رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

129

موزا محمد الكواري

إلى من آمن بي قبل أن أؤمن بنفسي

07 مارس 2026 , 05:41ص

في حياة كل إنسان لحظة فارقة، لا تُصنع بقرار شخصي فقط، بل بكلمة صادقة قالها له أحدهم في الوقت المناسب.

هناك دائمًا شخص رأى فينا ما لم نره، وأبصر قدرتنا قبل أن نُدركها، وآمن بخطوتنا الأولى قبل أن نجرؤ عليها. إلى أولئك الذين سبقونا إلى الثقة بأنفسنا، نكتب هذا الامتنان.

الإيمان بالإنسان ليس مجاملة عابرة، بل مسؤولية أخلاقية عميقة.

أن تقول لشخص متردد: “أنت تستطيع”، وأنت تعلم حجم شكوكه، هو فعل بناء. أن تدعمه في لحظة تردده، هو استثمار في طاقته الكامنة. فكم من نجاح كبير بدأ بإيمان صغير زرعه شخص آخر في قلب مرتبك.

في مجتمعاتنا، نحن بحاجة إلى ثقافة الإسناد لا ثقافة التقليل.

بحاجة إلى معلم يرى في طالبه مشروعًا واعدًا، لا رقمًا في كشف حضور.

وبحاجة إلى قائد يمنح فريقه مساحة الخطأ ليتعلم، لا مساحة الخوف ليتراجع.

الإيمان بالآخرين ليس ضعفًا في المعايير، بل ثقة في الإمكانات.

كثيرًا ما نعتقد أن القوة تنبع من الداخل فقط، لكن الحقيقة أن الداخل كثيرًا ما يُستثار بدافع خارجي. كلمة تشجيع من والد، نظرة فخر من أم، دعم صادق من صديق، توجيه مخلص من قائد، كلها روافد تُغذي الثقة، وتعيد صياغة الصورة الذاتية للفرد.

ولعل أجمل ما في الإيمان الصادق أنه لا يُشعر صاحبه بالمنة، بل بالمسؤولية.

عندما يؤمن بك أحدهم، لا تشعر بثقل التوقعات بقدر ما تشعر برغبة في أن تكون على قدر ذلك الإيمان. هنا يتحول الدعم إلى دافع، والثقة إلى التزام أخلاقي تجاه ذاتك وتجاه من وثق بك.

إن بناء الإنسان لا يتحقق فقط عبر الخطط والاستراتيجيات، بل عبر العلاقات الإنسانية التي تُحيط به. فالمؤسسات التي تزدهر هي تلك التي تؤمن بموظفيها قبل أن تطالبهم بالإنجاز، والأسر التي تنجح هي التي تُعزز ثقة أبنائها قبل أن تُحاسبهم على النتائج، والمجتمعات التي تتقدم هي التي تزرع في أفرادها شعور القيمة قبل شعور المقارنة.

إلى من آمن بي قبل أن أؤمن بنفسي، لم تكن كلماتك عابرة، بل كانت نقطة تحول.

لم يكن دعمك تفصيلاً، بل كان فارقًا في المسار.

كنت ترى الإمكان حيث أرى العجز، وتبصر الفرصة حيث أرى الخوف.

واليوم، حين أقف بثبات أكبر، وأتخذ قراراتي بثقة أوضح، أعلم أن جزءًا من هذا الاتزان يعود لذلك الإيمان المبكر الذي منحني مساحة لأجرب، وأخطئ، وأتعلم، دون أن أفقد قيمتي في عين من دعمني.

ربما لا نُجيد دائمًا التعبير عن الامتنان، لكننا نحمله في كل خطوة ناجحة، وفي كل إنجاز تحقق، وفي كل موقف تجاوزناه بثبات.

فالفضل بعد الله، لمن قال لنا يومًا: “أنا أؤمن بك”، فصدقناه… حتى صدقنا أنفسنا.

إن أجمل ما يمكن أن نرد به هذا الجميل، أن نكون نحن بدورنا مصدر إيمان لشخص آخر.

أن نلتقط موهبة ناشئة، أو ندعم فكرة مترددة، أو نُعيد الثقة لقلب اهتز.

فالإيمان طاقة متجددة، تنتقل من روح إلى روح، وتصنع في صمتها أعظم التحولات.

إلى من آمن بي قبل أن أؤمن بنفسي.

شكراً لأنك كنت البداية التي لم أرها، والقوة التي لم أعرفها، والمرآة التي عكست لي صورتي الحقيقية قبل أن أتعرف عليها.

مساحة إعلانية