رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
falotoum@hotmail.com
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

180

فاطمة العتوم

التدريب الحكومي.. هل يقود فعلياً إلى تحقيق رؤية 2030؟

11 فبراير 2026 , 03:12ص

في ظل التوسع المستمر في البرامج التدريبية الحكومية، يبرز تساؤل مشروع: هل يقود التدريب الحكومي فعليًا إلى تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030؟ أم أنه ما زال في كثير من الأحيان نشاطًا تطويريًا محدود الأثر؟ هذا التساؤل لا ينتقص من أهمية التدريب، بقدر ما يعكس الحاجة إلى إعادة النظر في دوره بوصفه أداة تنفيذ إستراتيجية، لا مجرد وسيلة لبناء المهارات العامة.

ومن خلال خبرتي العملية في تقديم عدد من الدورات والبرامج التدريبية في أحد المعاهد الوطنية المعنية بتأهيل الكوادر الحكومية، وما أتاحه ذلك من تفاعل مباشر مع قيادات ومسؤولين من مختلف الجهات، تبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد البرامج التدريبية أو تنوعها، وإنما في مدى ارتباطها بالأولويات الوطنية وقدرتها على دعم تحقيق مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 بصورة منهجية وقابلة للقياس.

لقد أظهرت الممارسة أن بعض البرامج التدريبية، رغم جودتها العلمية، تُنفّذ أحيانًا بمعزل عن الإطار الإستراتيجي الأشمل للدولة، فتتحول إلى نشاط تدريبي محدود الأثر. في المقابل، عندما يُنظر إلى التدريب بوصفه جزءًا أصيلًا من منظومة تحقيق الرؤية، وضمن نهج مؤسسي تقوده جهات متخصصة في بناء القدرات الحكومية، فإنه يصبح رافعة حقيقية لتحسين جودة القرار، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز التكامل بين الجهات.

إن ربط التدريب بمحاور رؤية قطر الوطنية 2030 لا ينبغي أن يكون ربطًا شكليًا أو لفظيًا، بل ربطًا منهجيًا يقوم على فهم عميق لمكوناتها الأربعة: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. فالتدريب في هذا السياق لا يهدف فقط إلى نقل المعرفة، بل إلى بناء قدرات قيادية وتنفيذية قادرة على ترجمة الأهداف الإستراتيجية إلى سياسات وبرامج ومبادرات قابلة للتنفيذ والقياس.

وفي محور التنمية البشرية، تبرز الحاجة إلى برامج تدريبية تُعنى بإعداد القيادات الوطنية، وتعزيز التفكير الإستراتيجي، وصناعة القرار المبني على الأدلة، وإدارة التغيير في بيئات عمل تتسم بالتعقيد وعدم اليقين. فالموارد البشرية تمثل الأساس الذي تقوم عليه الرؤية، وأي قصور في تأهيلها أو تمكينها ينعكس مباشرة على قدرة المؤسسات على تحقيق مستهدفاتها.

أما على مستوى التنمية الاجتماعية، فإن التدريب يؤدي دورًا محوريًا في دعم التماسك المجتمعي وجودة الحياة. وباعتبارنا دولة مسلمة تستند في قيمها وتشريعاتها إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، فإن إدماج البعد الديني والقيمي في البرامج التدريبية يُعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق تنمية اجتماعية متوازنة. فالقيم الإسلامية، بما تحمله من مبادئ العدالة والتكافل والمسؤولية وحفظ الكرامة الإنسانية، تشكّل ركيزة لبناء مجتمع مستقر، وينبغي أن تنعكس ضمن السياسات والبرامج، لا سيما في قطاعات التعليم والصحة والأسرة.

وفيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، تفرض التحولات الإقليمية والدولية ضرورة تطوير برامج تدريبية تدعم اقتصاد المعرفة والابتكار والاستدامة، وتعزز قدرات الكوادر الوطنية في التخطيط الاقتصادي وإدارة المشاريع الكبرى وتنمية مهارات المستقبل. كما لا يقل البعد البيئي أهمية، إذ يتطلب تحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة كوادر قادرة على دمج الاستدامة والصحة البيئية في مختلف السياسات والقرارات.

وفي الختام، فإن ربط التدريب الحكومي برؤية قطر الوطنية 2030 لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات المرحلة القادمة. فالتحديات المتسارعة وارتفاع سقف التوقعات من الأداء الحكومي يحتمان أن يكون التدريب موجّهًا، ومخططًا، ومقاس الأثر، ليؤدي دوره الحقيقي في تمكين المسؤولين وتحويل الرؤية من إطار إستراتيجي طموح إلى واقع ملموس يخدم الدولة والمجتمع.

مساحة إعلانية