رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يتفق الدبلوماسيون والسياسيون المختلفون في كل شيء بشأن القضية السورية، إلا حول محورية دور الأسد سابقا وحاليا ولاحقا. وفي ذلك تستأسد طهران وميلشياتها في إظهار أن الأسد هو خط أحمر بالنسبة لها، فيما الموقف العربي الداعم للثورة السورية، يقول إن الخط الأحمر هو بقاء الأسد، وأنه لا بديل عن رحيله. وبين الموقفين يلعب الأمريكان والأوروبيون وأخيرا الروس، لعبة المراوحة بين إقصاء الأسد أو بقائه المشروط وقتا ودورا في المرحلة الانتقالية.
وإذ لا ينكر أحد أن الفرد الحاكم في الدول الديكتاتورية، يلعب دورا محوريا في النظام السياسي، وأنه هو بذاته يمثل أداة تماسك واستمرار مثل هذا النمط من الحكم، فالخشية أن تكون بعض الأطراف الدولية والإقليمية تلعب لعبة التضخيم من دور الأسد، بغرض الالتفاف على أهداف الثورة السورية عبر اختصارها في خلع الحاكم، لتقع الثورة السورية بعد شلال الدماء والتضحيات التي قدمها الشعب السوري في ذات "المطب" الذي وقعت فيه ثورات الربيع الأخرى، باعتبار أن الأمر سينتهي إلى استبدال الأسد، بأحد مثله – وربما أسوأ- مع الإبقاء على كل المؤسسات والأجهزة التي كان يحكم من خلالها الأسد فيقمع شعبه وينكل به. تلك المؤسسات بحكم مصالحها –كمؤسسات وأفراد-وما تمرست عليه وطبيعة عداواتها المترسخة مع الشعب السوري، لاشك أنها ستعيد إنتاج نفس النظام، بل الأغلب أنها ستنتج الأسوأ، بحكم قيامها بعملية إعادة إنتاج النظام في بلد تحول إلى غابة من السلاح والمصالح الإقليمية والدولية المتضاربة.
تلك الخشية وهذا القلق لم يعد يطرقان رأس المتابع، بحكم مراجعته لمجريات ثورات الربيع الأخرى فقط، بل هي ماثلة ومتجسدة وتطل برأسها، فيما ورد في بيان فيينا.
لقد جرى الإعلان عن عدم الوصول إلى توافق أو اتفاق حول الدور المستقبلي للأسد، فيما البيان يتحدث دون لبس عن نظام حكم ليس إلا نسخة منقحة من نظام الأسد. لقد جرى النص بوضوح وصراحة وصرامة على علمانية سوريا القادمة، في البند الأول من البيان، الذي قرن وحدة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها بهويتها العلمانية. كما نص البيان على أن سوريا (والحقيقة أنه لم يكن باقيا سوى النص صراحة على سوريا الأسد) والشعب السوري، هي التي تملك وتقود هذه العملية السياسية.
ومن مراجعة النص يمكن القول إن إضافة جملة الشعب السوري لم تأت لتأكيد حق الشعب بقدر ما جرى لتأكيد أن المقصود بسوريا هو سوريا الأسد. كما جرى النص صراحة على بقاء مؤسسات الدولة دون أية إشارة لا إلى إعادة هيكلتها ولا حتى لتغيير سياساتها ومناهج عملها.. إلخ.
القلق إذن من إعادة إنتاج نظام الأسد ليس توقعا دون دلائل، بل هو ينطق من بيان فيينا، وهو ما يدعو لمراجعة فكرة وحالة التضخيم من دور الأسد، إذ أهداف الثورة أبعد من إطاحة الأسد.
وإذا كان من الطبيعي أن تطالب المعارضة والشعب السوري بإنهاء حكم الأسد ومحاكمته على ما ارتكبه من جرائم إبادة جماعية وطائفية أو جرائم ضد الإنسانية.. إلخ، فإن الحديث المتصاعد عن بقاء مؤسسات الدولة (دولة الأسد)، لا الأسد وحده (في المرحلة الانتقالية غير المحددة) بات مثيرا للقلق بشأن مستقبل الثورة السورية، خاصة مع النص صراحة على هوية سوريا العلمانية التي يمثل التأكيد عليها في البيان الختامي لاجتماع فيينا عليها، أمرا مخيفا وفتحا لبوابة جهنم في داخل سوريا حاليا ومستقبلا. والأمر يتعدى فرض الهوية على الشعب السوري، بل هو يعني إسباغ المشروعية على دخول قوى دولية وإقليمية في أعمال قتالية من الآن وحتى إقرار التسوية ضد حركات سياسية إسلامية، ترى في فرض العلمانية نمطا من أنماط الفكر المرفوض بالنسبة لها، وهو ما يؤكد مجددا استهداف الثورة السورية وإجهاضها ومنعها من تحقيق أهدافها في الحرية.
التضخيم من مشكلة الأسد، يبدو أمرا مقصودا لدى البعض، ومجرد ستار يجري من خلفه إجهاض الثورة السورية، باستنساخ طريقة إجهاض ثورات الربيع الأخرى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
8856
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2163
| 04 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1125
| 10 فبراير 2026