رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان منظر بعض القوى المدنية السودانية وهي تتسابق في أديس أبابا العاصمة الأثيوبية لمصافحة قائد مليشيا الدعم السريع حدثا محبطا للشعب السوداني الواقع تحت لهيب جرائمه التي سارت بها الرياح ولم يعرف لها مثيلا في تاريخ البلاد، وهي جرائم وثقها أفراد المليشيا بأنفسهم مجاهرةً بجرائمهم من قتل واغتصاب وسرقة في ظاهرة فريدة من نوعها، فالمجاهرة بالمعصية كبيرة من الكبائر التي تميت القلوب وتقضي على الحياء.
إن العمل الذي قامت به تلكم المجموعة المدنية السياسية بمصافحة أياد ملطخة بدماء شعبهم، أنطق كاميرون هدسون المسؤول السابق في البيت الأبيض والمبعوث الأمريكي السابق للسودان وجعله يبدي اشمئزازه. وكتب مغردا في حسابه بمنصة إكس: (إن مشاهدة القادة المدنيين المفترضين في السودان وهم يعاملون الشخص الذي يدمر بلادهم ويغتصب نساءهم وينهب منازلهم مثل أخيهم هو أمر مثير للاشمئزاز حقًا، ولا يمنحني أي أمل في مستقبل البلاد. إنها خدمة لمصالح ذاتية وخيانة مخزية لكل السودانيين).
ولعل ذلك التداعي الذي تم في أديس أبابا كان لأجل توقيع اتفاق سياسي يخدم مصالح الطرفين وأطرافا خارجية، لا مصالح الشعب السوداني؛ فالمليشيا تبحث عن طبخة سياسية لتبييض وجهها وغسل عار جرائمها. أما مجموعة القوى المدنية التي سمت نفسها اختصارا (تقدم) وهي نسخة جديدة من قوى الحرية والتغيير المعروفة اختصارا (قحت)، حيث تسعى لركوب دبابات المليشيا لتأتي بها إلى السلطة، أما الأطراف الخارجية فتسعى للتمكن من ثروات البلاد. الطرفان وقعا اتفاقاً سياسياً فضفاضاً خلاصته أنه نتاج مساومة سياسية واستجابة لمخاوف من الملاحقة الجنائية ومطامع أطرافه. وهو نسخة لذات الاتفاق الذي كان من أسباب الحرب وهو ما عرف بالاتفاق السياسي الإطاري. فالاتفاق الجديد وصفة جديدة لاستمرار الاضطراب السياسي في البلاد. وقد كان الاتفاق الإطاري الموقع بالأحرف الأولى في ديسمبر 2022 يقضى بأن تدير الفترة الانتقالية جهة حزبية أو ائتلاف حزبي لمجموعة صغيرة من الأحزاب وهو تحالف (قحت). وكان مثاراً للسخرية أن كان وجود ممثلي الأطراف الدولية أكثر من وجود الأطراف السودانية. فقد كان هناك تكالب دولي وإقليمي فات حد المعقول فكان من أبرزهم: الآلية الثلاثية المسهلة للحوار المكونة من دول «إيقاد»، والاتحاد الأفريقي، وبعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال، والآلية الرباعية المكونة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبلدين إقليميين. وقد هدفت تلك الأقلية بمعاونة أطراف خارجية إلى تشكيل الفترة الانتقالية تشريعياً وقانونياً وتجيير ذلك لصالحها وتفكيك الجيش والتمكين للمليشيا، ولا حاجة لانتخابات طالما حصلت على السلطة بدون جهد وعناء وتنافس شريف وحر ونزيه، فهي لا تتعجّل الانتخابات لتدخل في مخاطرة فقدان كل السلطة أو حتى جزء منها.
وقد دعت حالة عدم اليقين لدى أطراف ذلك الاتفاق تسميته بـ «الإطاري» فقد حمل مضامين فضفاضة تسمح لكل طرف بهامش عريض من التفسيرات التي يظن كل طرف أنها حققت له مكاسب سياسية على حساب الطرف الآخر. ولذلك أعلن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان أن الاتفاق الإطاري يظل مفتوحا للنقاش والمشاركة من الأطراف الأخرى المتفق عليها لتطويره في المرحلة الثانية لاتفاق نهائي وترتيبات دستورية انتقالية وهو ما لم يعجب مجموعة (قحت) ومن خلفها قائد مليشيا الدعم السريع وهددوا إما يبقى الاتفاق مقصوراً عليهم أو الحرب. فكانت أهم نقاط ضعف الاتفاق الإطاري أنه لم يكن يمثل كل السودانيين ولا قضايا الهوية ولم يتجاوز كونه اتفاقاً سياسياً لتقاسم السلطة بين عسكريين يواجهون ضغوطاً داخل المؤسسة العسكرية ومدنيين منقسمين وغير مفوضين ولاهثين نحو كراسي السلطة لهثاً. بل إن الاتفاق قسّم السودانيين إلى درجتين مواطنين درجة أولى يختارون رئيس الوزراء ومواطنين درجة ثانية تتم مشاورتهم في اختيار الوزراء فقط، وبالطبع هناك أغلبية غالبة ليس لها، لا في العير ولا في النفير. ولذلك كان ذلك الاتفاق المعلول لا يؤسس لديمقراطية تقوم على الفصل بين السلطات إذ إن مجلس العدل الانتقالي الذي تعينه قوى سياسية هو الذي يختار رئيس القضاء ونوابه والنائب العام ومساعديه ورئيس المحكمة الدستورية وأعضاءها والمراجع العام.
إن التحالف الذي يضم مليشيا الدعم السريع وبعض القوى المدنية (قحت) أو (تقدم) فضلا عن القوى الخارجية، يهدف في المقام الأول إلى ضرب الجيش السوداني لتستباح البلاد في كيانها الجيوسياسي المعلوم وثرواتها تحت الأرض وفوق الأرض. وفي جدل ذلك الاتفاق الإطاري، ذهب قائد مليشيا الدعم السريع بعيدا في جسارته على الجيش الوطني ومغازلة القوى السياسية المدعومة أجنبياً، زاعما أن الجيش يحتاج لجراحة عميقة. فكان التحرش واضحا، ولذا عندما أطلقت المليشيا الشرارة الأولى في 15 أبريل الماضي للانقلاب على الجيش بتحريض من تلك القوى المدنية ودعم إسناد خارجي لم يكن صعباً على كل مراقب تفسير ما جرى ويجري اليوم.
ومثلما كان مشروع الاتفاق الإطاري يُخرج مليشيا الدعم السريع من تبعيتها لقائد الجيش السوداني ويضعه لوحده تحت إمرة رئيس وزراء غير منتخب تفرضه (قحت) القوى الأجنبية على السودانيين، فإن اليوم يراد لطبخة حديدة قديمة أن تحقق ما لم يتحقق بالاتفاق الإطاري. لذلك تتعالى الأوساط الوطنية والشعبية تطلب من رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الجنرال البرهان بألا يشترك في هذه المسرحية الهزلية فمقامه عند شعبه وجيشه الباسل أكبر من هذه المهازل والخطط المكشوفة ضد كيان الدولة السودانية. هذه الجَلَبات واللقاءات المصطنعة والمعطونة في الابتسامات الصفراء، هي طُعم لاصطياد أكبر وأهم مؤسسة وطنية قومية. وإن كان من بد فليذهب أحد مساعديه، فالبرهان قائد الجيش بكل خبرته وتأهيله وذاك قائد مليشيا إجرامية من شتات دول مجاورة. إن الشعب السوداني ينتظر قائد جيشه ألا يترك قيادة معركة الكرامة لأجل لقاء المهانة.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
975
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
792
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1194
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026