رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتظرنا طويلا أن يقوم ضباط الشرطة بدورهم في إعادة الأمن والانضباط إلى الشارع المصري لكننا فوجئنا بأن بعضهم مشغولون بإطلاق لحاهم. كأننا صُمنا ثم أفطرنا على بصلة. كما يقول المثل الشائع. وفي حين ظللنا مهجوسين بأمن البلد وإعمار مصر، فإن أصحابنا هؤلاء كانوا مهمومين بزيادة حظوظهم من الحسنات وتبييض صفحتهم في الآخرة، وغير مقتنعين فيما يبدو بأن إشاعة الأمن في البلد يحقق لهم ما يريدون وأكثر. لأنهم بما دعوا إليه ربما نفعوا أنفسهم ولكنهم بأدائهم لواجبهم يقدمون خدمة جليلة لمجتمعهم. وفي الحديث النبوي أن خير الناس أنفعهم للناس.
ليس معروفا على وجه الدقة عدد الراغبين في إطلاق لحاهم من ضباط الشرطة والأمناء. لكن الثابت أن قضيتهم أصبحت حاضرة بصورة شبه يومية في الإعلام المصري، سواء باعتباره مادة للإثارة، أو لإشاعة الاستياء والبلبلة. وأخشى أن يستمر النفخ في المسألة بما يجعلها تحتل مكانها ضمن ملفات المرحلة وأولوياتها، الأمر الذي يجعلنا بإزاء مشهد يختلط فيه العبث بالكوميديا والدراما في الوقت نفسه.
لست أخفي أنه لم يخطر ببالي يوما ما أن أشترك في مناقشة موضوع لحى ضباط الشرطة، الذي لم آخذه في البداية على محمل الجد. إذ لم أتوقع أن تصبح المسألة محلا للمناقشة أصلا. لكن يبدو أن الأجواء الراهنة خلطت الأوراق وأعادت ترتيب الأولويات، في قطاعات كثيرة، بما في ذلك قطاع الشرطة (قرأت أن الموضوع أثير في اجتماع المشير طنطاوي مع ضباط القوات المسلحة). وقد سئلت في الموضوع ذات مرة فقلت إن فتح الملف في طور تأسيس النظام الديمقراطي الجديد يعد نوعا من العبث. وأن الاشتراك في مناقشته من قبيل الاستدراج للإسهام في العبث. لكني لاحظت أن الموضوع كبر في رأس البعض، ربما بسبب الإلحاح الإعلامي المشهود. وهو ما دفعني إلى تغيير رأيي في الدعوة إلى تجاهله، ومن ثم اعتبرت إثم الحديث فيه أخف وطأة من إثم استدعاء الملف وإشاعة البلبلة في مصر بسببه. وعند الاختيار بين الإثمين أو المفسدتين جاز لي أن أقبل مؤقتا بالمفسدة الصغرى لتجنب وقوع المفسدة الأكبر، إعمالا للقاعدة التي قررها الأصوليون في فقه الموازنات.
ما عندي في الموضوع لا يتجاوز كلمتين، واحدة في التأصيل الشرعي للمسألة، والثانية في تنزيلها على حالة رجال الشرطة في مصر. في الأولى سألت الدكتور علي جمعة مفتي مصر، فعلمت منه أنه أصدر فتوى في الموضوع، ردا على رسالة تلقاها في شهر فبراير الماضي من مساعد وزير الداخلية اللواء محمد نجيب حسن، وجاء في نص الفتوى «إن الفقهاء اختلفوا في حكم إطلاق اللحية قديما وحديثا. فذهب فريق إلى أنها من سنن العادات وليس من الأمور العبادية، وأن الأمر الوارد بإطلاقها «في الأحاديث النبوية» هو أمر إرشاد لا أمر وجوب أو استحباب». وهو ما ذهب إليه بعض العلماء المتأخرين، وفي المقدمة منهم الشيخ محمد شلتوت، الإمام الأكبر، والشيخ محمد أبو زهرة، وآخرون من علماء الأزهر.
فهمت من الفتوى أن أغلب القائلين بهذا الرأي من الأحناف، أما القائلون بأن إطلاق اللحية سنة مستحبة فأغلبهم من المالكية والشافعية، أما الحنابلة فقد حرموا حلق اللحية وأفتوا بوجوب إطلاقها.
أشارت الفتوى إلى أن عادة العسكر من شرطة وجيش جرت منذ مئات السنين على حلق لحاهم. فلم تتحول المسألة إلى قضية تثير ضجة حول مدى الطاعة والخروج عن التعليمات. وكانت لاختلاف العلماء فيها مندرجة دائما تحت قاعدة «لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المتفق عليه»، كما ذكر الإمام السيوطي.
خلاصة رأي دار الإفتاء كانت كما يلي: من ارتضى أن يدخل إلى كليات الشرطة يكون قد اختار ما اختارته إدارة الشرطة في هذا الأمر. لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا. واختيار ما اختارته إدارة الشرطة في هذا الأمر جائز.
هذا الرأي سمعته أيضا من الدكتور حسن الشافعي كبير مستشاري شيخ الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية، والشيخ جمال قطب مسؤول الإفتاء السابق بالأزهر. وعند الاثنين فالوجوب لا محل له، وأن الاستحباب وثيق الصلة بالعرف، الذي يختلف من بلد إلى آخر. وقد جرى العمل في دول الخليج على السماح للعسكريين بإطلاق لحاهم، إلا أن العكس هو الذي استقر في مصر، (الدكتور الشافعي قال إن المسألة يمكن أن تفتح بابا للفتنة في البلد جراء تعامل الضباط الملتحين مع الأقباط).
في تنزيل الأمر على الواقع المصري الراهن فإنني أزعم أن استعادة الأمن في مصر هو واجب الوقت والفريضة التي يتعين الوفاء بها، وكل ما عدا ذلك من مهام الشرطة أو التزاماتهم نوافل تالية في الأهمية والترتيب، والإثم الحقيقي هو أن تقدم النافلة على الفريضة، الذي هو في هذه الحالة خطأ في حق الدنيا والدين في ذات الوقت.
يتداول الأزهريون فيما بينهم قصة الشيخ الكفيف الذي مد يده ليربت على رأس أحد تلاميذه فما كان من الأخير إلا أن قال له إن تلك لحيته وليست رأسه. فنهره الشيخ قائلا بدلا من أن تربي لحيتك، ليتك فعلت شيئا مفيدا فربيت بعض الدجاج لتنفق من عائدها على نفسك بدلا من أن تترك أباك يكد ويكدح لكي ينفق على تربيتك!
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3156
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1107
| 28 سبتمبر 2026