رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

141

د. عبد الله النعمة

من خطاب سمو الأمير أمام الشورى: الصمود لا تصنعه الوفرة وحدها

14 أكتوبر 2026 , 12:00ص

من الطبيعي أن يتمنى الإنسان لأبنائه حياة أفضل من حياته، وأن يترك لهم ما استطاع من أسباب الراحة والأمان والرخاء. وكذلك تفعل الأمم حين تبني مؤسساتها، وتنمي اقتصادها، وتراكم منجزاتها. لكن ثمة سؤالًا يستحق أن يرافق كل هذا البناء: هل يكفي أن نورث أبناءنا ما أنجزناه، أم ينبغي أن نورثهم أيضًا القدرة على صيانته وتطويره؟استوقفني في خطاب سمو أمير البلاد أمام مجلس الشورى قوله: «فالصمود لا يولد في لحظة الأزمة، بل هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط». وهي عبارة تفتح بابًا للتفكير يتجاوز الاستعداد للأزمات، إلى طبيعة البناء الذي نريده لمجتمعنا ومؤسساتنا، وما ينبغي أن ينتقل منه إلى الأجيال القادمة.

لقد عرفت الأجيال السابقة في قطر ظروفًا من شح الموارد وقسوة الحياة، فرضت عليها قيمًا وممارسات كانت من ضرورات البقاء: الصبر، والعمل، والتكافل، والتواضع، والاعتماد المتبادل، والقدرة على التكيف. ولم تكن هذه القيم مجرد عبارات يتداولها الناس، بل كانت حاضرة في تفاصيل حياتهم وعلاقاتهم.

واليوم، تغيرت الظروف، وأصبحت الأجيال الجديدة تعيش في واقع من الوفرة والإمكانات لم تعرفه الأجيال السابقة. وهذا في ذاته من ثمار التنمية، وليس موضع انتقاد. لكن الوفرة تحمل تحديًا خفيًا: فقد ننجح في نقل ثمار التجربة إلى أبنائنا، دون أن ننقل إليهم القيم والقدرات التي أنتجت تلك الثمار.وليس المطلوب أن يعيش أبناؤنا مشقة الماضي حتى يتعلموا فضائله، ولا أن نجعل الحرمان طريقًا إلى بناء الشخصية. وإنما المطلوب أن نبحث عن وسائل جديدة لغرس القيم القديمة في واقع مختلف. فالمسؤولية يمكن أن تُتعلم في الرخاء كما تُتعلم في الشدة، والتكافل لا يحتاج إلى الفقر حتى يمارسه الناس، والتواضع لا يتعارض مع الثراء. وهنا تتسع المسؤولية من الأسرة إلى المدرسة والمؤسسة والمجتمع. فحين نربي أبناءنا على أن الحقوق تقابلها واجبات، وأن العمل قيمة لا مجرد وسيلة للدخل، فإننا نبني قدرة على الاستمرار. وحين تتعلم مؤسساتنا نقل المعرفة، وإعداد من يخلف القيادات، ومراجعة أخطائها، فإنها لا تكتفي بتحقيق نجاحات الحاضر، بل تؤسس لاستمرارها بعد تغير الأشخاص والظروف.

وهذا هو البناء المؤسسي الهادئ الذي لا تصنعه الحماسة العابرة، ولا تقاس قيمته بما يلفت الأنظار. إنه عمل تراكمي، تتحول فيه القيم إلى ممارسات، والممارسات إلى ثقافة، والثقافة إلى قدرة على مواجهة ما لم يكن في الحسبان.

ولعل أخطر ما قد تفعله الوفرة بالمجتمعات هو أن تجعل الاستقرار يبدو أمرًا مضمونًا، وأن تُضعف الإحساس بالمسؤولية عن استمراره. فالمكتسبات التي وصلت إلينا بجهد أجيال لا تحتفظ بقيمتها لمجرد أننا ورثناها.

إن الوفاء للأجيال السابقة لا يقتصر على المحافظة على ما تركته من منجزات، بل يمتد إلى المحافظة على الروح التي جعلت تلك المنجزات ممكنة.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: ماذا سنترك لأبنائنا؟ بل: أي أبناء سنترك لما بنيناه؟

مساحة إعلانية