رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مثل بقية دول العالم، نعيش في قطر فترة هلع بسبب انتشار فيروس كورونا المتحور «أوميكرون»، ما أدى إلى تكدس الناس على أبواب المراكز الصحية والعيادات التابعة لمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، وبأعداد مهولة، في منظر مستغرب ومخيف، وكأن الدولة لم توفر اللقاح بتاتاً ضد الفيروس، أو أن الجميع ينتظر جرعته الأولى، أو أن الدولة لم تتعامل مع ما هو أصعب من هذه المعضلة في السابق، ولا توجد لديها إمكانات، وأننا على مشارف انهيار في القطاع الصحي، لا سمح الله.
وكم من صورة ومقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لأعداد كبيرة من المواطنين والمقيمين الذين توافدوا على المرافق الصحية في البلاد، طلباً لإجراء فحص PCR، للتأكد من خلوهم من الفيروس بعد الانتشار المهول له، في مشهد فوضوي عانى فيه الكثيرون، بسبب غياب الاستعداد والتنسيق الجيد لمثل هذا الوضع، علماً أن هذه السلالة من الفيروس بدأت في الانتشار في عدة دول على مستوى العالم قبل أن تنتشر في منطقتنا وفي قطر بالتحديد، أضف إلى ذلك أن الغالبية العظمى ممن تهافتوا على الفحص لم تبدُ عليهم أعراض الإصابة، وجاءوا بسبب الشك والخوف، وآخرون مصابون برشح موسمي بسبب البرد، علاوة على عودة غالبية المسافرين من الخارج، مع نهاية إجازة منتصف العام، لإجراء الفحص الإجباري، بعد أن تحدوا كل التحذيرات والنصائح بعدم السفر في ظل هذه الظروف، من أجل متعة مؤقتة.
كان التفاعل مع هذه الظاهرة كبيراً، إذ حظيت بمتابعة واهتمام الكثير من أفراد المجتمع، الذين أغرقوا وسائل التواصل الاجتماعي والمجالس بأحاديث وآراء واقتراحات وانتقادات وإشادات. كلٌ أدلى بدلوه، وأغلبهم كان (منتقداً)، وليس (ناقداً)، إذا أخذنا في الاعتبار الفرق بين الكلمتين، فالمنتقد بلهجتنا المحلية تعني (المتسبب)، الذي يتصيد الأخطاء دون اقتراح حلول، أما الناقد فقد يكون أقرب إلى (الداعي للإصلاح)، الذي يبين الأخطاء ويقترح الحلول لها.
بالعودة إلى قضيتنا الرئيسية، أنا عايشت شخصياً هذه التجربة، عندما اضطررت للذهاب إلى أكثر من مرفق صحي، من ضمنها مستشفى حمد العام، وشاهدت التكدس بأم عيني، أعدادٌ كبيرة جداً، وطوابير طويلة وصل بعضها إلى الأرصفة الخارجية لتلك المرافق، من أجل إجراء مسحة PCR، ناهيك عن طوابير طويلة أخرى لسيارات، اضطُر أصحابها للانتظار لأكثر من 5 ساعات، لإجراء هذه المسحة، التي لا تستغرق أكثر من دقيقتين.
وبناءً على ما شاهدته، وعلى الرغم من كل تلك الفوضى، تيقنت أن لدينا كادراً طبياً في الدولة، أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنه «قدها وقدود»، وأعني هنا الكادر المكون من الأطباء والممرضين والعاملين بشكل مباشر مع المرضى، والذين يبذلون أقصى جهد لديهم من أجل التخفيف عن المراجعين، وتقديم العون والعلاج لهم في أسرع وقت ممكن، فكل التحية والتقدير لهذا الجيش الأبيض، ولكل من يعاونه في أداء مهامه.
ولكن أين الخلل؟، ما الذي أدى إلى تلك المظاهر المؤسفة؟، أين تكمن المشكلة؟.
من وجهة نظري، إضافة إلى الأسباب السابق ذكرها، من هلع وعودة المسافرين وعدم الاستعداد المسبق، هناك سبب أراه أساسياً، وهو غياب المسؤول الإداري، أو غير الطبي، عن موقع الحدث، صحيح أن الأمر يتعلق بالصحة والطب، ولكن الموقع نفسه يحتاج إلى إدارة مسؤولة تقوم بتنسيق العمل فيه، والتحدث مع المراجعين، من أجل المساهمة في تسهيل سير الإجراءات، والأخذ بخاطر المراجعين، على أقل تقدير. فتواجد هذا المسؤول سيخفف العبء على الطبيب والممرض وكل من له عمل مباشر مع المراجعين، تخيلوا أن يترك الطبيب أو الممرض مراجعاً قد يكون في وضع سيئ، من أجل تنسيق إداري أو إجرائي!.
يطل علينا مسؤولون كثر من القطاع الصحي في وسائل الإعلام، وبشكل يومي للتحدث عن أمور الجائحة وأمور أخرى، وهذا جهد مشكور ومقدّر، ولكن هذا ليس كل شيء، نحن في وقت يتطلب منا كل حسب موقعه، بذل أكثر من الجهد المطلوب منه لاحتواء هذه الجائحة، لماذا لا يكلف المسؤولون في القطاع أنفسهم عناء التواجد في المرافق الصحية في الدولة للمساعدة في التخفيف من ظاهرة الازدحام وتكدس الناس؟، هذه الظاهرة بحاجة إلى جهد إداري وليس طبياً.
كم من طبيب أو ممرض خرج من المركز ليخاطب الجمهور تاركين مرضاهم، وكم من ولي أمر بحث عن مسؤول ليطرح مشكلته أو احتياجاته عليه، وللأسف لم يجد من يتحدث معه!، أغلب كبار المسؤولين في القطاع الصحي ملتزم بمواعيد العمل الرسمية، من الصباح إلى ما بعد الظهر، ثم يعود إلى بيته وكأن مثل هذه المشكلات لا تعنيه، وأفضل شيء يفعلونه غير العمل الإداري التقاط الصور في المناسبات المختلفة، كاليوم الوطني أو اليوم الرياضي، أين أولئك المسؤولون الذين يُسمع رنين أسمائهم ومناصبهم في بطاقات البزنس كارد الخاصة بهم؟، تقرأ على البطاقة «مساعد وزير، مدير تنفيذي، خبير إستراتيجي، قائد تخطيط، كبير المستشارين، ورئيس قطاع “ وغيرها من المناصب التي ما أنزل الله بها من سلطان، مناصب ومسميات توحي لك بأنك أمام أحد قادة أكبر جيوش العالم ومستعد لخوض أعظم معركة نضالية، ولكن في الحقيقة يذهب للعمل ٧ صباحاً ويعود ٣ عصراً بعد أداء أعماله المكتبية الروتينية.
وبالحديث عن الجيوش، ليت أولئك المسؤولين يحذون حذو قادة تلك الجيوش، الذين يتواجدون في أرض المعركة، لأنهم دائماً في مقدمة الصف مع أفراد قواتهم، ولكن أين ربعنا عن مرافقهم؟، أليس من الأولى تواجدهم في كل المستشفيات والمراكز الصحية، يوزعون المهام ويستقبلون الناس لوضع الحلول واستدعاء ما يحتاجه هذا المركز أو ذاك، لأنهم مسؤولون وأصحاب قرار... أليس من باب المسؤولية أن يذهب أصحاب العلاوات والمكافأة ورؤساء اللجان العليا، التي لو جُمعت مكافآتهم لأطعمت الفقراء والمحتاجين في الدول المنكوبة، لتفقد تلك المستشفيات والمراكز ووضع اليد على الجرح لطلب الإمداد وحل المشكلات؟، هل هم مشغولون فعلًا فيما هو أهم من صحة الإنسان؟، ألا يعلم هؤلاء القوم، أبطال المسميات، أن وجودهم في الميدان، وفي مثل هذه الظروف تحديداً، أهم من وضع الخطط والإستراتيجيات المستقبلية والتفكير خارج الصندوق كما يدعون!، أما آن الأوان لأن يأخذوا المبادرة والمسؤولية لزيارة المواقع لإيجاد الحلول بدلاً من انتظار المستويات القيادية الحكومية في الدولة للتدخل ووضع الحلول؟، إذا كنا سنعتمد على تعليمات من فوق في كل شيء فلماذا نحن مسؤولون؟، وعن أي شيء نحن مسؤولون؟ ألا يعلم المسؤول أن التعليمات لن تأتي من مصدر أعلى منه إلا في حالة فشله هو في تحمل مسؤولياته؟.
أوجه سؤالي للمسؤول في القطاع الصحي لماذا تنتظر الحكومة وقيادتها لاتخاذ القرارات التنظيمية التخصصية بدلاً منك؟ لماذا نلقي اللوم، في حالات الفشل، على من هم أعلى وأقل منا منصباً، وفي المناسبات البطولية الأسطورية نتصدر المشهد!، أما آن الأوان لأن تخرج النعامة رأسها من تحت التراب؟، لماذا يفضل المسؤول التحول إلى موظف إداري يصدر التعاميم والفرمانات الرنانة، وفي وقت الأزمات يدعي عدم المسؤولية وأن هذا العمل ليس من شأنه ولا يدخل ضمن اختصاصاته ويرى زملاءه في القطاع الصحي تحت الضغط الرهيب، بل إن بعضهم يزيد الطين بلة بتلقي طلبات الواسطات والمحسوبيات لعلاج هذا أو ذاك.
كلها تساؤلات راودتني وأحببت أن أتشاركها معكم، لعل وعسى أن تجد آذاناً صاغية، وتسمع قول الشاعر «وكم من شدة كشفت معادن أهلها، إن الشدائد للورى غربالُ».. والله من وراء القصد.
twitter@mohdaalansari
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2979
| 29 سبتمبر 2026