا إن أتوا بعده... يقولون: مرّ وهذا الأثر.. هذا البيت الذي جادت به قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي، لم يكن مجرد حكمة شعرية عابرة، وإنما هو تجسيد بليغ لمعنى الوجود الإنساني، فحياة المرء لا تُحسب في سياق الزمن بما عاشه من سنوات، وإنما بما تركه من أثر في الناس، وبما أضافه في حياة البشر، فمن لم يزد في الحياة كان زائدًا عليها. تفنى الأعمار وتبقى الآثار، يرحل الرجال وأعمالهم في صناعة الإنسان والحياة باقية، وتخلد سيرتهم بما صنعوه في الناس كالأمثال السائرة، وتلك من أبرز خصائص الإنسان، أنه قادر على أن يمتد بعد موته وإن توقف نبضه، ولذا ظل المصلحون أحياء رغم تعاقب الدهور، إذ تركوا إرثًا من علم أو قيم أو إصلاحات ينتفع بها الأنام. ويشهد لسان التاريخ بأن كل نهضة يقف وراءها أناس لم يسألوا عما سيأخذونه من الحياة، وإنما كان همّهم: ماذا سنضيف إليها. إن أروع ما في فكرة الأثر، أنها تمنح الحياة معنى يتجاوز حدود الأفراد وحدود الزمان والمكان، فالإنسان الذي يسعى في حياته لأن يترك أثرًا، يعلم أنه قد يغرس ويجني غيره الثمار وربما يكون الحصاد في زمن غير زمنه وأرض غير أرضه، وقد لا يدرك في حياته مدى تأثيره، لكنه يؤمن بأن الغرس في حد ذاته رسالة. هناك أثر مُختلق أو ربما واهٍ، يتم تفخيمه وتعظيمه وتلميعه بأساليب الدعاية، إلا أنه سرعان ما يُنسى وينقطع ذكر صاحبه كأنه لم يكن، أما الأثر الحقيقي الذي يتركه المرء وينتفع به الناس على الحقيقة، فهو الذي يبقى ويخلد صاحبه. ربما يتحدث الناس عن أثر المرء حال حياته، إلا أن بعض أصحاب الأثر، قد يكون موتهم انطلاقة قوية لظهور هذا الأثر، فيزداد بالموت ألقا وتوهجا وذيوعًا، تتناقله الألسن والأقلام غضا طريًا كأنه حديث عهد بحياة الناس. هكذا رأيت أثر الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته، ذلك أنني على الرغم من متابعتي السابقة لإنجازاته، إلا أن وفاته قد جمعت في ذهني شمل الصور المتفرقة للإنجازات وأضافت إلي ما لم أكن أحيط بها علمًا. ثمانية عشر عاما قضاها الشيخ حمد رحمه الله في صناعة النهضة القطرية، وبناء دولة المؤسسات، وترسيخ اقتصاد قوي يستثمر قوة الغاز الطبيعي التي حباها الله تلك الأرض، وتحقيق قفزة واسعة في مجال التعليم والبحث العلمي، وتحقيق طفرة إعلامية تتمثل في شبكة الجزيرة القائمة على أحدث النظم الإعلامية التي وضعتها في مصاف الشبكات المرموقة في العالم، وأرسى دعائم سياسات خارجية تقوم على الانفتاح الموزون وتعزيز دور الوساطة القطرية في فض النزاعات والصراعات. كما ارتبط اسم الأمير الوالد بالقضية الفلسطينية وخاصة قطاع غزة، والذي زاره كأول زعيم عربي تطأ قدماه غزة عام 2012 كاسرًا للحصار الصهيوني المفروض على القطاع، وله من جهود الإعمار والإغاثة ما لا ينكره إلا جاحد مغرض، فلم يكن غريبا أن تقام له مجالس العزاء في قطاع غزة، ونتيجة لآثاره الطيبة في دول العالم الإسلامي أطلق اسمه على شوارع بعض العواصم الإسلامية، وأقيمت عليه صلاة الغائب في عدة دول. أنا هنا لست بصدد تعداد إنجازاته وآثاره التي تركها رحمه الله، فالمقام أضيق من استيعابها، لكن حجم التفاعل في العالم العربي والإسلامي مع رحيله فاق التوقعات، وظهرت آثاره بعد رحيله بقوة، ما يدفعني لأن أسوق حياة الأمير الوالد وصنيعه كنموذج لهذه القيمة العظيمة، قيمة أن يترك الإنسان في حياته أثرًا يُخلد به بين الأنام ذِكره، ويكون قدوة لغيره، وينفعه يوم القيامة عند ربه، فأثر الإنسان من خير أو شر يُحصى عليه (ونكتب ما قدموا وآثارهم).

426

| 18 يوليو 2026

بل الشكر على الواجب

تطلق المرأة أسمى عبارات الشكر والثناء لمن يبذل إليها هدية أو أعطية من أقاربها أو أصدقائها، لكنها ربما لا تُسمع زوجها الذي ينفق عليها لسنوات طوال كلمة شكر، والعلّة: هذا واجب عليه. يرى الرجل أنه مدين بالشكر لغيره بسبب وجبة تُقدم له خارج بيته ويكرر عبارات الثناء على مُعدّها، بينما يعيش طيلة حياته الزوجية تطعمه زوجته مرّات باليوم الواحد ولا تسمع منه كلمة شكر واحدة، والعلة: هذا واجب عليها. لقد ضاعت بيننا قيمة الواجب فلا نكاد نراه، لأننا ألفناه واعتدنا عليه، فلم يعد يندرج في حسّنا تحت كلمة "المعروف"، وأصبح صاحب البذل العارض أو الطارئ هو من يفوز بتقديرنا وثنائنا. دائما ما نكرر عبارة "لا شكر على واجب"، وهي إن كانت تقال ردًا على من شكرنا لصنيعنا معه، إلا أنها تحمل في طياتها قناعة بأن فعل الواجب لا يستوجب الشكر والثناء. هذا المسلك الرديء كثيرًا ما يزهّد الناس في القيام بواجباتهم، لأن الإنسان بطبعه يحب أن يرى أثر أفعاله الحسنة على الآخرين، وقد حكي أن امرأة كانت تطبخ لأسرتها على مدى سنوات طوال دون أن تسمع من أحدهم كلمة شكر واحدة، فذات يوم وضعت لهم في الطعام تِبنًا أو شيئا من ذلك، فهاجوا وصرخوا، فكان ردها: حسنًا، قد أدركت أنكم تميزون بين الطعام والتبن، فوصلت إليهم الرسالة. المشكلة في عدم إدراكنا أن الواجب يحتاج فعله إلى جهد وإلى شعور بالمسؤولية وإلى استعداد نفسي أيضًا، فليس لأنه واجب يكون يسيرًا على فاعله، خاصة وأن الواجب كثيرًا ما يأخذ صفة الاستمرارية والديمومة، خلافًا للمعروف التطوعي الذي يحصل ربما بسبب مناسبة معينة أو موقف معين، ومن ثم كانت عبارات التحفيز والتشجيع والشكر والثناء آكد في حق من يقوم بالواجب. من يرى فيمن يقوم بالواجب نحوه دون أن يحصل منه على كلمة شكر شيئًا عاديًا، حريُّ به أن يسأل نفسه: من ذا الذي يقوم بواجباته في هذا العصر؟ فهذا الواجب الذي لا يلتفت إليه ويضن على صاحبه بكلمة شكر أو ثناء، كثير من الناس يقصرون به أو ربما لا يقومون به من الأساس. القيام بالواجب منْقبة وفضيلة تستلزم إظهارنا الشعور بالامتنان لباذله وتقدير صنيعه، لا أن نتجاهله أو نقوم بتسطيحه. النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، ويقول: (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه). لكن الذهن دائما ينصرف إلى مكافأة من يسدي إلينا معروفًا على سبيل التطوع، دون الوقوف على حقيقة أن من يقوم تجاهنا بواجباته قد بذل إلينا معروفًا يستحق أن نكافئه عليه ولو بكلمات الشكر والثناء والدعاء له. القيام بالواجب ليس شيئًا هينًا، وتجاهله وتسطيحه وتهوينه خلل في التفكير، فلا يعني كونه واجبًا ألا يستحق المقابلة بالمثوبة، ولله المثل الأعلى يثيب على فعل الواجب أكثر من التطوع، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فليس لأن الفرائض والواجبات تأخذ صفة الإلزام يكون التطوع أكثر استحقاقًا منها في المثوبة. إننا بحاجة إلى نظرة جديدة منصفة تجاه من يقومون بالواجب، حتى لا يغدو فعله وعدمه سواء، وحتى لا يشعر باذله بأنه لا يُرى فقط لأن ما يفعله واجب، بل يحتاج إلى أن نوفي له حقه بالشكر والثناء والمكافأة، لئلا يصير القيام بالواجب قيدًا وربْقة يفعله صاحبه على مضض وكُره.

393

| 11 يوليو 2026

غارت أُمكم

غيرة المرأة أمر فطري في الرجال والنساء، ولكن نظرا لطبيعة المرأة وغلبة العاطفة على إدراكها للأمور، فقد تخرج بها الغيرة عن حد المعقول وإدراك العواقب، ومن ثم تحدث المشكلات. لذا يمكن القول إن استيعاب الرجل لغيرة المرأة هو أحد أهم مقومات نجاح العلاقة الزوجية واستمرار الدفء العاطفي وتحقق أجواء الثقة والاطمئنان. أول ما ينبغي أن يعلمه الرجل على طريق استيعاب غيرة المرأة، هو إدراكه أن هذه الغيرة غالبا ما تكون دليل محبة، وحساسيتها التي قد تكون مفرطة تجاه أي موقف يحدث للزوج يتعلق بامرأة أخرى، كثيرًا ما تكون انعكاسًا لخوفها من تحوّل مكانتها في قلب شريك حياتها، لذا عليه أن يعلم أن غيرة المرأة ليست في حد ذاتها مشكلة، فهي غالبا ما تكون رسالة تحمل في طياتها الحاجة إلى مزيد من الاهتمام والاحتواء. أشد الأخطاء التي يقع فيها الرجل إزاء غيرة المرأة، السخرية منها والتقليل من شأنها، والتعامل معها بسطحية وتسفيه المرأة واتهامها بضعف العقل أو الشخصية، وهذا الأسلوب يدفع المرأة للشعور بعدم التقدير، ويجعلها أكثر إصرارًا على إثبات صحة مخاوفها. المرأة في هذا الموطن تحتاج إلى الإنصات العاطفي والاستماع الجيد، ومنحها الفرصة للتعبير عن مشاعرها ومخاوفها بوضوح، فهذا من شأنه أن يخفف حدة توترها وانزعاجها، وإشعارها بأنها محل احترام وتقدير، ومن ثم تؤهل للاستماع إلى شريك حياتها وردوده دون أن تلح عليها ظنونها ومخاوفها. وإن مما يبعث الطمأنينة في قلب المرأة وإزالة مشاعر الغيرة الضاغطة عليها، تجنب الرجل للغموض، بل يلزم أن يكون واضحا في تصرفاته وتعاملاته، ويشاركها تفاصيل حياته، وهذا من شأنه أن يغرس فيها الثقة التي تعينها على السيطرة على غيرتها مهما كانت شديدة. الرجل يستوعب غيرة المرأة بتجنب التصرفات التي قد تثير غيرتها، مثل إدراجها في مقارنة مع نساء أخريات ولو في الطهي، أو المبالغة في مدح امرأة أخرى أمامها، خاصة إذا تراكمت مثل هذه المواقف، حينئذ تزداد غيرتها اشتعالًا يصل في كثير من الأحيان إلى الشك. ومن المسائل المهمة في هذا الباب، ضرورة إشعار الرجل زوجته بأنها محل موضع وتقدير وإعجاب، وإمطارها بكلمات الثناء خاصة أمام الآخرين، فهذا بلا شك يعزز من ثقتها بنفسها، ويقلل من دوافع غيرتها، وذلك عندما تشعر بمكانتها لدى زوجها وتقديره لها، فلا تنشغل حينها بالمخاوف والهواجس. ومن جميل ما قرأته بشأن غيرة المرأة واستيعابها من قبل الرجل، ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه (يعني عائشة)، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت). فعلى الرغم من الغيرة الشديدة التي ظهرت عليها أم المؤمنين عائشة، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يعنفها، وإنما تفهمها لعلمه أنها تصرفت بمقتضى فطرتها، بل وبرر لها صنيعها أمام الناس فقال: غارت أمكم. يفسر الإمام ابن حجر العسقلاني هذه المقولة الأخيرة في الحديث بقوله: "وقوله "غارت أمكم" اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحمل صنيعها على ما يذم بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها". فهنا استوعب النبي صلى الله عليه وسلم غيرتها، وبث في روعها الطمأنينة بهذه المعالجة الهادئة وسعة الصدر، إلا أنه أمر بما تصان به الحقوق ويُمنع به الظلم. المرأة بدورها مطالبة بإدراك حقيقة أن الثقة هي أساس الحب والمودة، فإذا كانت تطالب زوجها بتفهم غيرتها، فعليها كذلك ألا تبالغ في هذه الغيرة فتخرجها عن طبيعتها أو حقيقتها إلى الشك، فطالما أنه ليس لديها يقين بما يقدح في كونه محلا للثقة، فعليها أن تمنحه إياها دون أن تجعل الشك هو التفسير الأول لكل تصرفاته، فالحياة الزوجية تقوم على التوازن بين الحب والثقة، بين الاهتمام والحرية، وبين الاحتواء والاحترام المتبادل.

1092

| 04 يوليو 2026

الدين والعلمانية.. أيهما يشكل الهوية الإسرائيلية؟

مع تنامي مظاهر الصبغة الدينية لدولة الاحتلال الإسرائيلي يتكرر السؤال ذاته عن طبيعة هوية الدولة المزعومة، هل هي علمانية على النمط الغربي كما تعرف نفسها، أم أنها دينية تحكمها العقائد والتشريعات اليهودية؟ قد يبدو السؤال عن الهوية الدينية والعلمانية في أي دولة لا يحتاج إلى عناء في الإجابة عنه، فهما هويتان متناقضتان لا يجتمعان سويًا في نظام واحد، لكن تظهر المعضلة عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تمثل حالة بالغة التعقيد والتشابك، ذلك لأنها لا تشبه الدولة العلمانية في فصلها الدين عن المجال العام، وهي كذلك ليست دولة دينية يحكمها رجال الدين والتشريعات اليهودية بشكل كلي ومباشر. الهوية في دولة الاحتلال تداخلت في تكوينها القومية والدين والتاريخ والأسطورة والمصالح السياسية، فأصبح من العسير الفصل بين هذه المكونات أو تفسير أحدها بمعزل عن الآخر. كثير من المتابعين والمهتمين بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي يرون أن إسرائيل دولة قامت على أساس ديني وفكرة تجميع يهود الشتات في وطن بفلسطين، ويعزز من هذا الاعتقاد الخطاب السياسي الذي يستصحب الرموز التوراتية، لكن بالعودة إلى الجذور سيتضح أن مؤسسي الصهيونية أو معظمهم لم يكونوا متدينين من بينهم مؤسسها تيودور هرتزل نفسه، بل كانوا من أبناء البيئة الأوروبية التي شهدت صعود القومية والعلمانية في القرن التاسع عشر. وأما ديفيد بن غوريون مؤسس دولة الاحتلال وأول زعمائها فقد كان ملحدًا ولا يدخل المعبد ولا يعترف باليهودية كدين، لكنه مع ذلك أظهر احترامه لها ولشعائرها وسمح بإنشاء المدارس الدينية. كان هدف أساطين الصهيونية إقامة وطن قومي يجمع اليهود لا إقامة نظام ثيوقراطي يخضع للمؤسسة الدينية، فتعاملوا مع الدين ليس باعتباره مصدرًا للتشريع أو الحكم، بل باعتباره أحد عناصر الهوية التاريخية والثقافية. وفي المقابل هناك من يقول بأن دولة الاحتلال ذات هوية علمانية، وذلك بسبب قيام الدولة منذ نشأتها على مؤسسات مدنية من برلمان منتخب وحكومة وقضاء وجيش ونحوه، دون منح المؤسسة الدينية سلطة مطلقة على إدارة الدولة، إضافة إلى طرح الدولة نفسها على أنها علمانية تستند إلى القوانين الحديثة والنظم الديمقراطية الغربية. لكن هذه الصورة تتبدد عند النظر في المضمون لا الشكل والهيكل، فهي تعرف نفسها بوصفها دولة قومية للشعب اليهودي، خاصة بعد قانون القومية 2018، وهو تعريف يحمل مضمونا دينيا وقوميا في الوقت ذاته، فالانتماء اليهودي فيها ليس مجرد انتماء ثقافي، بل يترتب عليه حقوق سياسية وقانونية لليهود لا يتمتع بها غيرهم، وعلى رأسها قانون العودة الذي يتضمن حق هجرة اليهود من شتى أنحاء العالم إلى إسرائيل والحصول على جنسيتها، في الوقت الذي يحرم الفلسطينيين المُهجرين من أرضهم من حق العودة، وهنا يصبح الانتماء الديني والقومي جزءًا من البناء القانوني للدولة. إضافة إلى ذلك تبقى مسائل الزواج والطلاق والدفن خاضعة للمحاكم الدينية التابعة للطوائف المختلفة، كما تلعب المؤسسة الحاخامية دورًا مؤثرًا في تحديد من يُعد يهوديًا في بعض الحالات، وهو أمر ينعكس مباشرة على قضايا الجنسية والهجرة والحقوق المدنية. ولو كانت الدولة علمانية بالمفهوم الليبرالي المعروف، لكانت هذه القضايا من اختصاص القضاء المدني وحده. لذلك يمكن القول بأن إسرائيل تقف في منطقة وسطى بين نموذجين، فتأخذ من الدولة الحديثة مؤسساتها، وتأخذ من الدين عناصر تعريفها لنفسها ولشرعية وجودها، ونجحت في تحويل الموروث الديني إلى أداة سياسية، فاستدعت النصوص التوراتية كغطاء شرعي تاريخي لفكرة أرض المعاد، وتحولت الرموز الدينية إلى أدوات تعبئة قومية، وأصبح الحديث عن أقدمية السكنى وأرض الآباء والوعد الإلهي جزءًا من الخطاب السياسي اليومي. ومن هنا يظهر أن العلاقة بين الدين والسياسة في إسرائيل علاقة تأسيسية، فالدين يوفر الرمزية والحق التاريخي والدولة الحديثة توفر الإدارة والتنظيم وأدوات القوة واستثمار البعد الديني في شق مسارات سياسية وأمنية وعسكرية. فالوصف الأقرب لدولة الاحتلال هو أنها دولة قومية ذات مرجعية يهودية تستخدم الدين بوصفه محددا ومصدرا للهوية، وتعتمد في الوقت نفسه على مؤسسات مدنية حديثة ذات صبغة علمانية. خلافا للعلمانيين في كل بلاد العالم، يدرك العلمانيون في إسرائيل أهمية الدين لبقاء وامتداد الدولة الإسرائيلية، فرجل مثل يائير لبيد زعيم حزب "يش عتيد" الأكثر تمثيلا للتيار العلماني في الداخل الإسرائيلي عندما سئل عن موقف العلمانيين من الدين هل معه أم ضده، أجاب: "لن يتم فصل الدين عن الدولة لأبد الآبدين". والكاتب الصهيوني العلماني موشيه بن عطار يرى أن فكرة فصل الدين عن الدولة في إسرائيل شعار أجوف وغير واقعي على الصعيد المبدئي والعملي ولا يمكن قبوله. شاؤول روزنفيلد أستاذ الفلسفة في الجامعة العبرية وهو كذلك صهيوني علماني يقول بوضوح: "نحن العلمانيين في إسرائيل لا يمكن أن نقبل فصل الدين عن الدولة، لأن هذا يمثل خطرًا وجوديًا على الدولة، فهو يعني القضاء على هوية الدولة وطابعها اليهودي". باختصار، دولة الاحتلال حالة هوياتية خاصة، تجمع بين الهوية اليهودية القومية والنظام العلماني، وهناك شبه اتفاق من المتدينين والعلمانيين معًا على أهمية الدين في حياة الشعب الإسرائيلي ومستقبل الدولة الإسرائيلية وأنه مادة حياتها والفكرة التي تستبقي تماسك الشعب والتفافه حول حكومته التي تستغل ذلك جيدًا، وليس الخلاف بين الاتجاهين حول وجود اليهودية كهوية، بل حول مدى حضورها في التشريع وحدود سلطة المؤسسات الدينية داخل الدولة الحديثة.

432

| 27 يونيو 2026

المنهج الإسلامي والحلول العملية للمشكلات

بعض الدعاة والوعاظ يسيئون للإسلام من حيث لا يدرون، ومن صور هذه الإساءة الاقتصار خلال التطرق إلى أزمات الناس على الأمر بتقوى الله والتوجه إليه بالدعاء والعبادة، دون تقديم حلول عملية. ولا يخفى أن الدراما قد أخطأت في تعميم هذه النماذج، وجعلتها كأنها تعبر عن اتجاه عام لدى القائمين على الدعوة والوعظ والإرشاد. لكن على كل حال، هذا التوجه الدعوي الوعظي موجود، وينبغي بيان أنه قد خالف المنهج الإسلامي الرصين الذي يجمع في حل الأزمات بين الحل الإيماني والحل العملي، اتساقًا مع حقيقة التوكل على رب العالمين، حين يلتجئ العبد إلى ربه ويلوذ بجنابه ويدعوه خوفًا وطمعًا، وفي نفس الوقت يباشر الأسباب، وعينه على سنن الله في خلقه، والذي جعل لكل شيء سببًا، فهو الذي أمر نوحًا عليه السلام ببناء سفينة النجاة مع قدرته تعالى على إنجائه ومن معه من المؤمنين بلا سفن، وقال لمريم أم المسيح: (هزي بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا) وهو القادر على رزقها دون أن تحرك ساكنًا. إن حقيقة الجمع بين مسلكي الإيمان والحلول العملية في التعامل مع الأزمات والمشكلات هو صلب المنهج الإسلامي القويم، ولم يشهد عهد النبوة والقرون المفضلة هذا الخلل الذي أصاب الأفكار اليوم. ولنتناول مثالًا في العهد النبوي لمواجهة مشكلة الفقر، لم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في علاجها على الأمر بالتقوى والصبر والالتجاء إلى الله فحسب، وإنما استخدم أساليب متنوعة تتكامل فيها الأسباب الإيمانية مع الحلول العملية، فربط العمل بالمنظومة الإيمانية والخيرية، فقال حاثًا على العمل والكسب: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده). ولم يقتصر في هذا التوجيه على التحفيز، بل فتح آفاقًا للعمل وبذل أفكارًا ثرية للتكسب، منها الإرشاد إلى استصلاح الأراضي كما في قوله (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، ومنها العمل بالتجارة كما في قوله: (لأن يأخذ أحدكم حَبْله فيأتي الجبل فيجيء بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)، ويلاحظ هنا أنه لم يكتف بالتعميم والإرشاد إلى التجارة بشكل عام دون تفصيل، وإنما وجّه إلى الاحتطاب، باعتباره تجارة لا تحتاج إلى رأس مال، فمن ثم تتناسب مع أدنى الظروف التي يمكن أن يكون عليها الإنسان. إضافة إلى ذلك، قدم النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة مشكلة الفقر، معالجة شاملة ذات مراحل تفصيلية، فعندما جاءه من يسأله الصدقة، سأله النبي عما يملكه، فأخبره الرجل أنه ليس في داره سوى كساء من الشعر وقدح للشرب، فأتي بهما النبي وعرضهما للبيع، وباعهما بدرهمين، فأعطى الرجل درهمًا يشتري به طعاما لأهل بيته، واشترى بالآخر آلة للنجارة تسمى القدوم، وأمره أن يذهب ليحتطب، فجاءه الرجل بعد خمسة عشر يومًا وقد ربح من ذلك ربحًا طيبًا. هذا المنهج النبوي هو الذي سارت عليه القرون المفضلة التي أدرك أهلها أن الأخذ بالأسباب العملية ينبغي أن يكون حاضرًا في التعامل مع أي مشكلة أو أزمة، جنبًا إلى جنب مع الأسباب الإيمانية من توكل ودعاء وصدق اللجوء إلى رب العباد. والإمام الشعبي من أشهر التابعين، قد ولد في خلافة أمير المؤمنين عمر، مر يومًا بإبل قد فشا فيها الجرب فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إنَّ لنا عجوزا نتّكل على دعائها. فقال الشعبي: اجعل مع دعائها شيئا من القطران، يعني أن يدهن جسد الإبل بالقطران للتغلب على الجرب. هذا هو المنهج الإسلامي الذي لا يُسأل عن خلل أتباعه في التطبيق، فما من خلل داهم أفكار المسلمين إلا من خلال النأي عن المنهج الأصيل، وإنما أثرت هذه القضية لأنها أحد وجهي التطرف في مواجهة الأزمات، فالوجه الآخر هو الركون إلى الأسباب العملية والاعتماد عليها مع نسيان الاعتماد على الله واللجوء إليه، والدخول في هذا النطاق بشكل مادي بحت يجرد الإنسان من أدب العبودية لرب العالمين.

612

| 20 يونيو 2026

الرواية العربية في زمن الذكاء الاصطناعي

لا شك أن الأدب الروائي قد أصبح له الحضور الأبرز في اهتمامات القراء العرب خاصة قطاعات الشباب، وغدت الرواية هي الملاذ الذي يلجأ إليه القارئ العربي للهروب من صخب الواقع، وأضحت الرواية هي المصنف الأكثر تداولًا وشهرة في معظم الأوساط، وباتت طباعة ونشر الروايات هي الركيزة الأساسية في عمل كثير من دور النشر العربية. دفع هذا الزخم كثيرًا من الشباب لخوض تجربة التأليف في الأعمال الروائية، وهذا في حد ذاته لا غضاضة فيه، إلا أن هذا التوجه كثيرًا ما يصطدم بانعدام أو ضعف الموهبة والذائقة الأدبية، وسطحية الفكرة، ووهن العلاقة بين المؤلف واللغة العربية وفنونها وقواعدها، واستغلت دور النشر التجارية هذه الرغبة المحمومة لدى الشباب في الالتحاق المتعسف بركب الروائيين، في تبني نشر أعمالهم الروائية مهما كانت رداءة المستوى. معظم هذه الدور التجارية تتربح من الكاتب ذاته من خلال تحميله كلفة الطباعة، وتقاسمه أرباح المبيعات، ولا تكترث بسمعتها فيما يخص معايير الجودة في النشر، فكانت النتيجة الطبيعية لذلك ظهور أعداد مهولة لعناوين روايات في المعارض الدولية للكتاب، ربما أخذت عناوين جذابة، حتى وإن كان المؤلف لا علاقة له بالأدب واللغة، والسبب هو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي الذي يمكنه إعداد رواية في دقائق، ويكون الاختلاف في المستوى النهائي للرواية معتمدًا على مدى التنسيق والمراجعة والتعديل والحذف والإضافة التي يجريها صاحب المُصنّف. علاقة الرواية بالذكاء الاصطناعي الذي يتطور بصورة مخيفة، أصبحت مصدر قلق ومخاوف من قبل الروائيين أصحاب الأقلام، الذين يشعرون أن الآلة صارت تنافسهم في ميدانهم، ومن ثم تدفقت الأسئلة: هل سيدفن الذكاء الاصطناعي مواهبهم وينفرد بالساحة؟ هل سقط كاتب الرواية الذي يبنيها من أولها إلى آخرها على مدى أشهر أو ربما سنة وسنتين؟ الإجابة بشكل مباشر وواضح: سوف يسقط كاتب التعبئة وليس الروائي، وسوف تُدفن الرواية السطحية التقليدية وليست تلك التي تعبّقت بالإبداع وكسرت حاجز المألوف والمعتاد. لن يرحم الذكاء الاصطناعي الذي يتطور باستمرار روايات الحب النمطية التي تعيد تكرار المكرر مثل التي تقوم على جمع الشتيتين بعدما ظنا كل الظن أن لا تلاقيا، ولن ترحم كاتب الخيال العلمي الذي لا يخرج عن فلك المخلوقات الفضائية والصراع مع كوكب الأرض، ولن ترحم كاتب الماورائيات حين يكتب عن الجن والأشباح والأعمال السحرية بنفس الصورة السائدة مع تغيير الأشخاص والسياق. الذكاء الاصطناعي لن يرحم أشباه هذه الأنماط، لأنه في جوهره آلة تجميع عملاقة، فلو كان لديه مليون رواية حول موضوع فيمكنه أن يمنحك بسهولة الرواية رقم مليون وواحد، بنفس القالب والإيقاع والنهاية، في زمن قياسي. الذكاء الاصطناعي سيقضي على الروائيين الذين يقتاتون على إعادة تدوير الأفكار، الذين تفزعهم الصفحات البيضاء فيركضون إلى القوالب الجاهزة، والذين يعيشون على استنساخ المضامين والأفكار سواء من الأعمال الروائية أو الدرامية، والذين لا يبذلون الجهد في استيلاد الفكرة الجديدة ورسم معالم السياق على غير مثال. أما المبدعون الموقنون بأن إنسانيتهم ومشاعرهم التي لا يملكها غريمهم الذكاء الاصطناعي هي المعين والمداد، فأولئك هم الذين سيجدون لهم مكانًا وموطئ قدم في هذا العالم. الذكاء الاصطناعي ربما يبرع في محاكاة الكتاب في وصف الجرح الإنساني، لكنه لم يعش هذا الجرح، سينقله بوصفه عملية استنساخ جوفاء، أما الكاتب البشري فوحده من يستطيع أن ينزف على الورق، ويجسد لنا الوجع حتى ينال من أرواحنا. الآلة تملك رصيد المعلومة والقدرة على المحاكاة، لكنها لا تملك المشاعر الحية النابضة، وعندما تكتب لك عن دموع الفقد عند القبور، لن تتأثر بها تأثُّرك بما سطّره الكاتب الذي عاش المشهد بوجدانه حتى رأى نفسه ذلك الباكي وأمام ذاك القبر، فجسّد لك المشهد بكل حيويته وسيولته وحرارته. الذكاء الاصطناعي سوف يلتهم العالة على الأدب الروائي، لا الروائيين المبدعين الذين يواجهون تطور الآلة بتطوير أدواتهم وآلاتهم ومعارفهم ومهاراتهم، ويدخلون مع الذكاء الاصطناعي في سباق محموم لإثبات حقيقة أن الإنسان هو من صنع الآلة. ومهما غرقت الأسواق بروايات الذكاء الاصطناعي، فحتما سوف يصل القراء إلى حالة من التخمة من تلك الروايات الميتة وجدانيًا، ويبحثون بلهفة عن رواية تحمل نفَس إنسان.

573

| 13 يونيو 2026

بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.. من صنع الفجوة؟

في كل بيت تقريبًا، مشهد متكرر لحوار صامت بين جيلين: جيل أدمن الشاشات وأصبح تعاطيه معها يتم بتلقائية وعفوية كأنما تم برمجته على ذلك، وجيل آخر يجتر الذكريات القديمة والعلاقات السالفة بين أفراد الأسرة، فيتباكى في صمت على الزمن الجميل. العلاقات بين الآباء والأبناء كانت تتطور عبر الأزمنة تطورًا طبيعيًا، بلا صخب يلفت، فقد كان لها ما يغذي نجاحها بمقتضى الفطرة والتعاليم الدينية والأعراف المتوارثة، فيحدث التلاحم والتمازج والاندماج بين الأجيال المختلفة في الأسرة الواحدة بشكل طبيعي سلس لا يحتاج إلى إعادة تقرير وتفصيل. مع عصر الثورة التكنولوجية والاتصالية والرقمية، اختلف الأمر تمامًا، فهناك جيل نشأ في كنف عالم رقمي مفتوح قد سحرته الشاشات وجعلته يعيش عزلة نفسية عن محيط أسرته وهو لا يدري، فلا تكاد ترى طفلًا أو شابًا يمكث ساعة واحدة دون أن تمتد يده إلى هاتفه بلا حاجة حقيقية ودون قرار مسبق، فهو أول ما يفعله حين استيقاظه، وآخر ما يفعله قبل نومه، وبين ذلك ساعات طوال من الاقتران بين الإنسان والآلة، حتى أثناء تناول الطعام أو قضاء الحاجة. في المقابل ينظر الآباء في أسى إلى ذلك المشهد اليومي وهذا الانفصال وهم يجترون ذكرياتهم عن العلاقات الصحية بين أفراد الأسرة والعلاقات التي كانت تبنى وجها لوجه، ويصبون جام سخطهم على تلك التكنولوجيا التي خلقت تلك الفجوة، التي تتسع مع كل تطبيق أو منصة رقمية جديدة تخطف اهتمام الأبناء. وفي حين ينظر الآباء إلى انشغال الأبناء بالشاشات بمزيج من الدهشة والقلق والحزن على فقدان الدفء في العلاقات الاجتماعية، يرى الأبناء أن آباءهم يبالغون في تلك النظرة، بل ويبادلونهم الدهشة بدهشة: لماذا هذه الثورة وهذه النقمة على الشاشات؟ لماذا يتخذون هذه المواقف المتشددة حيال لغة العصر؟ من هنا كانت نشأة المشكلة، كل جيل ينظر للقضية من خلال تجربته الخاصة التي يعتقدها الأصوب، جيل الذكريات يخشى على ضياع القيم الأسرية الأصيلة وروابطها المتينة، وجيل الشاشة الذين يرون الكبار يبالغون في التمسك بالماضي ويرفضون التكيف مع الحاضر، فتضيع فرص الحوار والتفاهم. تزداد الفجوة اتساعا عندما يكتفي الكبار بالنقد والتوبيخ وعقد المقارنات العلنية بين "أيامنا" و"أيامكم"، بينما يصم الأبناء آذانهم عن الاستماع لنصائح الكبار والاستخفاف بمضمونها ودواعيها انطلاقا من شعورهم بالامتلاء المعرفي الذي يتوهمونه مع الاقتران بالفضاء الرقمي الذي حول العالم إلى قرية صغيرة، وجعل الحصول على المعلومة بضغطة زر لا من خلال تقليب صفحات الكتب. بطبيعة الحال نتجه في مثل هذا الموطن إلى مخاطبة الآباء الذين يمتلكون الخبرة والحكمة والنظرة الأوسع للحياة. على جيل الذكريات إدراك أن هذه هي طبيعة هذا الجيل الذي افترسه عالم الرقمنة، وأنه من الصعب جدا إن لم يكن مستحيلا أن يقوموا بخلع الأبناء عن هذا العالم، وأن هذا بالفعل أصبح أمرًا واقعًا يجب التعامل معه بحكمة. الخطأ الذي يقع فيه الكبار، هو الاكتفاء بالنظرة البائسة إلى تلك الفجوة والتباكي على الزمن الجميل، أو الدخول في صراعات مع الأبناء، بدلًا من الصراع مع الشاشات. ينبغي على الكبار أن يدخلوا في علاقة تنافسية مع تلك الشاشات، من خلال الاحتواء والتقارب وخلق الأجواء الأسرية الدافئة المشوقة التي تجمع أفرادها، وتقنع الأبناء بشكل عملي أن الحياة أوسع من سجن الشاشة. بل لا نبالغ إن قلنا إنه يجدر بالكبير أن يشارك ولده أحيانًا اهتمامه بالشاشات، وإقناعه أن المشكلة ليست في التكنولوجيا، وإنما مع كيفية وأنماط التعاطي معها، ومن هنا يكون التركيز على التعامل الجدي المثمر مع ذلك الفضاء لتحقيق التوازن بين الترفيه والاستفادة العلمية والمعرفية والمهارية. التركيز لا ينبغي أن يكون على استئصال الشاشات من حياة الأبناء، إنما إقناعهم بضرورة التقنين لتفادي الآثار النفسية والصحية السيئة التي تنجم عن هذا الإدمان، وعلى الاختيار الأمثل للمضامين التي يتعرضون لها وتحقيق الاستفادة القصوى من خلال الشاشة. ولا يستثقل الكبير هذه المهام، فهو من اشترى الشاشة لولده في البداية، وهو من تركه لها بلا ضبط أو توجيه بحجة أنه صغير، ها هو الصغير قد كبر، وكبر معه التعلق، فلا مناص من القول: سددوا وقاربوا.

963

| 07 يونيو 2026

كيف نتعامل مع حوادث الانتحار

مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت المجتمعات مكشوفة، وما كان يحدث في السابق دون ضوضاء ودون إثارة الانتباه، أضحى اليوم مصحوبًا بتفاعلات جماعية، يتم تداوله وإبداء الرأي فيه من قبل الجميع، ويتحول في بعض الأحيان إلى قضايا رأي عام. حوادث الانتحار تدخل في هذا المجال، فعلى الرغم من أن الانتحار ليس سلوكًا عارضًا في تاريخ البشر، إلا أن عالم الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة بسبب تكنولوجيا الاتصال، قد منحت هذه الحوادث شكلًا مكثّفًا وصل إلى حد قريب من الاعتياد، وأصبحت أخبار الانتحار شيئًا أساسيًا على تلك المواقع. لكن المشكلة ليست في الإعلان عن حوادث الانتحار وتداول أخبارها، المشكلة الكبرى تتمثل في كيفية تعاطينا مع تلك الحوادث. قبل فترة وجيزة، وثّقت امرأة في إحدى الدول العربية خلال بث مباشر، وقائع انتحارها بإلقاء نفسها من طابق بأحد الأبنية الشاهقة، نتيجة خلافات أسرية. مثل هذا الحادث وأشباهه، ينقسم الناس إزاءه غالبا إلى فئتين: فئة يكون كل همها إثبات كفر المنتحر وخلوده في نار جهنم، سواء كان ذلك صادرًا عن قناعة منهم بهذا الحكم، أو كان مرده إلى حرص أصحاب هذا الفئة على ردع الأحياء حتى لا يقعوا في ذلك المحظور. وفئة أخرى، تبني موقفها على تغليب العاطفة، فتبالغ في التعاطف مع المنتحر والهجوم على البيئة والمجتمع والقوانين، بل يصل الأمر إلى قيامهم بالتبرير لهذه الفعلة وأنها كانت الحل الوحيد لإنهاء المأساة. والحق دائمًا وسطًا بين طرفين، فأما الفئة الأولى فإنها وقعت في الغلو، وحكمت بما لم تحكم به الشريعة وما أجمعت عليه الأمة، فالمنتحر في الشريعة مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر وهي قتل النفس، ويكفي في ذلك التخويف بما خوّف به الشرع، وأصحاب الفئة الثانية الذين يبالغون في التعاطف مع المنتحر والتبرير له وإضفاء الوجاهة على دوافع الانتحار، بدورهم يرتكبون خطأ جسيمًا بحق الأحياء، فهذا المسلك بمثابة تطبيع مع الانتحار وتهوين من شأن الإقدام عليه، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الناس لأن يكون الانتحار حلًا مطروحًا أمامهم للتخلص من الأزمات، خاصة الشباب الذين يعيشون أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية طاحنة في هذا العصر. لن يستفيد المنتحر الذي أفضى إلى ما قدم شيئًا من المبالغة في إظهار التعاطف معه والتبرير له وتقديمه على أنه ضحية للظروف أو أنه اضطر إلى ذلك بعد انقطاع السبل، وفي نفس الوقت المواقف التي يتخذها الناس حيال الحدث يعود أثرها على الأحياء، فلا ينبغي أن نغري شبابنا وبناتنا بهذا التعاطف الأعمى، فتصبح فكرة الانتحار قريبة من أذهانهم. كثير من الشباب يعانون الخواء الروحي والضعف النفسي، ومع تعرضهم للملاحقة والتكرار بحوادث الانتحار والتبرير للمنتحرين، تبدأ الفكرة تطرح نفسها أمامهم عند مواجهة أزمة أو مشكلة صعبة يطول زمنها أو يصعب حلها أو تكون صادمة مباغتة تفوق قدرتهم على التحمل، فيغدو اللجوء إلى الانتحار هو السبيل الأوحد بظنّهم. إن أفضل ما نواجه به ظاهرة الانتحار التي تتم غالبا بسبب الخلافات العائلية والإخلال بالحقوق والواجبات، هو التعامل كمجتمع تراحمي لا تعاقدي، مجتمع لا يكون كل همه تحديد الحقوق والواجبات والعمل وفق القوانين والأعراف مثل الآلات، بل يتعامل أفراده بعضهم مع بعض على مبدأ الرحمة والشفقة والتغافل والإيثار وغيرها من القيم التي غيبتها المادية وقسوة الأحوال المعيشية. إننا بحاجة كذلك إلى ملء الفراغ الروحي الذي نعانيه، ولا يكون ذلك إلا بتقوية الصلة برب العالمين، والتعلق بالدار الآخرة والمصير الأبدي الذي يهوّن على المرء أزماته مهما كانت شدتها وقسوتها، ولعلنا جميعًا قد مررنا بحالات من القرب من الله، غيّرت طريقة استقبالنا وتعاملنا مع الأزمات حتى وإن لم تنهيها، لكنها بالتأكيد تخفف من وقْعها وأثرها على النفس.

1050

| 31 مايو 2026

يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية التي لا تحصر المنهج في جنس أو قومية أو أرض أو لغة، وإنما كان مفهوم "الجسد الواحد" الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الصورة المعبرة عن ذلك المنهج ووحدة وتكامل أتباعه. بيد أن هذا المفهوم خضع لاختبارات صعبة على مر التاريخ، بسبب الصراعات السياسية والعرقية والطائفية والتباين الثقافي، ما جعل مفهوم أمة الجسد الواحد بالنسبة لقطاعات واسعة من المسلمين مفهومًا نظريًا يصعب تجسيده على أرض الواقع. وعلى الرغم من هذه التحديات، صمدت الفكرة بسبب مضمون المنهج الذي حمل محطات زمانية ومكانية استثنائية تعيد تجديد مفهوم الجسد الواحد لمواجهة هذا التشظي، ومن أبرزها موسم الحج، وعلى وجه الخصوص يوم عرفة، بوصفه أحد أكثر أيام العام قدرة على صناعة الشعور الجمعي الذي يعبر الحدود واللغات والانتماءات الجزئية الضيقة. أركان الحج من الإحرام وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة، يتسع وقتها بحيث لا يقوم بها الحجاج جميعًا في ساعة واحدة أو في يوم واحد، إلا الركن الأعظم وهو الوقوف بعرفة، والذي ينفرد بكونه يجمع الحجيج جميعًا في وقت واحد، على الأقل في جزء من نهاره حتى غروب الشمس، يستحيل أن يتخلف أحد منهم. هنا يبرز يوم عرفة ليحول فكرة الوحدة وأمة الجسد الواحد إلى تجربة حية ملموسة، ويشعر الحاج أنه جزء من حدث عالمي دوري. في صعيد عرفة تتلاشى الفوارق الطبقية واختلاف اللون والعرق واللغة، ليجتمع الناس من شتى الأقطار على هيئة واحدة، تسقط كل النعوت والألقاب والمناصب، حيث يطويها الوصف الجامع لهذه الجموع، وهو انتماؤهم لهذه الأمة. هذا التجرد من الفوارق يمنح يوم عرفة قدرة خاصة على تعزيز الهوية الجامعة، إذ أن الهويات الفرعية - التي منها ما هو محمود وما هو مذموم- يحتاج أصحابها إلى لحظات تذكرهم بحقيقة الانتماء الأكبر الذي يوحدهم ولا يفرقهم. يتجاوز الشعور بالوحدة في يوم عرفة تلك الأسراب البيضاء المباركة التي تقف في صعيده، ليكتنف قلوب المسلمين في كل مكان على وجه الأرض، فالمشهد لا يقتصر على شعيرة دينية مرتبطة بالحج، وإنما يتحول إلى تجربة وجدانية عالمية يتشارك فيها الملايين، فالمسلمون ينتظرون هذه النفحة الربانية كل عام، للتعرض لها والفوز برحمة الله ومغفرته في يوم الرجاء، فيصومون هذا اليوم، وتلهج ألسنتهم بالذكر والدعاء، ليدخلوا بهذه الحالة الوجدانية في الاقتران بالواقفين على صعيد عرفة، فيحدث هذا التلاحم الشعوري في كل أقطار الأرض في وقت واحد. هذه المشاركة الوجدانية تصنع ما يشبه الذاكرة الروحية المشتركة، حيث تتكرر التجربة كل عام، فيترسخ أثرها في الوعي الجمعي للمسلمين، فيتحول اليوم إلى مناسبة يعيد الفرد فيها تعريف نفسه وتجدد شعوره بأنه جزء من جماعة عالمية تتشارك ذات الشعور والطقوس. وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أصبحت الفضاء المعبر عن اتجاهات الناس، فإنها تعكس في ذلك اليوم مفهوم هذا التلاحم العابر للحدود والانتماءات، فتتحول يوم عرفة إلى ساحة جامعة للملايين يتشاركون نقل الصورة المهيبة والأدعية والتذكير بالرحمة والمغفرة، وتتصدر الوسوم المتعلقة بيوم عرفة المنصات الرقمية، وتخفت نبرة الانقسامات والاستقطابات والمنازعات في ذلك اليوم بشكل لافت. يمتد تأثير هذا اليوم بما يحمله من وحدة الشعور، إلى الثقافة الشعبية للمجتمعات، إذ يرتبط ذلك اليوم بعادات اجتماعية خاصة، كالتجمعات العائلية، وموائد الإفطار، والبرامج والأنشطة الروحانية، حتى تجد لذلك اليوم حضورًا في نطاق الشعر والأدب والخطاب الثقافي بوصفه رمزًا للنقاء والتوبة والوحدة، ما يجعله في الذاكرة الجمعية جزءًا من الهوية الحضارية لا مجرد شعيرة دينية موسمية. وعلى الرغم من أن يوم عرفة مناسبة إسلامية خالصة، فإن رسالته تحمل أبعادًا إنسانية عامة، فهو يوم يقوم على قيم التواضع، والمساواة، والتسامح، والرحمة، والدعاء من أجل السلام والخير، ما يجعل هذا اليوم منصة رسائل للعالم الذي يعج بالانقسامات والصراعات، أن البشر ما زالوا قادرين على الاجتماع على معانٍ أخلاقية وقيمية سامية تنقذ الإنسان الذي كرمه الله من ويلات الدمار.

807

| 23 مايو 2026

ببغاوات الثقافة

هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون على استنساخ تلك الثقافات لتصبح صبغة في مجتمعاتهم، دون مراعاة الفروق الجوهرية بين المجتمعات واختلاف التربة التي خرجت منها تلك الثقافات والمناخ الذي تشكلت فيه. تنبعث هذه الأزمة الفكرية من كون هذه الفئة تجهل خصائص ومقومات مجتمعاتها العربية والإسلامية من ناحية، ومن ناحية أخرى هي فئة مختطفة ببريق الحضارة الغربية شديدة التأثر بها، شديدة الحرص على تقليد الغرب الذي صارت له الغلبة والقوة، وهي حالة تحدث عنها عالم الاجتماع العربي ابن خلدون، عندما ذهب إلى أن المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها. وحديثي هنا حتمًا ليس على موافقة الغرب والسير على خطاه في مجال التقدم العلمي والاختراعات والتكنولوجيا، فهو أمر إيجابي بلا شك، فليت هؤلاء المثقفين كانت هذه قضيتهم، ولكن حديثي عن المنظومة القيمية التي يراد استيرادها من الغرب، تحت سطوة الوهم بأن بلاد الغرب بنت تقدمها العلمي على هذه القيم وانطلقت منها. ببغاوات الثقافة انشغلوا بدراسة الحضارة الغربية ومسارها الاجتماعي والتاريخي، وغرقوا في كتب سارتر وروسو ونيتشه، وبعضهم أو كثير منهم نال دراسات من جامعات السربون وهارفارد، وظنوا أن ذلك كفيل بتحديد البوصلة الهوياتية للمجتمع، لكنهم قد أغفلوا حقيقة هامة، أنه كان لزامًا عليهم التعمق في دراسة مجتمعاتهم ومكوناتها الثقافية والحضارية أيضًا. فكرة إقصاء الدين مثلًا لدى هذه الطبقة من المثقفين العرب، قد ارتبطت في حسهم بالتقدم من خلال تتبعهم لمسار الحضارة الغربية والحلقة التي انتهى عندها الحكم الثيوقراطي في أوروبا، وبداية عصر الازدهار والتقدم، فكانت فكرة الثورة على الدين ملهمة لهؤلاء المثقفين العرب في استيرادها إلى مجتمعاتهم من أجل الوصول إلى نفس النتيجة. ببغاوات الثقافة انتزعوا تلك الحالة من سياقها التاريخي والاجتماعي من أجل استنساخها وجعْلها صبغة لمجتمعاتهم العربية والإسلامية، فكانت النتيجة: مزيد من الانحطاط والتخلف والتبعية، فلم يؤد العمل نفسه إلى ذات النتيجة، والسبب بسيط، وهو ذلك التباين بين البيئتين، فكانوا أشبه بمن أعجبته البذور فآثر غرسها في تربة لا تصلح لها، ثم جلس ينتظر الثمار. لم يكن الدين مصدر التخلف في الأمة العربية والإسلامية، بل التاريخ له دلالته في أن أزهى عصور الأمة ارتبطت بقوة الدين، لأنه دين يعلي من شأن العلم والتطور والأخذ بأسباب القوة والحضارة، ولذلك أحدث العرب المسلمون نهضة علمية استفاد منها الغرب أيما استفادة، باعتراف المنصفين من الكتاب الغربيين أمثال جوستاف لوبون خاصة في كتابه حضارة العرب. هناك فرق واضح بين مسار طبقة المفكرين والمثقفين الغربيين الذين ساروا في الاتجاه الإقصائي للدين، ونظرائهم من أهل الفكر والثقافة لدى العرب، فمفكرو ومثقفو أوروبا ساروا في هذا الاتجاه على أساس ملامح وأحوال وتاريخ مجتمعاتهم والظروف التي مرت بها، فانطلقوا من دراسة مجتمعاتهم وحاجاتها الراهنة، أما طبقة المثقفين والمفكرين العرب الذين ساروا في نفس الاتجاه، فقد مضوا فيه بدافع التقليد، فاقتبسوا التجربة على الرغم من شذوذها وغرابتها عن سمات وخصائص المجتمعات العربية والإسلامية. إن هذا المنحى في التقليد الأعمى يقدح في وصف المثقف ويسلبه هذه السمة، فمن المفترض أن ذلك المثقف الذي تضلع بالمعرفة يكتسب ملكة نقدية تمكنه من غربلة مفردات ومخرجات الحضارات الأخرى مهما كانت براقة، فلا ينبغي أن يكون بوابة للاختراق الفكري والقيمي والأخلاقي. إن مسؤولية المثقف ليست في أن يكون ببغاءً ثقافيًا يستبدل ثقافة مجتمعه بثقافة مجتمع آخر، أو يستبدل هويته بهوية أخرى، إنما هو مسؤول عن دراسة مجتمعه والوقوف على العوامل الحقيقية لتخلفه أو انحطاطه، وإيجاد مسارات تصحيحية للمجتمع تنطلق من الهوية الثقافية لا تتنكر لها. مهمته تعزيز الهوية لا الثورة عليها أو العبث بها، والوقوف أمام الاجتياح الحضاري الذي يتعرض له مجتمعه، لا أن يكون جسرًا لعبور الغزو الفكري والقيمي.

729

| 16 مايو 2026

ارحموا أهل العزاء
ارحموا أهل العزاء

هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها...

4668

| 03 أغسطس 2026

المنصب لا يصنع قائداً
المنصب لا يصنع قائداً

القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...

2334

| 01 أغسطس 2026

بين الحلم والنتائج واقع اجتهاد
بين الحلم والنتائج واقع اجتهاد

ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...

1491

| 30 يوليو 2026

العدالة بين سرعة الأمس وتعقيد اليوم
العدالة بين سرعة الأمس وتعقيد اليوم

الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...

1449

| 30 يوليو 2026

تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة
تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة

سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...

1101

| 05 أغسطس 2026

السيجار.. ولغة النخب
السيجار.. ولغة النخب

تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...

942

| 02 أغسطس 2026

الأب.. ظِلٌّ لا يميل
الأب.. ظِلٌّ لا يميل

هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...

786

| 31 يوليو 2026

حين يفقد العلم بوصلته الأخلاقية
حين يفقد العلم بوصلته الأخلاقية

لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية...

573

| 01 أغسطس 2026

 من ظلمة الجب إلى سدة الحكم
من ظلمة الجب إلى سدة الحكم

من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...

570

| 02 أغسطس 2026

في رثاء المغفور له الأمير الوالد
في رثاء المغفور له الأمير الوالد

في رثاء المغفور له الأمير الوالد الشيخ حمد...

513

| 02 أغسطس 2026

سيأتي الربيع...
سيأتي الربيع...

في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...

501

| 05 أغسطس 2026

سوف نظل نتكلم عن غزة
سوف نظل نتكلم عن غزة

كنت قد عاهدت نفسي منذ السابع من أكتوبر...

498

| 03 أغسطس 2026

أخبار محلية