رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عصر تزايدت فيه التحديات العلمية والتقنية، ومع تزايد الحاجة إلى تعزيز الابتكار وتنمية المعرفة، تتبنى قطر دورًا رياديًا في دعم البحث العلمي وربط العلماء العرب من جميع أنحاء العالم. بفضل رؤية قطر الاستراتيجية ورعايتها للعلماء والمبتكرين، أطلقت قطر مبادرات عديدة تدعم التعاون العلمي وتوفر البيئة المثالية لتطوير الأفكار المبدعة، واحتلت مركزًا متقدمًا كوجهة علمية رائدة في المنطقة.
وفي هذا الصدد، انطلق منذ عدة أيام اللقاء السنوي لرابطة العلماء العرب والذي عقد بجامعة حمد بن خليفة. وقد كان لي شرف الحضور والمشاركة به. حيث جمع اللقاء نخبة من العلماء والمبتكرين والباحثين من مختلف في أنحاء العالم في قطاعات مختلفة تعمل على استثمار التكنولوجيا في استنباط الأساليب الجديدة لجعل المنطقة العربية أكثر قدرة على التغلب على تحديات القرن الحادي والعشرين. وركزت الفعاليات على مجالات ذات أهمية محلية وإقليمية وعالمية مثل الرعاية الصحية الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتغير المناخي والصحة البيئية. وقد وفرت الفعاليات فرصة لتبادل الرؤى والأفكار المتعددة بين العلماء وصناع السياسات. وكانت المواضيع التالية من ضمن التحديات العالمية التي تم مناقشتها وبحثها خلال أيام اللقاء.
*في عصر يتزايد فيه الاهتمام بالتكنولوجيا وحلول الذكاء الاصطناعي، يصبح البحث العلمي ركيزة أساسية للتقدم. يُعتبر تعزيز البحث العلمي وتطويره محركًا رئيسيًا للتقدم في المجتمعات، خاصة في ظل التحديات البيئية والصحية والتقنية المتصاعدة. يسعى تجمع العلماء العرب في قطر إلى تفعيل التعاون العلمي بين الباحثين العرب، مما يوفر منصة مثالية لتبادل الأفكار والخبرات ونتائج الأبحاث، ويدعم كذلك جهود نشر الأبحاث العلمية المتميزة التي تلبي معايير الجودة العالمية. من خلال هذا التجمع، يمكن أن يتحقق تطوير نوعي في مجال العلوم والتكنولوجيا في العالم العربي، ويسهم في تعزيز دور المنطقة على الساحة العلمية العالمية.
بالانتقال إلى مجال آخر يتأثر بشكل مباشر بتقنيات الذكاء الاصطناعي، نجد أن القطاع الطبي يشهد تطورًا ملحوظًا بفضل هذه التقنيات. يلعب الذكاء الاصطناعي (AI) دورًا جوهريًا في التحولات الحديثة التي يشهدها القطاع الطبي، وقد أدرك العلماء العرب في قطر الأهمية الكبيرة لهذه التقنية. يسهم الذكاء الاصطناعي في إحداث ثورة في الرعاية الصحية عن طريق تحليل البيانات الضخمة لتشخيص الأمراض بدقة وسرعة، وتطوير علاجات مخصصة لكل مريض. على سبيل المثال، تُستخدم تقنيات تعلم الآلة لتحليل صور الأشعة والأنسجة بدقة عالية، مما يُعزز دقة التشخيص وسرعته، ويسهم في تحسين الرعاية الصحية العامة.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي دعم الأبحاث الطبية من خلال نماذج تحليلية تتنبأ بمسارات انتشار الأوبئة وتحدد العوامل الرئيسية المرتبطة بالأمراض المزمنة، مما يُسهم في تحسين إدارة الأزمات الصحية. وقد اتاح التجمع الفرصة للتعاون لتطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي متخصصة تُسهم في تحسين الرعاية الصحية في العالم العربي.
التغير المناخي له آثار كبيرة على الصحة العامة، حيث يسهم في تفاقم العديد من الأمراض ويزيد من حدة المخاطر الصحية، خاصة في المناطق التي تعاني من التلوث والظروف المناخية القاسية. تؤدي التغيرات المناخية إلى ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة معدلات تلوث الهواء، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، مما يعرض المجتمعات لمخاطر مثل أمراض الجهاز التنفسي، وأمراض القلب، والأمراض المنقولة عن طريق المياه والحشرات.
في هذا السياق، تلعب قطر دورًا حيويًا في مواجهة هذه الظاهرة، حيث تتبنى استراتيجيات طموحة للحد من انبعاثات الكربون وتعزيز الاستدامة البيئية. بفضل استثماراتها في الطاقة المتجددة، والتقنيات الخضراء، والبحث العلمي، تهدف قطر إلى تقليل أثر التغير المناخي ليس فقط داخل حدودها، بل في المنطقة ككل.
وفي الختام، فإن تجمع العلماء العرب في قطر يمثل حجر الأساس لنموذج تعاوني فريد يسعى إلى تعزيز الابتكار والبحث العلمي في العالم العربي، ويُمهد الطريق لتوظيف الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي لدفع عجلة التطوير في مختلف المجالات. من خلال هذا التجمع، توافرت فرص كبيرة لتوحيد الجهود والموارد لتطوير حلول فعّالة تُعزز من مكانة المنطقة على الصعيد العلمي والتقني، وتدعم جهود التحول نحو اقتصاد المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
falotoum@hotmail.com
@faalotoum
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2667
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2037
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
723
| 25 يناير 2026