رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحيح أننا خسرنا معركتنا في مواجهة الإدارة الأمريكية، إلا أنه بوسعنا أن نحول الهزيمة إلى فرصة ونقطة لصالحنا، إذا تحلينا ببعض الرصانة وتحرينا أسبابها، ولم نقف عند نتائجها وأحداثها.
ــ1ــ
أتحدث عن قصة الأمريكيين الذين أمرت المحكمة بمنعهم من السفر في قضية تمويل المنظمات الأهلية، ولكن الضغوط الأمريكية «أمرت» بإلغاء القرار وتسفيرهم. وكان لها ما أرادت.إذ حملتهم طائرة عسكرية أمريكية إلى بلادهم مساء يوم الأربعاء الماضي 29/2. وهي الخطوة التي أحدثت صدمة في أوساط النخبة المصرية، فانهال الجميع على المجلس العسكري والحكومة توبيخا وتقريعا، وتنافس المتحدثون في الدفاع عن كرامة مصر وسيادتها وعن القضاء الذي ضرب بقراراته عرض الحائط. وتحول الأمر إلى فضيحة سياسية أسكتت المتحدثين باسم المجلس العسكري، وأعجزت رئيس الحكومة عن التعليق على ما جرى، حتى رفض الإجابة على الأسئلة التي وجهت إليه بخصوص الموضوع، كما نشرت صحف السبت الماضي (3/3).
ليس لدي اعتراض على التوبيخ والتقريع الذي وجه إلى القائمين على الأمر الذين سمحوا بكل ذلك. فنحن حقا بصدد فضيحة ولطمة للسياسة المصرية كشفت عن عورتين أساسيتين هما: سوء التقدير في إدارة الأزمة وضعف المناعة المصرية في مواجهة الضغوط الأمريكية. ذلك أن الذين فتحوا ملف المنظمات الأهلية الذي يشوبه قدر غير قليل من عدم البراءة. لم يتحسبوا لاحتمال الاشتباك مع الإدارة الأمريكية. وربما لم يدركوا أن الرئيس الأمريكي الذي يخوض معركة تجديد رئاسته أحوج ما يكون لتأييد الرأي العام قبل إجراء الانتخابات في شهر نوفمبر القادم، ولم ينتبهوا إلى أن منع 16 أمريكيا من السفر وعرض أمرهم على القضاء المصري يمكن أن يهيج الدوائر الأميركية ضد الرئيس أوباما، كما يمكن أن يصبح حجة بيد أعوان إسرائيل في مجلس الشيوخ المتربصين بمصر وثورتها لكي يطالبوا بوقف المعونة السنوية التي تقدم إلى مصر (حوالي 1.5 مليار دولار).
هذه التداعيات لم تحسب جيدا، الأمر الذي أثار الغضب في واشنطون. وقد تناقلت وكالات الأنباء أصداءه، حتى وجدنا وزيرة الخارجية السيدة هيلاري كلينتون تتحدث عن مصر بذات اللغة التي استخدمها في القرن الماضي اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني.
المحزن في الأمر، أن السلطة القائمة في مصر لم تستطع أن تصمد أمام الضغوط الأمريكية، واضطرت إلى الاستجابة لها والانحناء أمام العاصفة على النحو الذي رأيناه متمثلا في إلغاء السلطة لقرار محكمة الجنايات بمنع الأمريكيين من السفر ثم تسفيرهم فعلا، وهو ما أطلق في الفضاء المصري ما شهدناه من حملة هجاء السياسة الأمريكية والتنديد بالمجلس العسكري. ورغم أن كل طرف نال ما يستحقه، إلا أنني أزعم أننا حين استسلمنا للانفعال، فإن الضجيج فوَّت علينا فرصة التفكير والتدبير، فتعالت أصوات حناجرنا وتوارى دور عقولنا ومداركنا.
ــ2ــ
الجميع، بمن فيهم الذين وجدوها فرصة للمزايدة والغيرة على السيادة الوطنية، سألوا كيف حدث ذلك؟ ــ لكنني لم أجد أحدا يسأل: لماذا حدث؟ ذلك أنه في الظروف العادية، وفي أي دولة محترمة، فإن القضاء حين يقرر أمرا كذلك الذي صدر بمنع الأمريكيين المتهمين من السفر، فإن واشنطون لا تستطيع وليس لها أن تطلب إلغاء القرار وتسفيرهم. وإذا تجرأت على ذلك، فإن الرد الطبيعي يكون بالاعتذار عن الاستجابة للطلب. ودعوة الإدارة الأمريكية إلى احترام قوانين وسيادة البلد، لكن ذلك لم يحدث في مصر، الأمر الذي يستدعي بقوة السؤال: لماذا؟
ردي السريع أن مصر التي قزَّمها النظام السابق وبدد عناصر قوتها وقلص دورها في العالم العربي ناهيك عن الساحة الدولية ــ لم تعد قادرة على أن تقول لا لواشنطن، وهذا اعتراف مفجع يتعين الإقرار به. وإذا ما قررت يوما أن تتحدى وقالت لا. فينبغي أن تكون مستعدة لدفع ثمن ذلك الموقف. والعسكريون بوجه أخص هم أكثر الناس إدراكا لهذه الحقيقة ووعيا بتداعياتها. وهذه مسألة تحتاج إلى بعض الشرح.
قبل الشرح أنوه إلى أنه ليس لديّ أي دفاع عن مسلك السلطة القائمة في مصر، وأعتبر أن التراجع الذي حدث يشكل وصمة في جبين البلد يجب الخلاص منها. ولكني أزعم أن الاعتراف بالحقيقة التي أشرت إليها مهم لسبر أغوار المشكلة وتتبع جذورها وفهم ملابساتها. وشأن أي مرض فإن الاعتراف بوجوده والتعرف على طبيعته أولى مراحل العلاج والتعافي.
لماذا أقول إن العسكريين هم أدرى الناس بما أشرت إليه واعترفت به؟ ببساطة لأن 1.3 مليار دولار من المعونة الأمريكية التي جرى التلويح بإيقافها يعتمد عليها في تسليح الجيش المصري. والاعتماد على التسليح الأمريكي لا يعني فقط تزويد مصر بصفقات السلاح التي تشمل رشاشات وصواريخ ومدرعات وطائرات وغير ذلك. لكنه يعني أيضا إحداث انقلاب في الخطط العسكرية والهياكل التنظيمية والتدريب والعقيدة القتالية والتكتيكات الخاصة والعامة وعناوين أخرى كثيرة تتطلب سنوات عدة لتبديلها من منظومة إلى منظومة أخرى مغايرة. وهو أمر ليس مستحيلا، لكنه يحتاج إلى وقت ليس قصيرا. وقد حثني خبير عسكري مخضرم عن أن مصر حين عقدت صفقة الأسلحة التشيكية في عام 1955، وتحولت إلى السلاح الروسي، فإنها حتى هزيمة 1967 لم تكن قد استوعبت السلاح الجديد.ولم يتحقق ذلك إلا في عام 73. بعد بذل جهد مكثف استمر طوال السنوات الست السابقة. وللعلم فإن التحول من السلاح الأمريكي إلى غيره، خصوصا إذا تم في ظل صدام أو تعارض للمصالح لا يحتاج إلى وقت فحسب، ولكنه يتطلب إرادة سياسية مستقلة تضع في الحسبان ردود الأفعال الإسرائيلية. والصمود في مواجهة من ذلك القبيل يستلزم توفر قدر كبير من العافية السياسية والاقتصادية، يمكن صاحب القرار من أن يقول للأمريكيين لا وهو مطمئن إلى أنه يقف على أرض صلبة في الداخل.
هذه الخلفية تدعونا إلى طرح السؤال التالي: هل يستطيع المجلس العسكري في ظروف مصر الراهنة أن يقول لا للأمريكيين، وهل هو مستعد لدفع «فاتورة» مثل هذه الممانعة المسكونة بالتمرد والتحدي؟
لن أجيب من عندي، ولكن واقعة استجابة المجلس العسكري السريعة للضغط الأمريكي تقول لنا بما لا يدع مجالا للشك إن المجلس لم يستطع أن يقول لا، ووجد نفسه مدفوعا إلى تجاوز بعض الخطوط الحمراء المتعلقة باحترام قرار القضاء واستحقاقات السيادة الوطنية. وهذا اعتراف مُر، يتعين الإشارة إليه لاستخلاص العبرة مما جرى.
ــ3ــ
أحفظ عبارات حماسية كثيرة تناسب المقام وهتافات مجلجلة تهز الفضاء وأبياتا من الشعر تستنفر الحجر يمكن أن تطلق لإلهاب المشاعر وتعزيز روح التحدي في مواجهة كل المستكبرين، لكنني أعرف أن النِّزال في السياسة له شروط، أولها وضوح الهدف، وثانيها توفر الإرادة، وثالثها الأخذ بأسباب القوة التي يستلزمها تحقيق ذلك الهدف. بكلام آخر فإن الرغبة لا تكفي بحد ذاتها، ولكنها إذا لم تقترن بالقدرة فإنها تظل حلما يحلق في الآفاق ويداعب الخيال، في حين يتعذر تنزيله على الأرض.
مرة أخرى: لست في مقام الدفاع عن المجلس العسكري، الذي تورط في عدة أخطاء طوال السنة الماضية أشرت إليها في حينها، كما أخذت عليه سوء إدارته لأزمة المنظمات الأهلية. لكنني أزعم أن خياراته كانت محدودة للغاية في تعامله مع الضغط الأمريكي، الأمر الذي أدى إلى هزيمتنا في تلك الموقعة. وأزعم أن استثمار تلك الهزيمة في سحب الثقة من الحكومة الراهنة لا يخلو من تسرع وسوء تقدير. بل أذهب في ذلك إلى أن أية حكومة أخرى إخوانية أو ائتلافية إذا واجهت ذات الموقف فإنها لن تفعل أكثر مما فعله المجلس العسكري، حتى إذا اختلفت طريقة الإخراج. أعني أنها ستكون مخيرة بين الاستجابة للضغوط أو تحديها والدخول في مواجهة معقدة وغير مأمونة العاقبة ضد الإدارة الأمريكية.
أدري أن الضرورة إلى الاستجابة للضغوط الأمريكية أشبه بتجرع السم، لذلك لا أجد مناصا من الإلحاح على إعداد العدة لتثبيت الصمود وتعزيز الممانعة تحسبا لما هو قادم، لأن الإصرار على الاستقلال الوطني يستصحب مواجهة حتمية يوما ما، سياسية أو غير سياسية مع كل الضغوط الخارجية، ولئن كانت الاستجابة التي حدثت بمثابة خسارة جولة، فإن الإعداد وتقوية العود لاستعادة العافية تعد ضمانا للفوز في المواجهة في نهاية المطاف.
ــ4ــ
إذا أيقظتنا الصدمة ونبهتنا إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في أن جهة القرار انحازت إلى جانب الموقف الغلط، ولكن الأخطر من ذلك أنها لم يكن بمقدورها أن تتبنى القرار الصحيح، فستكون تلك نقطة إيجابية لا ريب. وإذا ما حدث ذلك فإننا نكون قد حولنا الأزمة إلى فرصة، تفتح أعيننا على أن مصر يجب أن تعطي الأولوية لتحقيق استقلال إرادتها، وأنها لن تستطيع أن تحقق ذلك إلا إذا استعادت عافيتها السياسية والاقتصادية عند الحد الأدنى.
صحيح أننا لا نعرف شيئا عن الالتزامات والتعهدات التي قدمها النظام السابق للدول المهتمة بالشأن المصري، بالتالي فإننا لا نعرف شيئا عن القيود التي يمكن أن تحد من حرية حركة النظام المصري. إلا أننا نعرف أيضا أن الإجماع الوطني إذا تحقق وأن الإرادة السياسية إذا توفرت، فما من قوة على الأرض تستطيع أن تقهرها.
إن جهدنا في الوقت الراهن ينبغي أن ينصب على إعادة ترتيب الأولويات، بما يحقق أوسع نطاق ممكن من الإجماع والاحتشاد للقوى الوطنية، من أجل أن تسترد مصر عافيتها السياسية والاقتصادية. لكي تمارس الاستقلال الحقيقي الذي يمكنها من أن تقول لا لكل من يريد أن يلوي ذراعها ويخضعها لسياسته.
إن إدانة الذين ارتكبوا الخطأ مهمة سياسيا وأخلاقيا، لكن الأهم من ذلك هو تحصين الإرادة المصرية بمقومات العافية التي تحول دون تكرار الخطأ مرة أخرى وهي الخطوة المطلوبة استراتيجيا وتاريخيا. ولا أعرف متى تفيق القوى السياسية إلى هذه الحقيقة، متخلية في ذلك عن حساباتها الخاصة وطموحاتها المتعجلة. أما مسألة استعادة العافية فهي تحتاج إلى بعض التفصيل الذي أرجئوه إلى حديث آخر.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1015
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3006
| 24 سبتمبر 2026