رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

708

هديل رشاد

كيف تبدد ظلام حزنك؟

02 يونيو 2026 , 10:19م

﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾، كلما مررت بهذه الآية، شعرت بأنها تنساب إلى القلب سكينة خفية، كأنها لمسة رحيمة تهدّئ اضطرابه وتعيده إلى موضع الطمأنينة في لحظات حزنٍ غير مبررة الأسباب، آية قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها، تحمل من الأنس ما يخفّف وطأة الحزن، وتوقظ في النفس يقيناً راسخاً بأن الله يرى ضعفنا، ويعلم ما تخفيه الصدور، ويحيطنا بعنايته حين تضيق السبل، وتُغلق الأبواب، وتتلاشى من حولنا تلك الوجوه التي وعدت بالبقاء… ومضت.

في بعض الأيام، يطرق الحزن القلب من غير موعد، لا يأتي مصحوباً بضجيج، ولا يعلن عن نفسه بوضوح، لكنه يحضر بما يكفي لنشعر بثقله في تفاصيل يومنا، وفي لحظات الصمت الطويل مع النفس، وفي ذلك القلق الذي يطلّ من ملامحنا رغم محاولاتنا المستمرة لإخفائه، ومع ذلك أظن أنه لا ينبغي أن نتعامل مع الحزن على أنه خطأ أو علامة ضعف، فهو جزء من طبيعتنا البشرية التي تتأثر بما تعترضه الحياة من فقدٍ وتعب وخيبات أمل وانتظار طويل.

حتى أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم مرّ بلحظات من الحزن والضيق، وكذلك صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين احتميا بغار ثور أثناء الهجرة، فأنزل الله قوله ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، لم يكن النهي عن الحزن إنكاراً للمشاعر الإنسانية، وإنما تذكيراً بأنَّ معية الله أوسع من الخوف، وأقوى من كل ما يحيط بالإنسان من قلق واضطراب.

ومع مرور الأيام نتعلم أن الحزن، مهما كان مشروعاً، لا ينبغي أن يتحول إلى إقامة دائمة في القلب، من حقه أن يمرّ، ومن حق الإنسان أن يشعر به، لكن ليس من الحكمة أن يفسح له المجال حتى يستولي على الداخل ويطغى على كل ما عداه، وفي المقابل، يبقى استحضار النعم باباً من أبواب النجاة، وتظل الطمأنينة التي يهبها الله لعباده رحمة تعيد ترتيب الفوضى الكامنة في النفس مهما بدا الواقع مرتبكًا.

وفي مثل هذه اللحظات، وأنا أبحث عن شيء من الاتزان لأعبر منطقة الحزن، يتجه التفكير تلقائيا إلى غزة؛ حيث ينهض الناس كل صباح على امتحان جديد من الصبر، هناك شعب يواجه منذ سنوات طويلة حربا ضروساً بأنواع الأسلحة كافة، فالفلسطيني يعيش بين الفقد والانتظار والخوف، ويكابد أوجاعا متراكمة لا تكاد تنقطع، إلا أنَّ في غزة لا يزال الناس يتمسكون بما تبقى من أسباب الحياة، يرفعون أكفّ الدعاء إلى السماء، ويحمدون الله على ما بقي لهم رغم اتساع مساحة الفقد، ترى ذلك في أمّ تضم أبناءها محاولة أن تصنع لهم شعوراً بالأمان وسط الخوف، وفي أبٍ يخفي قلقه ليمنح أطفاله قدراً من الطمأنينة، وفي قلوب أثقلها الغياب لكنها لم تنقطع عن الرجاء.

وهنا تتجسد حقيقة هذه الآية العظيمة: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾. فالله لا يغيب عنه وجع عباده، ولا تخفى عليه دمعة سقطت في عتمة الليل، ولا تنهض نفس مثقلة بالدعاء إلا وهو سبحانه أعلم بما فيها، فهي ليست كلمات تُتلى، وإنما معنى يربط القلوب بربها حين تشتد المحن وتتوالى الابتلاءات، بل أكثر فهي قبس من نور ممتد في نفق أنهكته حُلكة سواده.

وربما لهذا لا يكون الحزن خصماً ينبغي إنكاره، ولا الدمع ضعفاً ينبغي إخفاؤه، ما يحتاجه الإنسان أحياناً ليس الهروب من مشاعره، بل أن يمنحها حقها دون أن يستسلم لها، وأن يتذكر أن رحمة الله أوسع من كل ما يثقل صدره، وأن لطف الله قد يأتي في صورة لا يتوقعها، وفي وقت يظنه أبعد ما يكون.

ولعل أعظم ما تمنحه لنا هذه الآية أنها تذكّرنا، في أكثر اللحظات قسوة، بأننا لسنا متروكين لأنفسنا، وأن في معية الله ما يكفي لطمأنة قلب أنهكه الانتظار، واحتواء روح أرهقتها الحياة، وإحياء أمل ظن صاحبه أنه خبا إلى الأبد.

ختاماً…

تمضي الأيام، ويبقى الحزن جزءا من التجربة الإنسانية، لكنه لا يملك أن ينتصر ما دام القلب عامراً بالحمد، وما دام في الروح يقين بأن الله يرى ويسمع ويرحم ويحفظ عباده. ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾؛ آية يكفي أن تستقر في القلب ليهدأ، وتطمئن النفس، ويدرك الإنسان أن الطريق مهما اشتد ظلامه فإن نور الله أقرب مما يظن، وأن الفرج يأتي من حيث لا يحتسب، وأن من كان بعين الله ورعايته فلن يضيعه الله أبداً.

مساحة إعلانية