رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد خليفة العسيري

مساحة إعلانية

مقالات

144

أحمد خليفة العسيري

اللغة العربية بين الرعاية وتحديات التطبيق

19 يناير 2026 , 12:53ص

حضرتُ في بدايات انعقاد مجلس الشورى السابق نقاشًا مهمًا حول واقع اللغة العربية ومستقبلها، شارك فيه عدد من المختصين والمهتمين بالشأن الثقافي واللغوي، كان من بينهم الدكتور حمد الكواري، والأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله بن تركي، وزير التربية والتعليم السابق، إلى جانب نخبة من المعنيين. وقد عكس ذلك النقاش وعيًا مبكرًا بأهمية اللغة العربية بوصفها ركيزة للهوية، وأداة للفكر، وجسرًا للانتماء الحضاري.

ومنذ ذلك الوقت، يلفت الانتباه تنامي الاهتمام الرسمي باللغة العربية، لا سيما في ضوء التوجهات الحديثة لوزارة التربية والتعليم، التي تعكس حرصًا واضحًا على تعزيز حضور العربية في المنظومة التعليمية. ويأتي إطلاق كرسي تميم بن حمد للغة العربية والتراث الأندلسي خطوةً ثقافية وعلمية ذات دلالة عميقة، تعكس دعم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله، للغة القرآن الكريم، وإدراكه لأهميتها الحضارية ودورها في صون الهوية الوطنية.

وعلى الجهات التنفيذية ترجمة هذا الاهتمام إلى ممارسة يومية ملموسة. فالمؤسسات الحكومية مطالَبة بأن تعكس هذا التوجه في مراسلاتها الرسمية وبيئات العمل التابعة لها، ولا سيما في الجهات التي يعمل فيها عدد كبير من غير الناطقين بالعربية، حيث يُفترض أن تكون اللغة الرسمية حاضرة في موطنها الطبيعي، لا غائبة عنه.

لكن الخلل الأعمق يبدأ من الجذور، من المراحل التعليمية الأولى، وتحديدًا من دور الحضانة ورياض الأطفال، حيث تتشكّل البذور الأولى للغة والهوية. ومن المؤسف أن كثيرًا من العاملات في هذه المؤسسات لا يتحدثن العربية، وهو ما يعني عمليًا حرمان الطفل من لغته الأم في أكثر مراحل العمر حساسية لتكوّن الملكة اللغوية.

ويزداد هذا الخلل تعقيدًا مع التركيز المبكر على اللغة الإنجليزية في الصفوف الأولى، والذي قد يأتي – في كثير من الأحيان – على حساب اللغة العربية، لا إلى جانبها. فالطفل في هذه المرحلة العمرية يكون في أمسّ الحاجة إلى ترسيخ لغته الأم بوصفها لغة التفكير والتعبير وبناء المفاهيم، في حين يمكن للغة الإنجليزية أن تُدرَّس في مراحل لاحقة من التعليم دون أن يُلحق ذلك ضررًا بمستوى إتقانها. أما تقديم لغة أجنبية على حساب اللغة الوطنية في المرحلة الابتدائية، فيؤدي عمليًا إلى إضعاف العربية في وقت كان الأجدر فيه تمكينها وترسيخها.

وتتضاعف خطورة هذا الواقع حين نسمع ما يذكره بعض المتخصصين في التربية واللغة من أن الطفل العربي يتخرج من المدرسة وفي رصيده اللغوي نحو 1500 كلمة فقط، في حين يتخرج الطفل في البيئات الغربية وهو يمتلك ما يقارب 15000 كلمة. فكيف يُنتظر من طفل بهذا الرصيد المحدود أن يكتب موضوعًا متماسكًا، أو أن يعبّر عن فكره، أو أن يمتلك أدوات التفكير والتحليل؟

هذا التراجع يعيد إلى الذاكرة ممارسات تربوية جادة كانت سائدة في ستينيات القرن الماضي، حين كانت إدارات التربية والتعليم تنظّم مسابقات مدرسية في كتابة الإنشاء لطلبة الصف السادس الابتدائي، في تدريب عملي على التعبير وبناء اللغة. والسؤال المؤلم: أين نحن اليوم من تلك المرحلة، وأين ذهبت تلك الروح التعليمية؟

وفي السياق ذاته، تُستحضر تجربة تربوية لافتة أُجريت – فيما أذكر – في الكويت خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث أُنشئت مدرسة ابتدائية نموذجية يلتزم فيها جميع المعلمين، في مختلف المواد، باستخدام اللغة العربية الفصحى مع التلاميذ منذ الصف الأول. وبعد سنتين أو ثلاث، وعند وصول التلاميذ إلى الصف الثالث الابتدائي، أصبحوا يصححون لمعلميهم أخطاءهم النحوية؛ لأن اللغة قد تشربوها بالسليقة. ولا يُعرف على وجه الدقة إن كانت تلك التجربة قد استمرت، لكنها تبقى شاهدًا عمليًا على ما تصنعه البيئة اللغوية الصحيحة.

إن إصلاح هذا الخلل يكون بإعادة ترتيب الأولويات من الصفوف الأولى، عبر التركيز المكثف على اللغة العربية بوصفها لغة التفكير والتعبير، إلى جانب العناية بحفظ القرآن الكريم لما له من أثر عميق في تقويم اللسان وتوسيع الثروة اللغوية، مستفيدين من القدرات العالية على الحفظ والاكتساب في السنوات المبكرة للتلميذ.

وهنا يبرز الدور الحاسم للجهات المختصة بمنح التراخيص والإشراف على دور الحضانة ورياض الأطفال، بضرورة اشتراط حدٍّ أدنى من الكفاءة في اللغة العربية لدى الكوادر التعليمية، لا باعتباره ترفًا ثقافيًا، بل حقًا لغويًا للطفل، ومسؤولية وطنية في صون الهوية، وترجمةً عملية لما تؤكده الدولة من اهتمام أصيل باللغة العربية بوصفها ركيزة ثقافية وحضارية لا غنى عنها.

اقرأ المزيد

alsharq الحوافز.. الطريق الأقصر لصناعة أداء قوي

تعد الحوافز إحدى الأدوات الحاسمة في تشكيل ثقافة العمل داخل المؤسسات، فهي ليست مكافآت تُمنح عند نهاية العام،... اقرأ المزيد

126

| 22 يناير 2026

alsharq خيرُ الناس أنفعُهم للناس.. الإيمان بالقدرات بوصفه ركيزة للدعم المجتمعي

يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس... اقرأ المزيد

114

| 22 يناير 2026

alsharq الرواية والعدل والأشرار

«- هل تصدق أن جابرييل جارثيا ماركيز بكى حين مات الديكتاتور في روايته «خريف البطريرك»؟ - أصدق طبعا.... اقرأ المزيد

174

| 22 يناير 2026

مساحة إعلانية