رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

711

د. خالد وليد محمود

تصريحات ترامب عن تهجير الفلسطينيين ونظرية «تصنيع القبول»!

07 فبراير 2025 , 02:00ص

تُعتبر نظرية “تصنيع القبول» أو ما تسمى بالإنجليزية ‏Manufacturing Consent التي طورها الباحثان نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، من أبرز الأطر الفكرية التي تشرح كيفية تأثير وسائل الإعلام الكبرى على تشكيل الوعي العام. وفقًا لهذه النظرية، لا تعمل وسائل الإعلام كجهات مستقلة تروج للحقيقة، بل هي أدوات في يد النخب السياسية والاقتصادية، التي تستخدم الإعلام لخدمة مصالحها الخاصة. ويتم ذلك عبر مجموعة من الآليات مثل التصفية (أي استبعاد بعض المعلومات أو الأخبار)، التركيز على قضايا معينة، إهمال قضايا أخرى، بالإضافة إلى تكرار الرسائل حتى تصبح مقبولة على نطاق واسع وتُعتبر “حقيقة” عامة، حتى وإن كانت هذه الحقائق مشوهة أو جزئية.

من بين الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها هذه الإستراتيجية هو التكرار المستمر لفكرة أو سردية معينة بما يجعلها مألوفة في ذهن الجمهور أو المتلقي، ويقلل من قدرتهم على النقد أو الرفض. هذا المبدأ يتماشى مع “تأثير التعرض المتكرر” في علم النفس، حيث تشير الدراسات إلى أن الناس يميلون إلى تفضيل المعلومات التي يتعرضون لها بشكل متكرر، حتى وإن كانت هذه المعلومات غير مقنعة لهم في البداية. ببساطة، يصبح الجمهور أكثر تقبلًا للأفكار والأخبار عندما يتعرض لها مرارًا وتكرارًا.

لكن تأثير التكرار لا يتوقف عند هذا الحد. إقصاء الأصوات البديلة يعتبر جزءًا آخر من الإستراتيجية، حيث يتم إبعاد أو تهميش وجهات النظر المعارضة أو غير المتوافقة مع السرد السائد. هذا يقود إلى توجيه النقاش ضمن نطاقات محددة، مما يحد من تنوع الأفكار ويضمن أن الجمهور يتلقى الرواية التي تروج لها النخب. لا تقتصر هذه الروايات على كونها منحازة، بل تُقدّم أحيانًا على أنها محايدة أو موضوعية، مما يعزز من مصداقيتها في أعين المتلقين رغم انحيازها الواضح.

* إذن، إن التكرار ليس العنصر الوحيد في “تصنيع القبول”، بل هو يعمل جنبًا إلى جنب مع أدوات أخرى مثل الإطار الإعلامي (التوجهات الإعلامية التي تحدد كيفية تقديم الأخبار)، والتصفية (الاستبعاد الانتقائي للمعلومات)، والتحكم في الأولويات (تحديد ما هو مهم وما يجب أن يُنسى). كما يتم اختيار المصادر بعناية لتدعيم السرد المهيمن، مما يضمن أن الرؤية السياسية أو الاقتصادية التي تسعى النخب لترسيخها تصل إلى الجمهور بأكبر قدر من الفعالية.

تأسيسًا على ما سبق؛ يمكن ربط نظرية “تصنيع القبول” بتكرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفكرة تهجير الفلسطينيين من غزة، فوفقًا لهذه النظرية، تعمل وسائل الإعلام والنخب السياسية المؤثرة على تشكيل الرأي العام من خلال تكرار رسائل وأفكار معينة حتى تصبح مقبولة في أذهان الجمهور، حتى وإن كانت هذه الرسائل مرفوضة أو مشوهة في البداية.

* في حالة ترامب، تكراره المستمر لفكرة التهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن، على الرغم من الرفض الصارخ لها من الدول العربية والمجتمع الدولي، يعكس استخدامه لأداة التكرار التي يتبناها مروجون للخطاب السياسي في إطار “تصنيع القبول”. عندما يكرر ترامب هذه الفكرة مرارًا، يتسلل هذا المضمون إلى الوعي العام، مما يقلل من حدة الرفض المبدئي لها. التكرار في الخطابات أو التصريحات العامة يعمل على تخفيف ردود الفعل العاطفية تجاه الفكرة، مما يجعلها أقل صدمة وأكثر قبولًا بمرور الوقت، حتى لو كانت مرفوضة في البداية من معظم الأطراف المعنية…

* ختامًا، الحذر الحذر من هذه النظرية، فهي ليست مجرد آلية لتشكيل الرأي العام، بل هي إستراتيجية قد تؤدي إلى تغييب الحقائق وتشويه الوعي الجمعي. يجب أن نكون يقظين في مواجهة التكرار الإعلامي الموجه والتأطير الانتقائي للمعلومات، لأن ما يبدو كحقيقة مقبولة قد يكون مجرد بناء فني لخدمة مصالح معينة. لذا، علينا أن نتبنى التفكير النقدي، وأن نبحث عن مصادر متنوعة ومتوازنة كي لا نكون مجرد مستهلكين غير واعين لما يُصنع لنا من أفكار ومشاريع. فثمة من يحاول تشكيل الوعي العام وتوجيهه نحو قبول فكرة مرفوضة في جوهرها، فكل ما يريده ترامب الذي يفكر بمنطق «المقاول» هو تحويل «التهجير الفلسطيني» من فكرة مثيرة للجدل إلى جزء من النقاش العام الذي يصبح أقل استثنائيًا مع مرور الوقت. وبذلك، قد يصبح الجمهور أكثر تقبلًا لها، خاصة إذا تم إقصاء الأصوات المعارضة أو توجيه النقاش نحو أولويات أخرى، مثل الأمن الإقليمي أو الاستقرار، وهو ما يجعل الفكرة تبدو كحل ممكن أو منطقي.

* نظرية “تصنيع القبول” توضح كيف يمكن أن يُحَوَّل السرد المتكرر إلى حقيقة مقبولة على الرغم من الرفض الأولي، وهو ما ينطبق بشكل مباشر على تكرار ترامب لفكرة تهجير الفلسطينيين. لذا، ينبغي توخي أعلى درجات الحذر من تأثير هذا التكرار على تشكيل القبول العام للأفكار والمواقف، خاصة عندما يتم تقديمها بشكل مدروس يهدف إلى تغيير التصورات العامة حول قضايا حساسة مثل القضية الفلسطينية.

مساحة إعلانية