رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دخلت الصومال مرحلة سياسية حساسة بعد إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم «صوماليالاند»، وهي خطوة لم تأتِ في فراغ سياسي، بل إنها جاءت نتيجة تراكمات طويلة على المستويين المحلي والإقليمي والدولي. وعلى الرغم من أن الاعتراف يمثل انتهاكاً واضحاً لوحدة الأراضي الصومالية، فإن التعامل معه يحتاج إلى قراءة هادئة وواعية للظروف التي جعلت «صوماليالاند» تجرؤ على اتخاذ هذا المسار، وللخيارات الواقعية المتاحة أمام الصومال والدول العربية والأفريقية في هذه اللحظة. ولا سيما أن «صوماليالاند» نالت إقليم إدارة ذاتية منذ عام 1991م، وترسخ ذلك في الدستور الوطني للصومال الفيدرالية عام 2012م، كفيدرالية سياسية لديها مؤسسات متكاملة. وهنا يبرز «فنّ الاحتواء» كإطار نظري وعملي لفهم الوضع الجديد وإدارته بعيداً عن ردود الفعل العاطفية أو المقاربات العقابية التي لا تنتج استقراراً ولا تحفظ الوحدة.
فالخطوة التي أقدمت عليها «صوماليالاند» لم تكن حدثاً مفاجئاً لمن يتابع مسار تطوّرها السياسي والإداري والقانوني التاريخي. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، تبني المنطقة مؤسساتها وتبحث عن اعتراف دولي لم يتحقق، لكنها خلال السنوات الأخيرة شعرت بأن تجاهل الدول العربية والأفريقية لها، وتراجع اهتمام الحكومة الصومالية بملفها، جعل الفراغ السياسي والدبلوماسي يتّسع حولها. وهذا التجاهل، سواء كان مقصوداً أو ناتجاً عن انشغال مقديشو بالتحديات الأمنية والاقتصادية والمعيشية، فتح الباب أمام أطراف دولية للعب دور مباشر في ملء هذا الفراغ، وفي مقدمتها إسرائيل التي رأت في «صوماليالاند» نقطة دخول جديدة إلى منطقة البحر الأحمر وممراته الحساسة على طرق التجارة العالمية.
ولا يمكن تحميل «صوماليالاند» المسؤولية وحدها؛ إذ تتحمل الحكومة الصومالية نفسها جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الوصول إلى هذه اللحظة. فسنوات من الإهمال السياسي، وضعف التواصل الدبلوماسي، وغياب البرامج التنموية المتوازنة بين المقاطعات، ساهمت في تعزيز شعور الانفصال والبحث عن بدائل خارجية. ولم تُقدّم الدولة المركزية نموذجاً جاذباً لوحدة سياسية واقتصادية، ولم تُدَر مسألة «صوماليالاند» برؤية طويلة الأمد، بل اكتفت بالرهان على الزمن وعلى الرفض الدولي للانفصال، دون معالجة الأسباب الداخلية التي تدفع المنطقة إلى الاعتقاد بأن الاعتراف الخارجي أقرب من المصالحة الوطنية.
لكن مقابل النقد، هناك مسار آخر ضروري: وهو التفكير في الخيارات الواقعية المتاحة اليوم. فالدعوات العربية والأفريقية التي ظهرت في شكل بيانات تنديد أو استنكار، لن تُغيّر في الموقف شيئاً، ولن تردع «صوماليالاند» عن مواصلة مسارها في تحقيق أي انفتاح مع تل أبيب طالما البدائل غير موجودة، لأن المشكلة ليست داخلية بنيوية. ولذلك يصبح فنّ الاحتواء ضرورياً ليس للصومال وحدها، بل للدول العربية والأفريقية جميعاً. فالاحتواء يعني الاعتراف بأن مقاربة الهجوم والضغط ليست مجدية، وأن المرحلة تحتاج إلى مبادرات في اتجاه آخر: مبادرات اقتصادية، وتنموية، واجتماعية، وتعليمية وصحية، تُعيد بناء الثقة بين المركز و«صوماليالاند» والأقاليم الأخرى، وتقدّم نموذجاً واقعياً للوحدة بدل الاكتفاء بالدفاع اللفظي عنها.
إن الصومال تعيش حالياً واحدة من أقسى أزماتها المالية منذ سنوات. فالعجز المالي، وتراجع الإنتاج المحلي، وتضرر الموارد بفعل التقلبات الأمنية، كلها تجعل من الصعب على الدولة تقديم نموذج جذاب لجميع الولايات. وهذا الواقع يجب ألا يكون لحظة إلقاء اللوم، بل نقطة انطلاق لحوار عربي وإسلامي وأفريقي حول كيفية دعم الصومال مالياً وتنموياً، بدل تركها وحيدة في مواجهة فراغ سياسي تجد فيه القوى الدولية مساحة للتدخل. فالحلول التي تحتاجها الصومال لا تقوم على الأمن فقط، بل على خلق وظائف، وبناء مدارس، وتطوير الموانئ، وتحسين القطاع الصحي، ودعم الجامعات، وتوفير بنى تحتية قادرة على دمج الولايات والمجتمعات في نموذج دولة واحدة.
وفي هذا السياق، على الدول العربية أن تدرك أن «صوماليالاند» لم تنجذب للاعتراف الإسرائيلي بسبب دوافع سياسية فقط، بل لأن المنطقة شعرت بأن العالم العربي والأفريقي لم يقدم لها بديلاً اقتصادياً وتنموياً حقيقياً. فالدعم الذي لا يتجاوز الإطار الخطابي لا يبني ولاءً سياسياً، ولا يعزز الوحدة الوطنية. وإذا أرادت الدول العربية حماية وحدة الصومال، فلا بد من انتقالها من مرحلة «الاستنكار» إلى مرحلة «الاستثمار»، ومن مرحلة «التنديد» إلى مرحلة «التنمية المشتركة». والدور نفسه ينطبق على المنظمات الأفريقية والإسلامية التي تحتاج إلى التعامل مع الملف بعمق سياسي وتنموي، وليس عبر ردود فعل مؤقتة.
ومن هذا المنطلق، يصبح فنّ الاحتواء مرادفاً سياسياً وتأطيرياً لفنّ بناء الثقة ومد جسور التواصل الدبلوماسي. فهو يدعو إلى امتصاص نتائج الاعتراف الإسرائيلي دون اندفاع وردات فعل غير مؤثرة، وإلى إطلاق مبادرات تنموية تضمن استعادة الثقة بين الصومال و«صوماليالاند»، وإلى إنتاج خطاب سياسي جديد أكثر عقلانية وواقعية؛ يعترف بالأخطاء ولا يكررها، ويُعيد رسم الأولويات على أساس ما يحتاجه الواقع لا ما تمليه الانفعالات. وهذه هي الخطوة الأولى نحو تحول الأزمة الراهنة إلى فرصة جديدة، وإلى جعل القرن الأفريقي منطقة استقرار دائم بدلاً من أن تبقى مسرحاً للنزاع الأهلي، والتدخل الإقليمي، وللتجاذبات والصراعات الدولية.
التراث الشعبي العمود الفقري للهوية الوطنية
رغم مرور فترة من انتهاء فعاليات اليوم الوطني في دولتنا الحبيبة قطر، إلا أن الاحتفالات والفعاليات التي جرت... اقرأ المزيد
21
| 19 يناير 2026
الموناليزا حين تتكلم
عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض المحاضرات لا تنتهي أفكارها عند حدود القاعة التي تقدم فيها،... اقرأ المزيد
27
| 19 يناير 2026
الله يستر من الآتي
النمط التفكيري لدول الخليج مع فائق احترامي الشديد لهم جميعاً يعتقد بأنه محمي وفي مأمن من الأحداث الخطيرة... اقرأ المزيد
27
| 19 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1710
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1428
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
834
| 13 يناير 2026