رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة أزمة حقيقية في المحروسة ناتجة عن غياب الثقة بين النخب السياسية سواء التي دخلت منطقة الحكم أو التي مازالت تمارس المعارضة وهو ما يهدد مسار النظام السياسي ويجعله - في حال تطبيق مبدأ المغالبة الذي تسعى بعض القوى إلى انتهاجه – مهددا في بنيته التحتية على نحو يبعده عن التوافق الوطني وهو الشرط الضروري لنجاح أي نظام خاصة في المراحل التي تعقب التحولات الكبرى والفاصلة كثورة الخامس والعشرين من يناير.
والشاهد أن ما يجري في مصر هو أشبه بحوار الطرشان فكل طرف يخاطب نفسه ويسعى في الآن ذاته إلى إقصاء الآخر وتهميشه والتشكيك في قدراته وولاءاته الوطنية وباتت ألوان الخصومة والاستعداء هي السائدة في المشهد السياسي الذي كان يتطلع الجميع إلى أن يكون قادرا على احتواء كل الفصائل والتيارات والتوجهات التي يموج بها على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات.
ومنذ فوز فصائل تيار الإسلام السياسي بالسلطة سواء عبر الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية بدا أن هناك نوعا من الفرز بين ما هو إسلامي وغير إسلامي خاصة من قبل دوائر بعينها داخل جماعة الإخوان المسلمين وداخل الجماعة السلفية بتجلياتها المتعددة وهو أمر أقلق القوى الأخرى التي شهدت بدورها نوعا من الاستقطاب الحاد ضد التيار الإسلامي بأجنحته المختلفة والذي أخذ يشعر بنوع من الزهو يبرزه في عمليات استعراض قوة في غير مناسبة وغير واقعة.
وينطوي هذا التقسيم على قدر كبير من المخاطر على ما يمكن وصفه بالنواة الصلبة للمجتمع المصري والذي هو بالأساس مسلم ويجل الدين خاصة أن البعض يحاول أن يضفي على الفعل السياسي وهو المتغير بطبيعته نوعا من القداسة الدينية التي تجرده من سمته الأساسية وبالتالي ينعكس ذلك سلبا على الأولويات التي يتعين بلورتها بوضوح حتى يمكن لثورة الخامس والعشرين من يناير أن تسعى إلى تحقيقها بعيدا عن الشطط سواء أكان ذا صيغة دينية أو غير دينية وذلك يستوجب بالضرورة البحث في القواسم الوطنية المشتركة التي تقود إلى صياغة الحلول الناجعة للمشكلات الملحة والجوهرية والبدء في رسم ملامح وتجليات المحروسة بما يعيد الاعتبار إلى استقلالية قرارها الوطني وحضورها الإقليمي والدولي وبناء أنموذج للتنمية يقوم على العدالة الاجتماعية والصعود بجميع فئات المجتمع باتجاه التقدم.
والخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتجلى في بدء حوار وطني جامع بمشاركة كافة القوى دون منهجية الإقصاء واستنادا إلى حق الجميع في المشاركة في صياغة مصر الجديدة التي بدأت خطوتها الأولى فور سقوط نظام مبارك لكنها لم تنجح في غزل باقي الخطوات بعد بالرغم مما تحقق من تحولات نوعية من قبيل انتخاب الرئيس وفق محددات الاقتراع السري المباشر وحدوث حالة من سيولة الحرية السياسية هي مطلوبة في المرحلة الأولى لكنها في حاجة إلى ضبط وإحكام بالتأكيد في العديد من المناحي خاصة على الصعيد الأمني والاقتصادي والاجتماعي على نحو يمنع من التحول إلى الفوضى والتي عاشت المحروسة – ومازالت - بعضا من تجلياتها السلبية.
ولاشك أن الرئيس محمد مرسي أدرك الحاجة إلى هذا الحوار وهو ما بدأه أمس الأول – السبت – بسلسلة من اللقاءات مع رموز وقادة القوى السياسية وذلك تمهيدا لعقد مؤتمر أو لقاء موسع لضبط البوصلة في الاتجاه الصحيح حتى لا ينحرف إلى حالة من القطيعة ومن ثم توسيع دائرة الاحتقان التي تقود – لا قدر الله – إلى نوع من الاشتباك اللفظي الذي بدوره يقود إلى اشتباك من النوع الخطير.
ولكن ثمة من يرى - ومنهم الباحث المصري المتخصص في القضايا الإستراتيجية والسياسية علاء بيومي - أن هذا النوع من الحوار هو أشبه بالمهمة المستحيلة للأسباب التالية:
أولا: غياب مجلس الشعب: فالحوار أقل من الشراكة السياسية، والشراكة السياسية في الديمقراطية تأتي من خلال الانتخابات والمؤسسات التنفيذية والتشريعية، ومن خلال قواعد واضحة جدا، فالدستور يحدد من يحصل على من ومتى وكيف.
وللأسف ليس لدينا دستور ولا برلمان ولا قوى سياسية راضية بمواقعها الحالية.
ثانيا: رفض الشراكة: بعض قوى المعارضة كالتيار الشعبي وحزب الدستور ترفض الشراكة السياسية وفقا للنظام الحالي من خلال التعيين في رئاسة مرسي، فالتيار الشعبي يرفض الشراكة وينتظر الانتخابات المقبلة، وحزب الدستور يريد إعادة انتخاب الجمعية التأسيسية، وهي مواقف مشروعة تماما، ولكنها صعبة.
وفي غياب البرلمان والدستور والشراكة في الرئاسة والحكومة ستظل المعارضة - كما يقول علاء - خارج السلطة وتزداد حالة الاستقطاب التي يغذيها الجميع من خلال ممارسات وخطابات سياسية محتقنة.
ثالثا: الحوار آلية ضعيفة فأهم منه هو الشراكة في السلطة من خلال آليات واضحة وللأسف فإنه دون إعداد جيد يضمن إدراك الأطراف السياسية والمجتمع لمقتضيات الحوار والتزاماته سوف يظل الحوار آلية ضعيفة، وربما يزيد من المشاكل، فسوف يأتي قادة المعارضة بمطالب كبيرة إلى الحوار، وقد يخرجون شاعرين بالإحباط لو لم يتم تنفيذ بعض مطالبهم، ويظل الحوار في ظل غياب المؤسسات قضية ذاتية يصعب تقييم مدى نجاحها دون التزامات واضحة.
رابعا: المدة الزمنية والسياق: فالحوار يتم بعد أربعة أشهر من تولي الحكم، وفي ظروف اقتصادية وسياسية صعبة، وحالة استقطاب شديدة، ويتناول قضايا محورية مثل الدستور، والذي يطالب أحد التيارات بإعادة انتخاب الجمعية التي تكتبه، كما أن الفترة الزمنية المتاحة للتوافق قصيرة للغاية، ونحن مازلنا نعيش فترة انتقالية صعبة.
هل يعني ذلك أن مرسي أخطأ في الدعوة للحوار؟ يتساءل علاء ثم يجيب على الفور: بالعكس، نحن نعتقد أنه تأخر، وأن الحوار هو الوسيلة الوحيدة المتبقية في الظروف الراهنة، ولكنها آلية صعبة للغاية للأسباب المشروحة آنفا وبالتالي فإن الأمر يتطلب وفق تأكيده ترتيبا سياسيا وإعلاميا مكثفا لتوضيح محتوى الحوار وأهدافه وأسلوبه، وربما تغيير لغة الخطاب السياسي والإعلامي من قبل الأطراف المختلفة، وقد يتطلب الأمر أكثر من لقاء واحد أو لقاءين، فقد نحتاج إلى مبادرة أكبر للحوار مع التيارات المعارضة الرئيسية، يعني إطلاق شيء أشبه بآلية للحوار الدائم بين تيارات القادة الكبار الذين سوف يجتمعون مع مرسي هذا الأسبوع بالإضافة لقادة التيار السلفي لضمان نقاش أكبر عدد من القضايا من الآن وحتى انتخاب مجلس الشعب القادم.
السطر الأخير:
لأنك مسافرة
ممزقة دفاتري
أصاب العطب سطورها
العتمة تشاغلني
بعدما غاب ضوؤك عن أقماري
أيا سيدة النوارس والبحار
الوجع لا يليق بمن يعشق عينيك
وتغزلين له عسجد القصائد
فليس في المدينة إلا ياقوتك
وعناقيدك الممتدة في الفصول
ليس إلا أنت فاكهة الأزمنة
خلاصة الحقول
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
446
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
316
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3171
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1227
| 01 أكتوبر 2026