رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يستعجب المواطن العربي من دول عربية دخلت في حرب اليمن تأييداً للشرعية بينما وقفت ضد الشرعية في ليبيا
الأمين العام لجامعة الدول العربية نزل بمستوى الجامعة إلى الدرك الأسفل من الانحطاط والتبعية
مجلس الجامعة العربية منقسم إلى ثلاث شعب في الموقف من المسألة الليبية
(1)
ودّعت جامعة الدول العربية عام 2019 باجتماع دعت اليه مصر وانعقد مجلس الجامعة على مستوى المندوبين لبحث التطورات في ليبيا وخاصة الاتفاق التركي مع الحكومة الشرعية الليبية المعترف بها دوليا وعربيا، كان ذلك الاجتماع في 31 ديسمبر 2019. وتناوب فرسان الدول العربية للحديث في شأن المسألة الليبية مستخدمين كل عبارات الشجب والادانة في التدخل التركي في الصراع القائم بين الليبيين، ويظهر من المتابعة لبيانات أولئك الفرسان ان مجلس الجامعة منقسم الى ثلاث شعب واهمها شعبة الداعين الى ادانة تركيا لتوقيعها اتفاقا مع الحكومة الشرعية بقيادة السراج ومقرها طرابلس العاصمة، علما بأنه من حق هذه السلطة ان توقع اتفاقيات ومعاهدات مع من تشاء من دول العالم الشرعية، وتستعين بأي دولة لمساعدتها على حفظ الامن وسلامة الاراضي الليبية وسيادتها واستقلالها عندما تشعر ان امنها واستقلالها وسلامة اراضيها مهددة من قبل دول او عصابات برعاية دول اخرى، كما ان لها الحق طبقا لكل المواثيق الدولية والدستور الليبي خاصة في التوقيع على معاهدات الحرب والسلام.
(2)
الشعبة الثانية، ترفض التدخلات الاجنبية ايا كان نوعها في الشأن الليبي سواء كان تدخلا مسلحا مباشرا او عن طريق مليشيات ومرتزقة مجندين للاطاحة بالسلطة الشرعية وتسييد قوة محلية خارجة عن القانون، ويؤسفني القول ان هناك دولا عربية تؤجر مواقفها السياسية لمن يدفع الثمن.
تشير بعض وسائل الاعلام إلى ان دولة عربية منحت دولة عربية اخرى 30 مليون دولار مساعدة مالية لكي تقف الى جانب المنشقين عن الشرعية في ليبيا اي الى جانب (اللواء خليفة حفتر) وتقدم له المساعدات اللوجستية والدعم السياسي والاعلامي. هذه الشعبة تؤكد ان هناك تدخلات من دول عديدة للاطاحة بالشرعية في طرابلس الغرب.
ومع الأسف ان مجلس الجامعة آنف الذكر لم يأت على ذكر تلك الدول التي تدعم حفتر وهي معلومة للجميع وتدخلاتها في الشأن الليبي وانصبت بياناتهم على الاتفاق التركي ــ الليبي الشرعي.
(3)
الشعبة الثالثة وهم فرقة "حسب الله" من المندوبين والذين تقول التعليمات الصادرة اليهم من عواصم دولهم كونوا مع من دفع ومن غلب، وهذا حال مندوبي الملوك والامراء والرؤساء في جامعة دولهم العربية.
(4)
يستعجب المواطن العربي من بعض حكام الدول العربية التي دخلت في حرب ضروس في اليمن تأييدا للحكومة الشرعية (عبد ربه منصور هادي) في مواجهة المنشقين عنها جماعة الحوثي، وفي ليبيا يقفون ضد الحكومة الشرعية (السراج) في طرابلس تأييدا وتسليحا وتمويلا للمنشقين عنها (حفتر ورهطه). والاشد غرابة ان مجلس جامعة الملوك والامراء والرؤساء العرب تناولوا تركيا بالنقد والتجريح في اجتماعهم المشار اليه لأنها تقف الى جانب الشرعية في طرابلس وانها وقعت معها اتفاقيات امنية واقتصادية نهارا جهارا، بينما الطيران الحربي الروسي وفي نفس التاريخ واللحظة التي كان فيها مجلس الجامعة منعقد لادانة تركيا كان يدك مدن وقرى ومدارس محافظة ادلب العربية السورية ويدمر مستشفياتها وحتى قبر ابو العلاء المعري لم يسلم من التدمير الروسي كما دمرت حلب ومدنا اخرى في سورية الحبيبة، تأكيدا لذلك ذكرت صحيفة (ذي تايمز) البريطانية في مارس الماضي ان المخابرات الغربية حددت موقعا به 300 من المرتزقة الروس تابعين لشركة (فانغر) التي يرأسها يفغيني بريغوزين المقرب من الرئيس الروسي بوتين. وقالت الصحيفة ان هذه القوات تتمركز في ميناءي طبرق ودرنا شرق ليبيا وتقاتل الى جانب الجنرال المتقاعد المنشق حفتر (عرب 21 في 17 / 9 /2019) ولم نسمع اي احتجاج على ما تفعل روسيا في سوريا ولو نفاقا.
وللتأكيد نكرر القول ان بعض الدول العربية واولها مصر ترسل السلاح بكل انواعه الثقيل والخفيف كما ترسل طائرات بدون طيار واحيانا بطيار وترسل الاموال وتجند المرتزقة للعبث بليبيا كلها نكاية في الشرعية الليبية المعترف بها دوليا وتأييدا ودعما للمنشقين الذين يعملون بكل الوسائل من اجل الاستيلاء على السلطة في ليبيا ولو على جماجم الشعب الليبي وتدمير ممتلكاته وبنيته التحتية كما هو الحال في سورية المعذبة.
(5)
لا جدال بأن الامين العام لجامعة الدول العربية السيد احمد ابو الغيط نزل بمستوى ومكانة الجامعة العربية الى الدرك الاسفل من الانحطاط والتبعية. انه لم يعد يمثل جامعة الدول العربية وانما يمثل حفنة من تلك الدول وعلى رأسها مصر. في الثاني عشر من اكتوبر العام المنصرم طلب في اجتماع لجامعة الدول العربية وفي بيان رسمي "بأن على تركيا وقف العدوان العسكري على شمال سورية" لكنه تجاهل العدوان الروسي على سورية بكل انواع الاسلحة منذ عام 2011 وحتى هذه الساعة. بالأمس ابو الغيط تجاوز كل آداب الدبلوماسية واخل بالامانة الوظيفية ومن اهم واجباته وهو في هذا المنصب ان يكون محايدا في كل القضايا المطروحة على جدول الاعمال، وان تكون تصريحاته وبياناته لا تخرج عما صدر ويصدر عن مندوبي الدول الاعضاء. لقد صادر مواقف الكثير من اعضاء الجامعة الذين شاركوا في اجتماع المجلس المشار اليه عندما حرّف البيان الختامي لاجتماع مجلس الجامعة على مستوى المندوبين المنعقد في 31 / 12. ان ما فعله السيد ابو الغيط هو تزوير للبيان الختامي للمجلس وعلى مجلس الجامعة على المستوى الوزاري ادانة ابو الغيط على عملية عدم الدقة في نقل ما توصل اليه الاجتماع دون عبث بالنص. ان ما حصل اليوم ان ابو الغيط عبث بنص ومضمون البيان الختامي في الشأن الليبي قد يحصل غدا في اي شأن يطرح امام مجالس الجامعة العربية على اي مستوى كان ويحوره ليتناسب والسياسة المصرية ما لم يوقف عند حده تأديبا.
آخر القول: علاقة ابو الغيط بإسرائيل ايام العدوان على غزة 2008 وهو وزير خارجية مصر معروفة اذ اعلنت وزيرة خارجية اسرائيل تسيبي ليفني الحرب على غزة في شرم الشيخ امام ابو الغيط وكان يشد على يدها مبتسما بلا خجل. هؤلاء عملاء اسرائيل في قمة هرم جامعة الملوك والامراء والرؤساء العرب.
المتقاعدون.. وماجلة أم علي
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء... اقرأ المزيد
27
| 16 فبراير 2026
شهر رحمة لا شهر مفخرة
بضعة أيام ويهل علينا أعظم الشهور وأكثرها عبادة وتقربا لله وهو شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا وعلى... اقرأ المزيد
27
| 16 فبراير 2026
الحاصل في سوق السيارات
بعد سنين من سيطرة الأوروبيين والأمريكيين على سوق السيارات خرج عليهم المارد الصيني بكم كبير من مختلف أنواع... اقرأ المزيد
33
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1887
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1653
| 10 فبراير 2026
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
1650
| 15 فبراير 2026