رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الطائرة وفي هذا الأسبوع كان بجواري الإعلامي الأستاذ: جمال خاشقجي، وكان من جملة الحديث معه منطق عدد من الإعلاميين عن الأحداث في غزة، وفي ثنايا الحديث مدَّ يده على إحدى الصحف العربية الدولية مشيراً إلى خمس مقالات فيها كلها تُحمِّل حماس ما جرى في القطاع، ثم عقَّب ساخطاً: هذه المقالات السخيفة التي لا تعتمد على أي منطق أو تحليل.
أقول: إن العجيب في الأمر أن هذه الكتابات هي التي تُغذِّي – وللأسف - فكر الكثير من قيادات الحكومات العربية - إلا ما رحم ربك!
أي إن منطق المقاومة عند الكثير من الحكام العرب خاطئ، لأنه باختصار يتمثل في مفاهيم ثلاثة تهمهم: (الإسلام السياسي) أو باختصار: الوجود الإخواني - الممثل في (حماس)، المحرِّك للربيع العربي وتداعياته. ثم (السَّلام) أو باختصار: الحرص كل الحرص على تهدئة المنطقة، والنزوع للدَّعة، وعدم استفزاز القوة الصهيونية، وما يجري معها تحت الطاولة من تحالفات. وثالثاً: (أمريكا) وأوامرها وشروطها، وتهديداتها وتخويفاتها من أحداث هنا وهناك في الوطن العربي سواء ما كان منها في سوريا، أو العراق، أو ليبيا، وسواها من المناطق الساخنة التي ترعب بتداعياتها وآثارها الجميع.
وسأجيب عن منطق هذا التفكير بنقطتين اثنتين، بيد أنني أحب أن أذكر هذه المجموعة التي تدعي الثقافة، ومن يتقبل أو يتشرب فكرها من بعض الحكام ومن ينوب عنهم، أن الحديث عن المقاومة هنا هو أمام اليهود المغتصبين، والصهاينة المحتلين.
فلا الحديث عن تنظيمات عربية، ولا أحزاب سياسية، إنما عن فصيل يهودي منحرف خالص، وقاتل بكل عتاده، ومناور بكل تكتيكاته عبر التاريخ الحديث في كل الوطن العربي، الذي تثبت الصور والأفلام كل ما حصل، لو كانوا يعقلون.
وأعود الآن للإجابة عن منطق التهاويل التي يطرحها هؤلاء الكُتَّاب والحكام في شأن المقاومة ضد الصهاينة المحتلين من ناحيتين: (تاريخية نفسية) و(ميدانية واقعية).
أما من الناحية التاريخية النفسية فإنه منذ نزول القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والحديث فيه عن اليهود بأن لهم طبيعة واحدة، وجبلَّة متكررة لا تتغير، ولا تختلف فيهم جيل عن جيل، فهم في كل عصر ومصر أصحاب سوء وانحراف سلوك، والتواء موقف، ونقض عهود ومواثيق.
فقد توجه القرآن الكريم إليهم يذكرهم بنعم الله تعالى عليهم ليطالبهم بالوفاء بعهد الله وميثاقه في إيمانهم بخاتم الرسل: "يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ" [البقرة: ٤٠].
وسجل عليهم القرآن الكريم أنهم قتلوا عدداً من الأنبياء، ومن الدعاة الصالحين. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [آل عمران: ٢١].
كما وصفهم الله تعالى في القرآن بشدة الحرص على الحياة، والبقاء فيها، بأي حياة مهما كانت، فقال تعالى: "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" [البقرة: ٩٦]. بل ونعتهم القرآن بالجبن المتأصل في نفوسهم، فقال سبحانه: "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ " [الحشر: ١٤].
وسجل عليهم القرآن الكريم استهتارهم بدينهم، مما حملهم على تبديل كتاب ربهم وتحريفه، ابتغاء منافع الدنيا وأموالها، فقال تعالى: "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" [البقرة: ٧٩].
بل وسجل عليهم القرآن الكريم الوقاحة والسفاهة والبذاءة، بما لم يسبقهم إليه أحد، ولن يلحقهم فيه أحد، حتى لقد بلغوا في ذلك أن وصفوا ربهم الذي خلقهم بالبخل - قاتلهم الله- "وَقَالَتِ الْيَهُوْدُ يَدُ اللهِ مَغْلُوْلَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيْهِمْ وَلُعِنُوْا بِمَا قَالُوْا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوْطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيْدَنَّ كَثِيْرًا مِّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوْا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِيْنَ" [المائدة: ٦٤].
ووصفوه سبحانه بالفقر - تعالى الله عما يقولون-" لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ" [آل عمران: ١٨١].
ومن أخطر وأسوأ أفعالهم عداوتهم المستمرة أبد الدهر للمسلمين. قال تعالى: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" [البقرة: ١٢٠]. وقال سبحانه: " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ" [المائدة: ٥٩].
إن عناية القرآن الكريم الشديدة بالكشف عن طبيعة اليهود وأعمالهم المستمرة، كان بهدف وضع المسلمين على المحجة البيضاء، كي لا يخدعوا بمعسول كلامهم، ويغريهم بنو يهود بالوعود والمواثيق الآيلة إلى النكث والنقض.
وفي أهم تطبيق عملي في السيرة مع خير البرية صلى الله عليه وسلم، نجدهم في المدينة قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحدثوا فيها حدثاً، ولا يُؤْوا مُحدِثاً، وأن يسالمهم ويسالموه، ولكن يهود ما لبثت أن أدركتها طبيعتها، وغلبت عليها جبلتها، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة.
أما بنو قينقاع فقد شرقوا بنصر المسلمين في بدر، وغلى الحقد في قلوبهم على الإسلام، واستغلوا مشهد امرأة مسلمة تشتري من صائغ في سوق بني قينقاع، فاجتمع عليها نفر من اليهود وأرادوها أن تكشف وجهها فأبت، ثم عمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فعدت يهود على المسلم فقتلوه، فكان أن حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع ليالي حتى نزلوا على حكمه، وذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة، ثم أُجْلوا عن المدينة.
وأما بنو النضير، فلم يثبتوا على عهد رسول الله ونكثوا الميثاق، ولم يصبروا على مكرهم بالإسلام، ولما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منهم أن يشتركوا في دفع دية اثنين من المشركين، أمَّنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلهم أحد المسلمين وهو لا يعلم بالأمان، وذلك بعد غزوة بدر بستة أشهر، قالت بنو النضير: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، ثم تآمروا على قتله، بطرح الرحا على رأسه من فوق السطح. فجاءه الخبر من السماء، فنهض مسرعاً، ثم أمرهم بمغادرة المدينة فرفضوا، فحاصرهم حتى خضعوا، وأجلاهم عن المدينة.
وأما بنو قريظة، فلم يجدوا فرصة للغدر ونقض الميثاق إلا بادروا إليها، ولـمَّـا تحزبت الأحزاب حول المدينة المنورة، انضموا إليهم، ناقضين العهد مع الرسول، وبعد أن ردَّ الله كيد الذين كفروا، حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقتل رجالهم، وسبى نساءهم. وكان هذا في السنة الخامسة للهجرة.
وفي السنة السابعة، وبعد صلح الحديبية، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبقى من اليهود في بلاد العرب، فغزا خيبر حتى فتح حصونها، واستسلم له بعضها الآخر. وغزا وادي القِرى فاستسلم له من كان فيها من يهود.
وقد منَّ رسول الله على يهود خيبر، وأبقاهم يزرعونها على أن يكون لهم نصف ثمرها. ولكن أدركتهم جبلتهم الخسيسة في نكث المواثيق، فلما جاءهم عبدالله بن عمر رسولاً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ ليقاسمهم ثمار خيبر، حاولوا قتله، وألقوه من فوق أحد البيوت، فخُلعت يده، فأجلاهم عمر بن الخطاب عن بلاد العرب.
وهكذا عرف التاريخ غدرهم ونقضهم للعهود، وصدق الله تعالى إذ قال فيهم: "أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" [البقرة: ١٠٠].
فهل بعد هذه النصوص والحقائق يغيب وعي بعض من انتسبوا للإسلام، وحكموا ديار المسلمين، ويظنون في اليهود مجرد ظن حرصهم على المنافع والمصالح؟!
وهلاَّ على هدي السيرة اقتفوا في تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود بعد فضح دسائسهم ومكرهم؟!
وأنطلق الآن للنقطة الثانية: (الميدانية الواقعية) والتي ما هي إلا وثيقة جديدة، كل ما فيها أنها معاصرة، وأدعى لحكاية ووعي الواقع القريب.
ففي (1967) زمن النكسة، اجتمع عدد من الدول العربية الأقوى بعتادها العسكري وتمويلها النفطي، ورغم كثرتها وعتادها خسرت، لأن مظلتها كانت المادية والقومية والهبَّة المضرية، من غير هدف واضح، ولا عقيدة راسخة، فخسرت الأمة العربية من جغرافيتها في خمسة أيام: سيناء في مصر، وهضبة الجولان في سوريا، ومزارع شبعا في لبنان، والضفة الغربية والغور في الأردن، وجزيرتي تيران وصنافير على مدخل خليج العقبة في السعودية، وأخطر من ذلك ضياع القدس!
ومن (67) إلى أكتوبر (73). عندما قام جيش واحد من كل تلك الجيوش العربية، فاختلف نداء حركته إلى (الله أكبر) عقيدة، ورسخ في ذهنه قيمة التحرر من اليهود، وشاركه الجيش السوري الموحَّد معه، فكانت الملحمة التاريخية المعاصرة، التي كُتبت فيها الكتب الخالدة، وغُنيت لأجلها الأغاني الوطنية التي صدح كبار المغنين بأدائها بافتخار، ومازالت تذاع إلى اليوم!
ثم حصل السلام بدل منطق الحق والقوة ببركة أمريكا وحلفائها، وخفوت صحوة الضمير وكبرياء الحق.
وبعد طول نكسة وغفلة ونومة، عادت حماس ومن بجوارها من الفصائل المباركة لتخوض حربا في رمضان كما حرب العاشر من رمضان (أكتوبر 73)، وتقتل (497) جنديا، و(113) ضابطا، وتجرح (879) جنديا، و(362) ضابطا - كما في صحيفة هارتس العبرية، وتكبد العدو الصهيوني الخسائر بالمليارات من الدولارات.
ولمن يريد أن يعرف أو لا يعرف أو أن يفهم أو لا يفهم، فإن حماس اليوم كسرت حاجز الخوف من الصهاينة، وباغتت العدو بالصواريخ التي هزَّت تل أبيب، ولم تصدها أي قبب رادعة.
حماس اليوم بنت أرضاً تحت الأرض للمقاومة، ووصلت لما بعد خط العدو، وتلاحمت في منطقة الصفر عشرات المرات، وقالت وفعلت.
حماس اليوم ومن معها بأيديهم وعقولهم واستثمار إمكاناتهم يتماسون من منطقة الصفر بكل قوة وفن عسكري، وقلب مزلزل، ويد مدمرة للمحتل وأعوانه.
وإذا كنا نحزن على حال من قتل من إخواننا وأهلنا الأبرياء في غزة، فإننا نتساءل: ألم يثبت أن مئات الشهداء هم من اللاجئين في مدارس الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، وأكثرهم أطفال ونساء وعجائز؟! فهل هذا القصف المتعمد لهذه الأماكن رصيد فخر، وسجل بطولة؟!
إن حماس وبقية الفصائل الشريفة بقيت محافظة على عقيدتها الإيمانية، وعقيدتها البطولية الميدانية.
فهي لله وللجهاد، ثم لفلسطين ضد اليهودي الغاصب.
فهل يا حكام العرب - ممن خذل منكم غزة - ومن تكلم باسمكم ولكم، تعيدون فهم الدرس من جديد؟
وإن لـم تفعلوا، فتذكروا أن لعنة التاريخ على الظالمين سنة فاعلة إلى يوم الدين.
واعقلوا أن صمتكم هو الفتنة بعينها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: "خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان فرسه، خلف أعداء الله يُخيفهم ويخيفونه". [رواه الحاكم].
إنه المنطق النبوي الأصيل في أن الرجل لا يهرب وقت الفتن، فاثبتوا أيها الحكام لتكونوا رجالاً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7377
| 14 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
4578
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4386
| 15 يونيو 2026