رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحيانا تمر الأيام على الكاتب ولا يجد ما يكتبه لقرائه في مقاله الأسبوعي، وأحيانا أخرى تتكاثف الأفكار في ذهن الكاتب في لحظة واحدة ويصبح حائرا من كثرة الأفكار التي تتطلب البحث والتدقيق والتحليل.. وخلال الأيام الماضية كنت من أصحاب المجموعة الثانية، فالأفكار والأحداث غزيرة بلا شك، مذابح في سوريا وتعامي المجتمع الدولي عما يجري هناك وبشار الأسد يستأسد على شعبه المسكين، وتطورات لبنان لم تكن بأقل سخونة من سوريا، والعراق لم يكن بعيدا عن المشهد المأساوي بقتلاه وأشلائهم في مقر الوقف الشيعي والخلافات المستمرة بين أقطاب الحكم الذين لا هم لهم سوى بيع العراق لجيرانه وليس مهما مصلحة الشعب ومستقبله، أما مصر فلم تكن بأقل سخونة بعد إصدار الحكم على الرئيس السابق حسني مبارك والذي جاء على غير هوى البعض لنرى من جديد المليونيات في القاهرة وكأن هذا المشهد لا يستطيع أن يختفي من مصر ما بعد الثورة.
أعتقد أن كل هذه العناوين رغم أهميتها لم تستوقفني كثيرا ومررت عليها بسرعة، بعدما وجدت بالصدفة وأنا أبحث في العالم الافتراضي – الإنترنت – عن أخبار إيران وأحداثها. والصدفة وحدها هي التي قادتني إلى ما سأتحدث عنه، ويتعلق بأكاذيب وأوهام صرح بها مسؤولون إيرانيون لوفد من صحفيي مصر كان يزور إيران خلال الفترة الماضية. وقد اهتمت كل الصحف والمواقع المصرية بنقل تلك التصريحات تقريبا، خاصة وأن صحفيي الوفد قابلوا أكثر من مسؤول إيراني ما بين ديني وسياسي، ويبدو جليا أن طهران استفادت جيدا من المهمة الصحفية وملأت أدمغة الصحفيين بما تريده من معلومات، وتحدث مسؤولوها معهم وكأن إيران دولة محايدة ولا تتدخل في شؤون الدول المجاورة وغير المجاورة.
فالمسؤولون الإيرانيون تمادوا في رسم صورة وهمية وكاذبة عن بلادهم أمام الوفد المصري، وكان الغرب حاضرا بالطبع في ذهن الإيرانيين وهم يتحدثون للصحفيين المصريين، فهو يسعى دائما للتفريق بين العرب وإيران، ويبث التفرقة والفتنة بين الطرفين لتبدأ الصراعات ثم يعلن عن استعداده للتدخل تحت مظلة عملية التسوية وحل المشكلة في حين أن غرضه هو تقسيم دولها والسيطرة على شعوبها. هذا ما قاله الإيرانيون، ولكنهم ربما نسوا أن الجانب العربي أو الخليجي لم يخلق المشاكل، وإنما إيران هي المحرضة دوما على الكراهية، فهي التي تستغل قدراتها للنيل من وحدة منطقة الخليج وتهديدها دائما بإحراقها مع إشعال مضيق هرمز لوقف صادرات النفط الخليجية إلى الخارج.
ربما التزم الإعلاميون المصريون بنقل أحاديث المسؤولين الإيرانيين بحذافيرها التزاما منهم بالمعايير الصحفية وعدم التدخل في التصريحات بالتحليل، وإنما من واجبنا نحن أصحاب منطقة الخليج تحليل تلك التصريحات الفارغة من منطلق أننا سكان تلك المنطقة التي تريد إيران إشعالها وبث الفرقة بين مواطنيها. فمثلا عندما يدعي الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن الشعب الإيراني لا يريد أن يفرض نفسه على أحد وأن بلاده لا تتدخل في شؤون أية دولة بالمنطقة، فهنا يجب أن نتوقف لحظة ونقول له أو نسأله بمعنى أدق:" من المسؤول عن مشكلات الخليج، في البحرين والسعودية والكويت.. وأخيرا ما يجري في اليمن؟".. ألم تكن إيران هي صاحبة الأيدي الخفية في القلاقل التي نشهدها هنا وهناك، أم أن أياد أخرى تلعب في الخفاء؟ ولذلك لن نصدق ادعاءات نجاد الذي يكذب ويقول إن دول المنطقة تتصارع فيما بينها على واحد من ألف من تعاليم الدين الإسلامي وأوامر الرسول عليه الصلاة والسلام، وبالتالي لابد من أن نقف متحدين!
أي اتحاد يتحدث عنه نجاد والإيرانيون، وهم يسعون إلى احتلال مناطق الغير ويدعون زورا وبهتانا بأن منطقة الخليج هي ملك لهم وأن التاريخ والخرائط يؤكدان هذا. ثم أي اتحاد يتحدث عن المدعو نجاد وبلاده لا تتركنا في حالنا، ثم يدعي أن بين إيران والعرب صداقة تجمع دول المنطقة وأن إيران تمد يدها لكافة الإخوة وعلى أتم الاستعداد لإجراء حوار مع أي دولة إذا طلب منها ذلك. ربما كنا صدقنا نجاد إذا تحدث عن كيفية الاستفادة من ثروات وخيرات المنطقة ووضع إستراتيجية محددة لخدمة أهداف ومستقبل شعوبها، ولكنه لم ولن يفعل، لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقول المثل الشائع.
ونترك نجاد إلى أكاذيب من نوع آخر صاحبها هذه المرة هو المدعو علي أكبر ولاياتي وزير خارجية إيران الأسبق، فهو يكرر نفس ادعاءات رئيسه مع إضافة الحبكة الدرامية عليها، معتبرا الشعوب الخليجية لا تقرأ ولا ترى، فهو عندما يتحدث ببراءة عن إمكانية إزالة أسباب التوتر بين إيران والأقطار العربية، يعتقد أن هناك من سيصدق كلامه. وعندما يدعي أيضاً أن بلاده ترتبط بعلاقات حميمة مع بعض الدول العربية وأن طهران غير مسؤولة عن إثارة التوتر أو النزاعات أو الخلافات فيما بين الدول العربية أو داخل حدود الدولة الواحدة، يعتقد أيضاً أننا سنصدقه. ثم يعود إلى النغمة المستفزة عندما يتهم الغرب بالسعي دائما إلى بث الفتنة والفرقة بين إيران والعرب!!
وإذا ما حللنا أكاذيب إيران بشأن الثورات العربية والتي تعتبرها ربيعا بحق، فأي حق اعتبرته حقا فيما يجري في سوريا بأنه مجرد مؤامرة ضد طفلها بشار الأسد الذي دخل مرحلة حرق سوريا من أجل مصلحته فقط. المثير للدهشة أن الإيرانيين يدعون وقوفهم مع الشعوب العربية، ثم فجأة ينسون هذا الكلام إذا جاء الحديث عن سوريا، فتنقلب تصريحاتهم فجأة، ويعتبرون ما يجري هناك بأن مجرد أقلية تحاول الجور على حقوق الأغلبية.
وأنا وغيري من الغيورين نوجه سؤالاً للنظام الإيراني الذي لا يكف عن ترديد الأكاذيب: " كيف تدعون وقوفكم مع رغبة الشعوب لتحقيق الحرية والعدالة، وبعد ذلك تتجاوزون عما يجري في سوريا عندما يريد الشعب نيل الحرية والعدالة؟".. مجرد تساؤل لن يجيب عنه النظام الإيراني المراوغ، فالإيرانيون منشغلون فقط بتحقيق مصالحه أولا وأخيرا فيما بينهم وإصلاح نظامهم المتهاوي من الداخل وحل الصراعات والفساد داخل إيران.. وسؤال ربما يكون قبل الأخير:" لماذا يرفض الإيرانيون التحكيم الدولي للفصل في ملكية الجزر الإماراتية المحتلة؟".. ونصل إلى السؤال الأهم:" لماذا يواصل الإيرانيون بث الفتن والتحريض داخل البحرين للتفريق بين شعبها الذي لا يريد سوى سلام واستقرار؟". أعتقد أن الإيرانيين أمامهم ردح من الزمن لكي يردوا على هذه الأسئلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026