رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تخرج الشمس من جفن الشرق كل صباح تخرج معها تلك الأنيقة الجميلة مكتسية بحللها الملونة، جامعة رحيق فكر العقول، ونبض ومشاعر القلوب لتقدمه مع كل الحب لقارئ هو دائما معها على ميعاد، اليوم وقد احتفلت الشرق بيوبيلها الفضي أراني التفت إلى مسيرة طويلة قطعتها الشرق منذ ولدت لتنمو، وتكبر، بجهود التجويد، والتطوير، والأفكار، فكل كاتب يضع في مقاله شيئا من ذاته وقد التحم ببيته "الشرق" فصار يهديه أجمل ما فيه.
ظروف خاصة منعتني من تلبية دعوة الشرق للاحتفال بربع قرن من العطاء المثمر، فلقاء الزملاء سرور بكل تأكيد، لكن الظروف لا تمنع من إهداء أجمل مشاعر الود، وأطيب أمنيات النجاح لتلك الجميلة التي تشغلنا دوما، وتسعدنا أبداً بطلتها اليومية، لا تدري الأوراق الطالعة يوميا برائحة الخبز الطازج ممهورة باسم "الشرق" أنها بعد هذه العقود وبيوم احتفالها أعادت شريط الذاكرة إلى أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، حيث كتبت ألفا ومائتين وعشرين مقالاً وزيادة، ياه ركض العمر، هل كتبنا كل هذه السنوات، هل التزمنا كل هذه السنوات، هل فاض القلب بخواطره وهمساته وربما أناته كل هذا الوقت؟ نعم كل هذا الوقت! اليوم تركض الذاكرة إلى زمان إلى بعيد لأتأمل حصاد السنين، وأجد بعد قليل تأمل أنه يجب أن أسدي شكراً جزيلاً للشرق العزيزة، فأنا مدينة لها بالكثير، فهي البوابة التي دخلت منها كي يتمرس القلم، ويشتد عوده، لأصدر كتابين (شبابيك) ومجموعة قصصية (ديسمبر الدافئ) وكانت البوابة التي منها دخلت إلى عضوية اتحاد كتاب مصر، وهي البوابة التي منها دلفت إلى الكتابة بأعرق إصدارات مؤسسة الأهرام المصرية حيث (مرافئ) مجلة الشباب الشهيرة، ولها الفضل لأن أكون المراسلة الصحفية لأكثر من شباك أدبي وإصدار بالكويت، تدرب القلم وهمى بمعطيات رجفاته يوما بعد يوم في ظل رعاية (الشرق) وإدارة محترمة لم تفرق يوما بين مواطن ومقيم بين كاتب محلي وكاتب مقيم، حتى أن ذاكرتي لا يمكن أن تنسى قول أحد الرائعين القائمين على رعاية الكلمة (إن أي إبداع يولد على أرض قطر بصرف النظر عن جنسية الكاتب هو إبداع قطري).
ثلاثة وعشرون عاماً مضت تعود الآن بكل ما كان فيها لأرد الفضل لأصحابه، شكراً للإدارات المتعاقبة ولكل جهودها الطيبة، شكراً لكتيبة البدايات التي حملت أعباء التأسيس، شكراً للإدارات المختلفة، وللأقسام كلها على جهود نصب عينيها أمل مرتجى أن تكون الشرق هي الأبهى، رحم الله الذين تركوا لمساتهم وسافروا إلى ربهم تاركين فينا شيئا من أنفاسهم المخلصة لتكون الشرق هي الأجمل، شكراً لجل من أحب الشرق بيتا وتكوينا، فمنحها حبا لا يمكن المساومة عليه، ولا التخلي عنه، شكراً جزيلاً للشرق الجميلة التي عرفت من خلال الالتصاق الحميم مع أوراقها معنى الكلمة عندما تصبح ظلا، وفرحا، وريحانة، ومظلة، ووردة، كيف تكون أنة مظلوم سمعها مسؤول فانصفه، أو شكوى مكروب التقطها من يعنيه الأمر ففرج الكرب بنبله الكريم الذي لا يريد حمداً، ولا ثناءً، ولا شكوراً، شكراً للشرق باقة المشاعر المزهرة دوماً، الظليلة أبدا، المتألقة دائماً، الطارحة وداً، وتعاطفا، وتكافلاً، ورحمة، فكم فرجت كروب معوزين، ومكروبين ومرضى، شكراً للشرق رسول المشاعر الضافية، المعقود لها لواء الحب في قلوب من يلمسها فلا يرى لها نظيراً، شكراً للشرق صاحبة رسالة التنوير.
* نعم أجمل ما في العمر ورقة تستقطر كل ما في أعصاب الروح من دفقات، وقلم طيع ينقل بيسر كل ما في النبض من كلمات.
* من جفن الشرق يتضوع كل يوم ما يكتب من القلب ليصل إلى القلب.
* * *
رجاءً عاتبوهم!
* في مقال الإثنين الفائت نوهت بضياع تسعة أطفال من ذويهم خلال الزحام الشديد في (دريم بارك) نتيجة للإهمال وعدم المتابعة، يوم الجمعة الفائت تكرر الأمر على الكورنيش الذي هو أصعب حالا من الحديقة المغلقة التي يمكن بعد جهد العثور على الأطفال بها هنا أو هناك، على الكورنيش وجدت طفلة ضائعة عمرها سنتان، لا تستطيع الكلام، ولا الإجابة على أي سؤال، من الوشم الموجود على معصمها عرفت أن اسمها (هايا) وأنها قد تكون باكستانية، لحظات وظهرت (مريم) طفلة ضائعة عمرها فوق العام بقليل، لم أجد بُداً من الاتصال بالشرطة، وصلت (الفزعة) ثم تلاها السيد منصور علي العجيدي من المباحث الفيدرالية، أخذ بيانات بطاقتي وسلمته الطفلة التي أسلمها بكاء ثلاث ساعات متتالية للنوم، قبل أن تتحرك سيارة الشرطة ظهر والد (مريم) سألته (إنت أبوها) قال نعم، قلت له أقسم بالله لو أني مسؤول بالشرطة ما سلمتك البنت إلا بعد القصاص منك ومعاقبتك بمحضر وغرامة نظير ألم هذه الطفلة المسكينة، قدر الرجل انفعالي ولم يرد بكلمة، ترك بياناته وانصرف، تحركت السيارة بالطفلة الثانية وأنا أتخيل حال ذويها بعد مرور ثلاث ساعات من فقدها تخيلت الهلع، والخوف، والبكاء، تخيلت الطفلة وقد استيقظت فلم تجد وجها تعرفه لتبكي بكاءها الذي فتتني، عدت إلى بيتي حزينة موجوعة، لم أنتظر حتى اليوم التالي لأطمئن عليها، في الحادية عشرة اتصلت بشرطة العاصمة فأفادني الملازم عبدالله الخاطر بأن الفتاة سُلمت لأهلها، ثم طمأنني الأخ منصور العجيدي بتسليم الطفلة لأهلها، زال كابوس وضيق عكر عليَّ جدا، ولأن الأمر متكرر أرفع رجائي للسادة المسؤولين بالشرطة بضرورة توقيع عقوبة رادعة على من يضيع طفله وإلزامه بغرامة مالية، وإقرار يتعهد فيه بعدم تكرار إهماله، وألا يترك أطفاله في رعاية خدم ينسون أطفالنا إذا ما اجتمعوا بجنسياتهم على الكورنيش ليلقى الأطفال آلاما مبرحة وقد ضاعوا في الزحام، الردع مهم جدا حتى لا تتكرر تلك الصور المؤلمة، ولا أنسى الشكر الجزيل لرجال (الفزعة) والبحث الجنائي لتعاونهم وجهودهم المقدرة لكي يعيدوا الأطفال التائهين إلى ذويهم.
* * *
طبقات فوق الهمس
* رسالة للسادة المسؤولين في (سباير)
لمحت مسنة ترفع أقدامها عن الأرض بصعوبة، تئن مع كل خطوة وهي تجاهد للوصول إلى مبتغاها بالحديقة، سمعتها تستأذن سائق عربة الخدمات المتنقلة أن يوصلها إلى حيث توجد أسرتها رفض، رجته، اعتذر، هنا أقترح على السادة المسؤولين أن يوفروا عربات لمثل هؤلاء المسنين بأجر يوضع في صندوق لخدمات الحديقة، بهذا يمكن أن نسعد فئة ولى منها الشباب، وأصبح المشي بالنسبة لها عذاباً مضاعفاً، أليس جميلاً أن نسعد إنساناً؟
* دق الهاتف بعد أذان الفجر بدقائق ضغطت على قلبي بيدي اسكت فوضى اضطرابه، أتحسب مع كل خطوة ناحية الهاتف البعيد لسماع خبر موجع يأتي من الوطن الحزين ليقول إن أحمد (أخاك) هو أول من سيلحق بأبويك، ألف خاطر يهزي، يركض، ألف لقطة لأحمد الذي لم يكن ليستقر في مكان، فهو دائما إما في عربة أو في قطار، دائماً مسافر، الآن حط الطير وقال طبيبه إن حالته سيئة جدا، إذن على الهاتف رسالة ستبلغني أن الطير حط وإلى الأبد، لكن تقدرون فتضحك الأقدار لم يكن على الهاتف ذلك الخبر الفاجع بل كانت صديقتي آمال تقول (إيه رأيك نطلع على الكورنيش نمشي) صرخت فيها (أي كورنيش وقعتي قلبي) لم تعقب أكملت (مش حتندمي أنا جايه) في الطريق لم يكن الظلام قد انقشع تماماً، رحت أتأمل معجزة ولادة النهار، والصبح يتنفس في آية من آيات الله، الشمس غارقة لم تزل في حمرة شروقها، والبحر يهدي الناس فتنة وجمالاً فوق القدرة على الوصف، شيئاً فشيئاً رحت استبين ملامح المكان، فوجئت بناس العيد يملأون الكورنيش، كل الأعمار، كل الجنسيات، عجوز يتوكأ على ذراع زوجته، (ويله حسن الختام) شباب يركضون في همة، سيدات وشابات يشددن الخطوة في تمارين صباحية، نمشي على مهل واتفرس في الوجوه التي أمر عليها، عجوز يتابع تسبيحه في سكينة وهدوء كأن ليس بالمكان كل ذلك الصخب، رفوف حمام تغدو وتروح يرمي لها الصغار حبات تملأ أكفهم الصغيرة فيلتم الحمام ليلتقط الحب فيصرخ الصغار ابتهاجاً، فرادى يتناثرون على طول خط الماء، أحدهم يرمي بخيط سنارته، آملاً في كرم البحر، آخر سرحان لا ترمش عيناه، فيما يفكر؟ في العيون كلام ساكت، ربما يفكر في أطفاله الذين كان يود أن يحتضنهم ليقبلهم واحدا واحدا، من أعوام لم يرهم، أي حنين يجلده وهو يتذكر آخر مرة رآهم فيها؟ وهذا ما له واجما، ربما تعصف به شجون، وعواطف، وأشواق لكل ما تركه خلفه من أزمنة، وأمكنة، ووجوه، ربما يفكر في لمة البيت الكبير وتفاصيل كثيرة ما فرت من الذاكرة؟ وكيف تفر، ولمن تتركه وهي زاد الاغتراب الطويل، وسلوى الحنين!
وتلك الخادمة التي تركض خلف الصغار ما بالها لا تبتهج بالعيد، ربما لديها أطفال في عمر من تعتني بهم، سنتان لم ترهم، كم تشتاق لهم؟ أترى قد فطنت مخدومتها لتوفير كارت اتصال لتطمئن على أولادها وأسرتها أم أنساها انشغال العيد وضيوفه؟
نمشي على مهل، واتفرج كيف استيقظت الحياة بكل نضارتها وعنفوانها في صباح عيد ليملأ الناس المساحة الخضراء، بسلامات، ومباركات، وحلوى، وضحكات، ودعوات، وفوقهم نخل مغندر يتمايل، وأزهار إلى جانبهم تشاركهم لحظات الابتهاج.
خط الماء، الكورنيش، حكايات، حكايات كثيرة لخليط من البشر، لهم أفراحهم، وأتراحهم، أشواقهم، ودموعهم، قد لا يبوح من اغترب عن أهله ووطنه بحنين يوجعه لعيون الأحبة، والأولاد، والأهل، لكن بسهولة يمكنك تخيل ما لا يقال وقد مررت بشبابيك العيون المفتوحة في صمت وقد عز عليها الابتهاج أو حتى الابتسام.
رمضان.. الصمت الذي يروي القلب
يطل رمضان بهدوئه الخاص، وكأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحنا فرصة للنظر داخل أنفسنا، والاستماع إلى أصوات قلوبنا. الصيام... اقرأ المزيد
96
| 20 فبراير 2026
نحو بيئة داعمة للذكاء الاجتماعي المبكر
يُعد الذكاء الاجتماعي إحدى الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل المتكاملة، خاصة في الصفوف الأولى من التعليم، حيث... اقرأ المزيد
48
| 20 فبراير 2026
تحديات الحضانة
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ... اقرأ المزيد
48
| 20 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6534
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
972
| 16 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها عبر الوسائط الإلكترونية والعقوبات المقررة لها والإجراءات التي تتم بشأن مكافحتها ضمن القانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد أناط من أجل ذلك بجهاز النيابة العامة مهام جمع الأدلة والإثباتات حول ملابسات ارتكابها، وأوكلها سلطة التحقيق من أجل بيان الحقيقة بشأنها. ونظرا لخصوصية هذا النوع من الجرائم التي يختلف فيها مسرح الجريمة عن باقي الجرائم الأخرى، فإن إجراءات التحقيق وجمع الأدلة المثبتة لها بدورها تختلف عن الإجراءات الواجب اتباعها عند الاستقصاء عن الجرائم الأخرى. والمقصود بمسرح الجريمة هنا هو العالم الافتراضي الذي يمكن وُلُوجه عبر وسيط إلكتروني سواء عبر الإنترنت أو أي وسيلة أخرى تحقق من خلالها الفعل الجرمي الذي يصبح موضوع بحث من طرف النيابة العامة، ومن هنا تبدأ هذه الأخيرة في التقصي عن نسبة الجريمة الإلكترونية للشخص موضوع الاتهام، وتصبح مهمتها تحديد مدى إمكانية ولوج ذلك الشخص إلى الوسيط الإلكتروني موضوع الجريمة، وهل ثبت لديها حقا ارتكابه للفعل موضوع البحث والتحقيق أم لا. ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا سمح القانون للنيابة العامة بالتحري والاطلاع على علاقة ذلك الشخص بالوسائط الإلكترونية، والاستعلام عن الوسائل التي يستخدمها في حياته الاعتيادية وربطها بالجريمة، حتى وإن كان ذلك يبدو فيه مساس بحياته الشخصية وأموره الخاصة به، لأن الوسائل التقليدية للبحث والتحقيق لن تفيد في الوصول إلى الحقيقة. إن بعض الجرائم الإلكترونية من أجل كشف غموضها والوصول إلى فاعليها لا يكفي فقط الاطلاع أو الاستعلام عن الوسائط الإلكترونية والوسائل الخاصة بالمتهمين، بل يستدعي الأمر أحيانا بحثا معمقا من طرف النيابة العامة لن ينجح إلا عن طريق الاحتفاظ بتلك الوسائل وحرمان المتهم منها لغاية انتهاء التحقيق بشأنها، مثل الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب أو أية وسيلة أخرى يشتبه ارتكاب الجريمة بواسطتها، بل أحيانا يتطلب البحث والتحقيق إلزام المتهم بترك حساباته على بعض مواقع التواصل مفتوحة ورهن استعمال جهات التحقيق، بل قد يكون ملزما بتزويدهم باسم المستخدم وكلمة المرور. تأكيدا لذلك فقد نصت المادة 18 من القانون رقم 14 لسنة 2014 على حق النيابة العامة في أن تأمر كل مشتبه في ارتكابه جريمة إلكترونية بتسليم أية أجهزة أو أدوات أو أية معلومات مثل بيانات المرور تفيد في الكشف عن حقيقة الجريمة، وليس له حق مواجهتها بالخصوصية أو السرية حتى لو تعلق الأمر بأسرار المهنة، اعتبارا لكون البحث والتحقيق في الجريمة الإلكترونية من النظام العام الذي يهدد المجتمع، وهو أولى بالحماية من المصلحة الشخصية أو السرية المهنية للمشتبه فيه، واعتبارا كذلك لكون النيابة العامة بصفتها ممثلة المجتمع لن يضر اطلاعها على المعطيات الشخصية للمتهم في شيء، بل المفترض أن حدود اطلاعها وبحثها سوف تتم في إطار ما يهم الجريمة موضوع الاتهام، ولا يهمها الاطلاع على باقي ما يخص حياة المشتبه فيهم. ولم يحدد القانون مددا معينة للاحتفاظ بالأجهزة المشتبه باستخدامها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، إذا لا نجد التنصيص على أدنى مدة أو أقصاها، بل ترك المشرع المجال مفتوحا، لكنه من الناحية المنطقية فإن الاحتفاظ بتلك الأجهزة مدته مرتبطة بمدى الانتهاء من التحقيق بشأنه، فإذا تبين للنيابة العامة على سبيل المثال أن الهاتف المحمول المحتفظ به لا يحمل أي دليل أو شبهة تدين المتهم أو تفيد في الوصول إلى المتهم الحقيقي وإيضاح معالم الجريمة، يمكنها أن تعيده لمن يخصه بمجرد تأكدها من ذلك سواء تم ذلك خلال ساعات أو يوم أو أكثر، أما إذا ظهر لها أن ذلك الهاتف يحتاج مزيدا من الاستعلامات أو إعادة مخزون محذوف منه، أو الاستعانة بخبرة بشأنه وأن الأمر يتطلب أياما أو شهورا فإنه يجوز لها الاحتفاظ به طيلة تلك المدة. وإذا كانت للنيابة العامة حرية مطلقة بالتحفظ على الأجهزة والوسائل والبيانات التي تساهم في حل خيوط الجريمة الإلكترونية، فهي ملزمة في المقابل بالمحافظة على تلك الأشياء التي تحت تحفظها، بحيث لا يجوز لها محو بيانات أو تعديل معلومات أو تغييرها أو المساس بها لحين صدور قرار من الجهات القضائية بشأنها.
792
| 16 فبراير 2026