رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

489

هديل رشاد

الفاشر.. ضحية فظائع مليشيا «القتل» السريع

05 نوفمبر 2025 , 04:27ص

«اضطررت للفرار مع مَن تبقى مِن أطفالي بعدما قُتل ابني المراهق أمامي بقذيفة، ولم أستطع دفنه.»، بهذه الكلمات تختصر حياة يعقوب حسين، أم سودانية من الفاشر، مأساة مدينة تحولت إلى جحيم مفتوح، شهادتها ليست حالة فردية، بل مرآة لواقع يعيشه مئات الآلاف في شمال دارفور، حيث الموت لم يعد طارئًا، بل صار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

الفاشر، التي كانت عاصمة سلطنة دارفور ومركزًا تجاريًا مهمًا للقوافل القادمة من ليبيا وتشاد، اشتهرت تاريخيًا كسوق للحبوب والماشية ومقر للحكم منذ القرن الثامن عشر، اليوم، هذه المدينة التي كانت رمزا للاستقرار الاقتصادي والإداري، أصبحت مدينة أشباح وهواها بات يزكم أنوف من تبقى من أهلها برائحة الجثث والدماء، كل شارع يحمل أثر قصف، وكل بيت يروي قصة نزوح أو فقدان.

قوات الدعم السريع.. بل قوات «القتل» السريع، التي سيطرت على مدينة الفاشر – العاصمة التاريخية لإقليم دارفور -، وفرضت واقعا من الرعب الممنهج، هذه الميليشيا، التي خرجت من رحم الجنجويد، باتت أداة للفوضى، تمارس القتل والسلب والاغتصاب بلا رادع، وسط خذلان أشبه بالخذلان الذي تحياه غزة حتى الآن.

تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش تؤكد أن ما يجري في الفاشر يرقى إلى جرائم حرب إعدامات جماعية، دفن في مقابر سرية، وحالات اغتصاب ممنهجة، في يومين فقط، 25 و26 أكتوبر، قُتل أكثر من ألفي مدني، بينهم نساء وأطفال بالاستناد إلى منظمات حقوقية مستقلة وشهود عيان، في واحدة من أكثر موجات العنف دموية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث مستشفى الأمومة السعودي الذي كان ملاذًا للنساء، تحول إلى مسرح لمجزرة بعد قصف أودى بحياة 460 مريضاً ومرافقا داخل المستشفى وفق منظمة الصحة العالمية، حيث تم توثيق 185 هجوماً على مرافق صحية أسفرت عن مقتل 1204 أشخاص وإصابة 416 آخرين منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023.

لكن الأرقام لا تحكي كل شيء، بل إنَّ خلفها تختبئ قصص تقشعر لها الأبدان، أم أخرى، فاطمة عبد الله، تقول في شهادة نقلتها وسائل إعلام «مشيت يومين بلا ماء، كنت أحمل طفلي المريض، لكنه مات في الطريق، دفنته بيدي في حفرة صغيرة، ثم واصلت السير.»، فهذه ليست مأساة فردية ولا حدث عابر، بل إنها واقع آلاف الأسر التي تهرب عبر ما يسميه السكان «طريق الموت»..هذا الطريق الواصل بين الفاشر ومدينة «طويلة»، حيث الجوع والعطش يقتلان قبل الرصاص، في ظل انعدام الحماية الأمنية وتراجع الاستجابة الإنسانية لاحتياجات الفارين والمنكوبين، حيث يمتد الطريق بين الفاشر و»طويلة» لمسافة 68 كيلومترا غربا، ويعتبر المنفذ الوحيد المتاح أمام آلاف المدنيين الباحثين عن مأوى آمن من القصف والحصار المفروض على المدينة منذ 10 يونيو 2024، إلا أنه بات فخاً قاتلا نتيجة انتشار نقاط التفتيش وعمليات القتل الميدانية، رغم أنَّ مدينة «طويلة» تقع تحت سيطرة حركة جيش السودان، والتي أعلنت موقفا محايدا من الحرب.

وكان قد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن 4.6 مليون شخص في دارفور يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بينهم 200 ألف محاصرون داخل الفاشر، تقارير ميدانية تشير إلى موت العشرات يوميًا بسبب الجوع والعطش، بينهم 171 طفلًا خلال الأشهر الثلاثة الماضية، المياه شبه معدومة، والدواء أصبح حلمًا بعيدًا، فيما أغلقت المستشفيات أبوابها بسبب نفاد الوقود والمستلزمات، فمع بداية فصل الشتاء باتت الأمراض المعدية تنتشر في الأحياء المحاصرة وتحاصر هي أيضاً ذاتها الناس، بينما ينهار الأطفال من سوء التغذية أمام أعين أمهاتهم.

ورغم هذه الكارثة بالغة التعقيد، اكتفى المجتمع الدولي كعادته ببيانات «قلق» و»شجب»، فمجلس الأمن أدان الهجمات في اجتماع عقد في 30 أكتوبر الماضي، لكنه لم يفرض عقوبات أو إجراءات حماية، هذا الصمت لا يعني فقط الفشل في حماية المدنيين، بل يكرس منطق الإفلات من العقاب، ويمنح الميليشيات الضوء الأخضر لمزيد من الجرائم، رغم أنَّ ما تقترفه ميليشيات «القتل» السريع من الصعوبة بمكان أن توصف بالجرائم بل بالفظائع الذي يشيب لها الولدان، فحتى النداء الإنساني للأمم المتحدة لم يُموّل سوى بنسبة 27%، ما يجعل الإغاثة شبه مستحيلة.

إنَّ ما يحدث في الفاشر ليس مجرد مأساة محلية؛ إنه يضع السودان على خط النار، في مساعٍ لتفكيكها وتقسيمها، وتمزيق وحدتها لأطماع شخصية ومصالح استثنت مصلحة الوطن في ظل غياب ردع دولي، لتتسع دائرة العنف، ويصبح المدنيون وقودًا لصراع لا أفق له.

ختاما...

تبقى كلمات حياة يعقوب حسين في نهاية شهادتها الأكثر تعبيرًا عن هذا الجحيم: «أسمع صوت ابني كل ليلة… لم يعد الموت يخيفنا، ما يخيفنا هو أن نعيش أكثر في هذا الجحيم.» سؤالها الذي لن تحصل عليه على أي إجابة سيظل يلاحق العالم.. فكم من الأرواح يجب أن تُزهق حتى تتوقف فظائع مليشيات «القتل السريع» في الفاشر؟

اقرأ المزيد

alsharq العيد فرحة روح وهوية أمة

ليس العيد في الثقافة الإسلامية مناسبة عابرة تقاس بما يلبس فيها من جديد، أو بما يقدم فيها من... اقرأ المزيد

69

| 21 مارس 2026

alsharq عندما تشاجر الأحمر مع الأزرق

في المرسم، وقفت موناليزا أمام اللوحة البيضاء تحدّث نفسها بصوت داخلي هادئ: كيف يمكن للون أن يشرح نفسه... اقرأ المزيد

57

| 21 مارس 2026

alsharq التعليم والحروب الحديثة

إعداد القوة والتجهيز سمة دعانا إليها الإسلام يقول تعالى في سورة الانفال آية 60(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن... اقرأ المزيد

63

| 21 مارس 2026

مساحة إعلانية