رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

534

د. جاسم الجزاع

كيف تُصنع الوساطة؟ قطر أنموذجًا

06 أغسطس 2025 , 12:01ص

المتأمل في عالم السياسة وخصوصاً اختلاف تأثير الدول في صناعة القرار أو التأثير في صناعته، يجد أنه لا يُقاس التأثير بحجم الدولة الجغرافي أو عدد سكانها، بل بقدرتها على إدارة التحالفات المعقّدة والمتناقضة وبناء جسور الوساطة بين الأطراف «صناعة الحكيم»، والتعامل الذكي مع حدة وتنازع الأطراف المتناقضة وخلق دور «وسيط حيوي مؤثر» وسط القوى المتناحرة الدولية، فالدول التي تُجيد فن «إدارة دفة العلاقات الدولية» تستطيع أن تحجز لنفسها مكانًا مركزيًا في المشهد، حتى إن كانت صغيرة المساحة من حيث الجغرافيا أو حديثة التجربة في الميدان العالمي السياسي، وتجربة قطر المعاصرة تُقدَّم اليوم كنموذج إداري نادر لدولة صغيرة في جغرافيتها لكن مع حضور إقليمي متجاوز لحجمها الجغرافي الظاهري صنعت منها «وسيطاً حيوياً».

وعندما ننظر إلى ما قاله علماء السياسة ومتداخلا مع نظرة علماء الإدارة العامة والعلاقات العامة، نجد أن أولى ركائز هذا النموذج القطري في صناعة الوساطة هي «القيادة الادهوقراطية» وبناء القرار السريع، حيث تبنّت الدولة عقلياً ما يُشبه «الهيكل المسطح» في علم الإدارة، أي تقليل التدرج البيروقراطي، مما يسمح بسرعة اتخاذ القرار في القضايا الحساسة دون عرقلة المستويات الإدارية، فوجود فريق تفاوضي مرن ورشيق الحركة، يُمكّن قطر من التحرك السريع في لحظات حرجة، بعكس دول كبيرة تعاني من تعقيد هياكلها السياسية وترهل نظامها الإداري مما يسهل أحيانا إيجاد صراعات داخلية أو تدخل لقوى خارجية تفسد العلاقات في المنظومة الداخلية فيفسد القرار المستخرج.

وأما الركيزة الثانية هي ما يُعرف بـ «الذكاء الشبكي العلاقاتي»، أي القدرة على بناء علاقات متعددة الاتجاهات دون الوقوع في التناقض أو العداء مع طرف من الأطراف، فنجد قطر تُجالس الولايات المتحدة وإيران، وتدير اتصالات مع الكيان ولا تقطع حبل الوصل مع حماس، وتحتضن طالبان دون أن تخاصم الغرب، وكل ذلك ينبع من قدرة دقيقة على إدارة المخاطر العلاقاتية السياسية، وبناء الثقة الإقليمية بحرفية.

وأما الركيزة الثالثة، فهي التموضع الاستراتيجي القائم على فكرة «التأثير من دون امتلاك»، بمعنى أن قطر لا تحاول السيطرة على خصوصيات الأطراف المتنازعة، بل تعرض نفسها كوسيط موثوق يساعد في حلحلة المعضلات السياسية، فهي لا تفرض رأيًا وتجبرهم عليه، بل تُدير المشهد بهدوء، مثل شركات القطاع الخاص التي لا تملك السوق بالضرورة لكنها تؤثر في مساراته وتوجهاته وقراراته. 

كما أحسنت قطر استثمار ثروتها في بناء «السمعة المؤسسية» عن طريق بناء نموذج وسيط يقوم على الثقة، والحياد، وسرعة الاستجابة، فهذه السمعة أصبحت مفتاحًا لدخولها كوسيط في أزمات في الجغرافية العالمية ككل. 

وأخيرًا، نقول لمن أراد أن يبني لدولته مركزًا مؤثرًا في صناعة القرار العالمي، فليتأمل جيدا أن التأثير لا يُشترط له اتساع الجغرافيا، بل وضوح الرؤية وذكاء الإدارة.

فهناك أربعة عناصر أساسية لا غنى عنها لأي مؤسسة أو دولة، هيكل إداري ذكي ورشيق لا يعوق من يملك سرعة القرار ومحمي من تدخلات الخارج، وإدارة فعالة للتنوّع في العلاقات وإيجاد طرق للتأثير عليها، وبناء السمعة الراسخة فهي رأس مال لا يقدَّر بثمن، والاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي الهادئ الذي هو البوصلة وسط صخب العالم بصراعاته ولا يكون ذلك إلا بتعيينات قائمة على الكفاءات لا الولاءات، فهذه وصفة عملية أثبتت نجاحها، وتستحق أن تُدرّس لكل من يسعى لحضور فاعل وسط الكبار، بعقل كبير.

مساحة إعلانية