رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الحسين الدومي

مساحة إعلانية

مقالات

174

الحسين الدومي

رمضان.. الصمت الذي يروي القلب

20 فبراير 2026 , 05:38ص

يطل رمضان بهدوئه الخاص، وكأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحنا فرصة للنظر داخل أنفسنا، والاستماع إلى أصوات قلوبنا. الصيام في هذا الشهر ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تجربة لإعادة ترتيب النفس، وتنقية الروح، وإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للحياة. قبل ساعات قليلة من الإفطار، تتحول الأسواق والبيوت إلى فضاءات حية مليئة بالحركة والروائح المميزة. رائحة الخبز الطازج تمتزج مع عبق الحلويات الرمضانية والتوابل، فتغمر المكان بدفء لا يُنسى. الأرغفة الساخنة توضع على الطاولات بجانب التمر والمشروبات، تنتظر بصبر لحظة الإفطار، بينما تتعالى ضحكات الأطفال وتختلط بأصوات التجهيزات في المنازل. كل تفصيلة لها معنى، تحمل شعورًا بالدفء والتواصل الإنساني، فتكتمل روحانية الانتظار قبل الإفطار.

رمضان يمنح الإنسان فرصة للتأمل الداخلي. الصيام ليس مجرد تحدٍ جسدي، بل اختبار لصبر النفس، وانضباط العقل، ووعي القلب. كل لحظة صيام تمر، كل رغبة تتحكم فيها، وكل شعور بالامتنان يملأك، هي دروس يومية تعيد ترتيب أولوياتك وتزيد من فهمك لنفسك ولمن حولك. يصبح الإنسان أكثر قدرة على التقدير، وأكثر حساسية لما يحيط به، وأكثر استعدادًا ليتصف بالرحمة والعطاء. الإفطار، بتلك اللحظة المميزة ليس مجرد تناول الطعام بل هو توجه قلبي بالأساس. إنه احتفاء بالجهد النفسي والجسدي، وفرصة للارتباط بالآخرين، وتجربة للحظات ممتدة من الامتنان والسعادة البسيطة. كل لقمة، كل رشفة ماء، وكل ابتسامة، تصبح جزءًا من نية وعبادة داخلية حيث يربط الإنسان بالوعي الروحي ويزيد من تقديره لكل لحظة في الحياة.

وخلال ساعات النهار الطويلة، تتشابك العلاقات بين الناس بشكل أعمق. الابتسامة الطيبة، كلمة مشجعة، مساعدة صغيرة لمحتاج، كل هذه التفاصيل البسيطة تصبح أفعالًا معبرة عن الرحمة والصبر، وتشحن الروح بالرضا الداخلي. رمضان يعلمنا أن السعادة الحقيقية لا تكمن في الأشياء المادية، بل في التقدير العميق للحياة، وفي القدرة على العطاء الصادق والواعي.

الليل الرمضاني يحمل تجربة مختلفة. بعد هدوء الأسواق وانسحاب ضوضاء النهار، يجد الإنسان نفسه أمام مساحة صمت أكبر، وقت يقوم فيه لله ويدخل في لحظات العبودية الروحية. كل صلاة وذكر ودعاء هي لحظات وبداية يقظة قلبية، تمنح فرصة لمراجعة النفس، وفهم المشاعر، وتقييم العلاقات، ولتجديد القوة الداخلية. يصبح الإنسان أكثر اتصالًا بربه وذاته، وأكثر قدرة على التفكير بعمق، وأكثر استعدادًا للعطاء والإحسان في يومه التالي. رمضان هو أيضًا رحلة حسية. أصوات الأطفال، ضحكاتهم، خطوات المارة، رائحة الطعام، ضوء الشموع أو المصابيح، كل هذه التفاصيل تجعل الإنسان يدرك جمال اللحظة ويعيش الحاضر بوعي أكبر. يلاحظ التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تغيب عنه في الأيام العادية: ضحكة غير متوقعة، قطرات مطر خفيفة، شعاع ضوء على نافذة، أو صمت قصير بعد أذان المغرب. كل هذه اللحظات تصبح علامات على الحياة، على جمالها، وعلى قدرة النفس على التأمل والامتنان. العطاء في رمضان ليس مقتصرًا على المال أو الطعام فحسب، بل يشمل الوقت والكلمة الطيبة والانتباه للآخرين. 

كل فعل صغير من هذا النوع يعود بالنفع على النفس أيضًا، ويمنح شعورًا بالطمأنينة الداخلية والرضا النفسي. رمضان يعلم أن القلب الكبير والنية الصادقة هما أساس السعادة الحقيقية. أثناء الصيام، تتضح قيمة البساطة. كل لحظة، كل وجبة، وكل تفاعل مع الآخرين تصبح أكثر وضوحًا وأهمية. الإنسان يتعلم أن الحياة ليست في الإسراف أو الاندفاع وراء الرغبات، بل في الوعي، والصبر، والمشاركة، والاستمتاع باللحظة الحالية بكل تفاصيلها. هذا الوعي النفسي يجعل رمضان تجربة شاملة، تجربة لإعادة ضبط الروح وإعادة ترتيب الأولويات. فلنستقبل رمضان بقلوب صافية، وعقول يقظة، وأيادٍ ممدودة بالعطاء. لنغتنم كل يوم وكل لحظة فيه لتصفية النفس، وتجديد الروح، وتعميق العلاقات الإنسانية. رمضان هو أكثر من شهر، إنه رحلة إيمانية ونفسية وروحية، تجربة حياة كاملة، دعوة لتأمل الذات، للسكينة والهدوء الداخلي، ولعيش اللحظة بكل ما فيها من معنى وجمال.

مساحة إعلانية