رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مثلت الجمعية الأوروبية للفحم الحجري والصلب التي تم تأسيسها بموجب معاهدة باريس لعام 1951، البذرة الأولى للاتحاد الأوروبي والتي نمت وتطورت لتمر في مراحل عدة حتى بلغت ذروتها بإعلان معاهدة (ماسترخت) لعام 1992 التي تشكل بموجبها ما يعرف الآن بالاتحاد الأوروبي، وقد اُدخلت تعديلات على معاهدة ماسترخت لأكثر من مرة كان آخرها في معاهدة لشبونة عام 2007 التي عززت من صلاحيات البرلمان الأوروبي وأعطت المزيد من المسؤوليات للممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، وازداد عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتصل إلى 28 دولة وآخرها كانت كرواتيا التي انضمت في 1 تموز 2013.
من أهم أهداف الاتحاد الأوروبي نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية، لكن تظل هذه المؤسسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة، لذا لا يمكن اعتبار هذا الاتحاد على أنه اتحاد فيدرالي، فهو نظام سياسي فريد من نوعه.
يمتلك الاتحاد الأوروبي من الإمكانيات والقدرات البشرية والاقتصادية والجغرافية ما يؤهله للعب دور فاعل ومؤثر في مجمل تفاعلات النظام العالمي، فعلى صعيد الموارد البشرية تجاوز عدد سكان دول الاتحاد الأوروبي 513 مليون نسمة وفق إحصائيات رسمية حديثة مما يجعله قوة بشرية نوعية كبيرة تتميز بأنها من الشعوب المتعلمة القادرة على الإنجاز ومواكبة التطور في ميادين الحياة كافة.
وعلى مستوى القدرات الاقتصادية يحتل الاقتصاد الأوروبي مكانة متقدمة بين اقتصادات الدول الكبرى، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في عام 2018 ما يقارب 18.75 تريليون دولار مما يعني أن حجم الاقتصاد الأوروبي يأتي بالمرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة، وعلى صعيد الجغرافية تحتل أراضي دول الاتحاد الأوروبي موقعا إستراتيجيا، إذ تتوسط قارات العالم وتأخذ شكل شبه جزيرة تحيط بها المياه من ثلاثة اتجاهات مما يعطيها ميزات إضافية على صعيد النقل والتجارة والأمن.
وبذلك فإن الاتحاد الأوروبي يمتلك العديد من العناصر التي تؤهله لأخذ حجم كبير من مساحة النفوذ والتأثير في تفاعلات النظام العالمي، فضلا عن قدرته على خلق التوازن الدولي في مجالات عدة، لكن ما يحول دون ذلك وجود تحديات تواجه الاتحاد الأوروبي على صعيد المؤسسات وانعدام الانسجام السياسي بين دوله وارتباك الوضع الاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى تعقيدات المشهد الدولي.
◄ غياب وحدة المواقف
رغم استحداث منصب الممثل الأعلى للشؤون الخارجية وسياسة الأمن قبل عشر سنوات ليكون منسقا للسياسات الخارجية الأوروبية باتجاه توحيد مواقف دول الاتحاد الأوروبي تجاه القضايا والأحداث الدولية، لكن يبدو أن هذه المهمة شديدة الحساسية تجاه الدول الأعضاء، وعند الحديث عن المواقف الأوروبية سواء الصادرة عن الاتحاد الأوروبي بشكل موحد أو عن كل دولة من دوله بشكل منفرد، تجاه ما جرى ويجري من أحداث، نلاحظ أنها اتسمت بالازدواجية والارتباك انطلاقا من الرؤية البراغماتية التي تتبناها السياسات الخارجية لغالبية الدول ومنها الأوروبية، فالحديث عن موقف الاتحاد الأوروبي من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، يبيّن الانقسام الأوروبي إلى طرفين، إذ ساندت بريطانيا ومعها إيطاليا وإسبانيا وهولندا والدنمارك والبرتغال، الحرب الأمريكية على العراق، بينما رفضت ألمانيا وفرنسا وبلجيكا تأييد الولايات المتحدة من خلال الدعوة إلى حل الأزمة بالوسائل السلمية، وهذا الانقسام نابع من كون الاتحاد الأوروبي يتسم بأحقية كل دولة من دوله في اتخاذ سياسة خارجية قد تختلف مع غيرها من أعضاء الاتحاد على الرغم من سعي هذا الاتحاد في أغلب الأحيان للخروج بموقف موحد في أغلب قضايا السياسة الخارجية.
◄ أزمة مؤسسات الاتحاد الأوروبي
هناك خمسة مناصب عليا في الاتحاد الأوروبي، أربعة منها سياسية وواحدة مالية هي: منصب رئيس المفوضية الأوروبية، ومنصب رئيس المجلس الأوروبي، والممثل الأعلى للشؤون الخارجية وسياسة الأمن، ومنصب رئيس البرلمان الأوروبي، ومنصب رئيس البنك المركزي الأوروبي. ويواجه الاتحاد الأوروبي إشكاليات واضحة على مستوى اختيار الأشخاص لرئاسة هذه المناصب، فغالبا ما تخضع عملية الاختيار لتجاذبات مثيرة للجدل بين قيادات الدول الأعضاء وأحيانا يتم فرض قيود وشروط على رؤساء مؤسسات الاتحاد الأوروبي مما يقلل من قدرتهم على الحركة الفاعلة المؤثرة.
وعلى صعيد عملية اتخاذ القرار داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، يواجه الاتحاد صعوبة التوصل إلى قرارات مهمة ومؤثرة، فمبدأ الإجماع كشرط لاتخاذ القرارات في مجلس رؤساء الدول والحكومات الأعضاء (المجلس الأوروبي) ومبدأ صوت واحد لكل عضو، يتجاهلان اختلاف الأوزان النسبية بين الدول الكبيرة والصغيرة، كما أدت الزيادة المطردة لأعضاء الاتحاد الأوروبي إلى توسع وتعقد القضايا المطروحة للنقاش داخل مؤسسات الاتحاد في ظل تغليب المصالح الوطنية للأعضاء على المصالح الجماعية للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي شلّ قدرة مؤسسات الاتحاد على اتخاذ قرارات حيوية.
وهناك معضلة أخرى، تتمثل في تطوير الهياكل المؤسسية للمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي على نحو يستجيب لتحديات العدد الكبير للأعضاء ويؤكد الطابع الديمقراطي للاتحاد، وضمان إشراك البرلمانات الوطنية في عملية اتخاذ القرار على مستوى الاتحاد على نحو يقلل من طابعه البيروقراطي، فضلا عن وجود مشكلة مزمنة تتمثل في تعارض الاختصاصات بين المفوضية الأوروبية وحكومات الدول الوطنية خاصة فيما يتعلق بتنظيم سوق العمل والنظام الضريبي والقضايا المرتبطة بالعملة الموحدة والسياسة النقدية.
◄ الخلافات الأمريكية - الأوروبية معضلة أخرى
تشهد العلاقات الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي أزمة حقيقية بعد وصول ترامب للبيت الأبيض، ويكمن السبب الأبرز وراء هذا التوتر بالملف الإيراني؛ فاستمرار تعامل أوروبا مع إيران وسعيها إلى التحايل على العقوبات المفروضة على طهران لإنقاذ الاتفاق النووي رغم الانسحاب الأمريكي منه، أزعج الإدارة الأمريكية التي تدفع باتجاه تشديد الخناق على طهران، فواشنطن تريد من الاتحاد الأوروبي الكف عن التعامل مع إيران، والانسحاب من الاتفاق النووي، متهمة بعض الدول الأوروبية، على رأسها فرنسا وبريطانيا، بمساعدة طهران للإفلات أو التهرب من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها. في حين يعتقد الاتحاد الأوروبي أن الاتفاق النووي هو صمام أمان بوجه تفاقم الأوضاع في المنطقة.
ومن المسائل الخلافية الأخرى بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مسألة المساهمات الأوروبية في ميزانية حلف شمال الأطلسي، إذ تطالب واشنطن الاتحاد الأوروبي برفع نسبة تمويلها للحلف في ظل تخلف العديد من دول الاتحاد عن تسديد ما عليها من مساهمات تمويل الحلف والبالغة 2% من ناتجها القومي، وهذا ما أغضب الرئيس ترامب متهما الاتحاد الأوروبي بالاستفادة على حساب بلاده التي تنفق سنويا على حلف شمال الأطلسي أكثر من ضعفي ما ينفقه الأوروبيون، إذ بلغ إنفاق الولايات المتحدة عام 2018 ما يصل إلى 650 مليار دولار مقابل 250 مليار دولار أنفقه الأوروبيون على الحلف.
وتشمل مصادر الخلاف الأمريكي الأوروبي قضية الخلافات التجارية والتهديد الأمريكي المستمر بفرض رسوم جمركية على الواردات الأوروبية لدعم الاقتصاد الأمريكي وتطبيق سياسة الحمائية دعما للصناعة الأمريكية، وكذلك انزعاج الولايات المتحدة من استمرار الأوروبيين باستيراد الغاز الروسي.
◄ الانسحاب البريطاني
في حال خروج بريطانيا المتوقع من الاتحاد الأوروبي سيتقلص عدد دول الاتحاد لأول مرة منذ تأسيسه، الأمر الذي سينعكس سلبا على قدرات الاتحاد الدفاعية، إذا ما نظرنا إلى القدرة العسكرية البريطانية وتأثيرها على السياسة الخارجية لأوروبا عموما. كما سيؤدي الخروج البريطاني إلى إضعاف الوزن الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي في كثير من القضايا والمحافل الدولية، كما يلحق الخروج المفترض ضررا باقتصاد الاتحاد الأوروبي الذي سيفقد 15% من قوته في حال انسحاب بريطانيا من الاتحاد، وستبرز مشكلة تعويض خسارة بريطانيا ومساهماتها المالية لحساب ميزانية المفوضية الأوروبية، مما يسبب ورطة كبيرة يصعب حلها، حيث يجب على دول أخرى مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية دفع الفارق الناجم عن خروج بريطانيا للميزانية الأوروبية، وهو أمر صعب المنال خصوصا مع وجود حكومات يمينية شعبوية تعلن وقوفها ضد جهود تعزيز الاتحاد الأوروبي، كما هو الحال الآن في إيطاليا، والأخطر من ذلك كله أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يشجع دولا أخرى على اقتفاء أثر بريطانيا مما يهدد الاتحاد بالتفكك والانهيار.
تحديات لا تنتهي
التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي مستمرة ولا تلوح في الأفق إمكانية تجاوزها، فبالإضافة لما ذكرناه آنفا يعاني الاتحاد الأوروبي من عدم قدرته على تأسيس جيش أوروبي موحد يغني الأوروبيين عن مظلة الحماية الأمريكية، وكذلك صعود الشعبويين للسلطة في بعض الدول الأوروبية كإيطاليا، الداعين لإيلاء المصالح الوطنية لدولهم الأولوية على حساب مصالح الاتحاد الأوروبي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1119
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
621
| 12 أكتوبر 2026